«اللعبة انتهت»؟.. ليس بالنسبة لبشار!
11. حزيران 2026
الطاغية السوري خسر بلاده، لكنه ما زال يبحث عن ملاذ في أوهام السيطرة.
على عكس نظيره، الطاغية «الأبدي» في رواية «خريف البطريرك»، والذي تحفّ الذكريات المظلمة والخوف بخاتمته الدموية، يقضي بشار الأسد، حاكم سوريا السابق الهارب، وقتاً طويلاً بممارسة ألعاب الفيديو من شقته الفارهة في قلب العاصمة الروسية.
لكن هذا الروتين ليس مستجداً، فبالاستناد إلى مقابلات مع ضباط وأشخاص كانت لهم صلات بالقصر الرئاسي، وصف تحقيق، نشرته مجلة «ذي أتلانتيك» الأمريكية هذا العام، رئيس سوريا المخلوع خلال سنواته الأخيرة قبل السقوط بأنه «حاكم منفصل عن الواقع ومهووس بالجنس وألعاب الفيديو»، وبذلك فإن التقارير الجديدة المذكورة («يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية و«دي تسايت» الألمانية) لا تفعل غير التأكيد على استمرار هذا الإدمان القديم-الجديد.
علاقة الأسد بألعاب الفيديو ليست هواية طارئة إذن. لقد بدأت قبل فترة طويلة من سقوطه، وتحولت أثناء سنوات رئاسته إلى عادة يمارسها عبر منصات الانترنت والهواتف الجوالة المختلفة. وفيما كانت سوريا تتلاشى وتدخل أسوأ حقبة في تاريخها السياسي والاقتصادي والاجتماعي أصبح الأسد «لاعباً محترفاً» تتنوع اهتماماته بين ألعاب الأكشن والمغامرة مثل سلاسل FIFA وUncharted وThe Last of Us ، وتنوس بين Candy Crush Saga التي تقدم مكافآت الحلوى والموسيقى المرحة، ولعبة Battlefield التي تحاكي المعارك الاستراتيجية!
ربطت التقارير روتين الأسد الأخير هذا بالعزلة «شبه التامة» التي يعيشها، حيث يحيط به حراس شخصيون وظفتهم السلطات الروسية، ويُفرض عليه التزام الصمت والابتعاد عن الأضواء والعمل السياسي. أما عادته القديمة، وضمنها اهتمامه بألعاب الجيوش الافتراضية، فكانت أقرب إلى ملجأ نفسي له وتعويض عن تضاؤل شأنه السياسي والعسكري مع فقد نظامه السيطرة على أجزاء كبرى من سوريا قبل أن يفقد السلطة نهائياً.
الوهم والضلال
تصلح حالة الأسد كنموذج مهم للتحليل كونها تظهر في سياقين سياسيين مختلفين. قد تكون ألعاب الفيديو بالنسبة للشخص العادي وسيلة للاسترخاء، أما بالنسبة لحاكم يشهد انهيار دولته، واندحار اقتصاد بلاده، واضطراره للاستتباع لقوى الخارجية لإسناده عسكرياً ومالياً، فإن الإدمان يحمل معنى الانسحاب من قواعد الواقع الحقيقي، والانكفاء إلى نظام يمكن إخضاعه للسيطرة. نظام يقدم على شاشة الكمبيوتر تعويضاً عن العواقب التاريخية لمجرى الانحطاط السياسي الفردي والعام.
يمكن اعتبار حالة الإدمان على الألعاب تعبيراً عن حالة ذهنية أوسع نطاقاً، وظاهرة يمكن تحليلها سياسياً. فالألعاب سياسية لأنها أنظمة تحكمها قواعد تحدد من يحق له التصرّف، ومن يملك الموارد، ومن يُعاقب، ومن يُحمى، وأي أنواع العنف يعتبر شرعياً. تتضمن العديد من الألعاب العسكرية أسلحة وأزياء رسمية ولغة تكتيكية وتضحيات بطولية لكنها غالباً ما تستبعد الحزن والصدمة واللاجئين والأطفال والفساد والتعذيب والبنية التحتية المدمرة والموقف الأخلاقي والعواقب السياسية طويلة الأمد. تحوّل هذه الألعاب الحرب إلى فضاء نظيف: تحديد العدو، إطلاق النار، التقدّم، الصعود لمستوى أعلى والتكرار.
يخلط المستبد المحاصر داخل ألعاب القصر بين أشكال الولاء والتآمر والخيال، فتتجادل عناصر السيطرة على الشاشة مع الأوامر لأجهزة الاستخبارات والجيش والدعاية الإعلامية، وتتماثل مع السيطرة على الواقع والتاريخ. كانت الألعاب خلال إقامة الأسد في دمشق تعتبر تسلية لحاكم لا يزال يتمتع بسلطة وإن تكن متهاوية، أما في موسكو فقد أصبحت الألعاب عادة يومية لشخص جُرّد من سيادته التي كانت مطلقة على الدولة والجيش والأجهزة الأمنية والحزب. لم يعد اللعب هرباً من المسؤولية بل بديلاً عن «الفردوس المفقود» للسلطة المطلقة لأحد أكثر الطغاة دموية في القرن الحالي.
لا إعادة ضبط
في كتابه «الهجرة نحو العالم الافتراضي: كيف يغيّر الترفيه الواقع»، يرى أستاذ الإعلام الأمريكي (ادوارد كاسترونوفا Edward Castronova) أن الألعاب هي إحدى الاستعارات المركزية لهذا العصر. إنها السلطة المعاد تصميمها على أنها لعب، واللعب المعاد تصميمه على أنه سلطة.
في حالة بشار الأسد هناك تباين نفسي حاد بين الحالتين، فأثناء وجوده على رأس السلطة كانت الألعاب توفّر للأسد ميّزة الإنكار الذي يشتت الانتباه عن الواقع المتدهور لسلطته، وفي المنفى وفّرت الألعاب بديلاً يملأ الفراغ الذي خلّفه الواقع فقدانه الفعلي للسلطة. تشابكت الظاهرة، عند الأسد، مع انهيار الواقع السياسي: أولا كانفصال عن القصر، ثم كروتين في المنفى.
تجعل الألعاب أنظمة العنف تبدو نظيفة وواضحة وقابلة للتحكم في حين أن السياسة والحرب الحقيقيتين تتطلبان قدرات عقلية أخرى. مفردات الحرب الحقيقية هي الإبادة والتطهير العرقي والمجاعة وعمليات التعذيب والاغتصاب والتقطيع والفساد والصدمات. يمكن للعبة أن تمثل بعضاً من هذه المفردات لكنها مكافأتها أبسط وتقتصر على عمليات مثل التصويب وإطلاق النار والفوز والترقية!
انتبه حكام آخرون في الشرق الأوسط إلى الترفيه باعتباره صناعة جادة، ووفّروا استثمارات مالية ضخمة فيها. تهيمن السعودية، والإمارات، وتركيا، على سوق الألعاب الرقمية في المنطقة. استثمرت الرياض مليارات الدولارات في هذا القطاع ونتيجة هذه السياسة أصبحت لاعباً كبيراً في السوق العالمية، ودخلت أبو ظبي هذا السوق بحماس، فيما تمتلك تركيا النظام البيئي الأوسع للألعاب الرقمية في المنطقة.
لقد أصبحت هذه الدول من اللاعبين الكبار في مجال صناعة الترفيه، التي تشغل الألعاب الرقمية حيّزاً شديد الربحية فيها، أما «اللاعب المحترف» في هذه الألعاب، بشار الأسد، فتعامل مع بلاد بأكملها على أنها «لعبة فيديو» إلى أن تحوّل إلى «لاجئ سياسي» مرفّه ولكنه مطارد بلعنة التاريخ.