بحثاً عن العدالة الانتقالية وتشويه التاريخ
25. فبراير 2026
هل يمكن حقاً لتجربة ألمانيا بعد الحرب أن تشكّل نموذجاً يحتذى به في العدالة الانتقالية في سوريا؟ نظرة أدق تكشف واقعاً أكثر تعقيداً – وأكثر عنفاً – بكثير من الصورة المختزلة في محاكمات نورمبرغ. على سوريا أن تصوغ مسارها الخاص نحو العدالة، مساراً يرتكز إلى سيادة القانون والمساءلة وحقوق الضحايا.
في كل مرحلة انتقالية تخرج علينا مقارنات جاهزة، يُراد لها أن تختصر التاريخ في سطر، وأن تختزل تجارب الأمم في رقم. وفي النقاش السوري الدائر اليوم حول العدالة الانتقالية، يحلو لبعض المروّجين لما يمكن تسميته «العدالة التجميلية» الاستشهاد بالنموذج الألماني بعد سقوط النازية، قائلين إن المحاكمات لم تشمل سوى نحو 500 متهم، رغم فظائع النظام النازي. ويُراد من هذه المقولة أن تُمرَّر رسالة ضمنية مفادها أن الاكتفاء بمحاكمات محدودة هو الطريق الواقعي والعاقل لمسار العدالة الانتقالية في سوريا.
غير أن هذه القراءة، في أحسن الأحوال، سطحية، وفي أسوئها، تشويه للتاريخ.
«عدالة» انتقامية
بلغ عدد سكان ألمانيا مع اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939 نحو أربعين مليون نسمة. وحجم الخسائر البشرية التي مُني بها المجتمع الألماني كان من الضخامة بحيث لم تستعد البلاد هذا العدد السكاني إلا بعد نحو أربعة عشر عاماً، أي في عام 1953. لقد دفع الألمان، مجتمعاً ودولة، ثمناً باهظاً لسياسات النازية، ولم تكن «العدالة» التي أعقبت الهزيمة محصورة في قاعات المحاكم.
فبعد سقوط النظام النازي، شهدت ألمانيا واحدة من أكبر موجات النزوح في تاريخ أوروبا الحديث. ملايين من الألمان الذين كانوا يقيمون في شرق أوروبا أُجبروا على الفرار أو أُبعدوا قسراً. وبحلول عام 1950 قُدّر عدد المنفيين في ألمانيا الغربية بنحو ثمانية ملايين، وفي ألمانيا الشرقية بنحو أربعة ملايين. وفي عام 1960 شكّل هؤلاء نحو 18 في المائة من سكان ألمانيا الاتحادية. كانت تلك تحولات ديموغرافية عميقة، خلّفت جراحاً اجتماعية واقتصادية طويلة الأمد.
أما الوجه الأكثر قتامة، فتمثل في موجة العنف الواسعة التي رافقت تقدم جيوش الحلفاء. فقد تعرّضت مئات الآلاف من النساء الألمانيات لاعتداءات جنسية، ووصلت التقديرات إلى أكثر من مليوني حالة اغتصاب، كان النصيب الأكبر منها على يد الجيش السوفييتي، مع تسجيل انتهاكات أيضاً من قوات أخرى. وقد وصف المؤرخ البريطاني انتوني بيفور ما جرى بأنه «أكبر ظاهرة اغتصاب جماعي في التاريخ». وتشير التقديرات إلى أن نحو مائة ألف امرأة تعرّضن للاغتصاب في برلين وحدها. هذه الجرائم بدأت قبل السقوط الرسمي للنظام في الثامن من مايو (أيار) 1945، واستمرت أشهراً بعده، ولم تتراجع بشكل ملحوظ إلا في عام 1948. ويكفي الاطلاع على كتاب امرأة في برلين، وهو يوميات لامرأة ألمانية عاشت تلك الفترة، لفهم هول التجربة التي عاشها المدنيون.
وعلى صعيد الضحايا، قُتل نحو نصف مليون مدني ألماني، وفق أقل التقديرات، معظمهم نتيجة القصف الجوي المكثف للمدن من قبل بريطانيا وأمريكا. أما إجمالي القتلى الألمان في الحرب فبلغ نحو خمسة ملايين. كما لم تنتهِ معاناة أسرى الحرب بانتهاء المعارك؛ إذ وقع نحو ثلاثة ملايين جندي ألماني في الأسر السوفييتي، وتفاوتت تقديرات الوفيات بينهم بين 363 ألفاً ومليون أسير. واستمر احتجاز بعضهم حتى عام 1956، أي بعد أحد عشر عاماً من نهاية الحرب. وفي الولايات المتحدة، احتُجز نحو 425 ألف أسير ألماني في مئات المعسكرات، واستمر تشغيل بعضهم بعد انتهاء الحرب قبل إعادتهم تدريجياً إلى وطنهم.
هذه الوقائع لا تُساق لتبرير ما ارتكبه النظام النازي، بل لتصحيح صورة شائعة تُقدَّم اليوم وكأن العدالة الانتقالية الألمانية كانت نموذجاً قانونياً صرفاً، منضبطاً، ومحصوراً في محاكمات نورمبرغ. صحيح أن محاكمات نورمبرغ شكّلت علامة فارقة في تطور القانون الدولي، لكن اختزال التجربة الألمانية بها وحدها يُغفل أن «العدالة» على الأرض كانت، في جزء كبير منها، عنفاً انتقامياً خارج إطار القانون.
نحتاج نموذج خاص
ومع بدايات الحرب الباردة، تغيّر سلوك القوى المنتصرة. فقد بات همّ الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي بناء نموذجين مواليين لهما في مناطق الاحتلال، ما دفع إلى تبني سياسات أكثر براغماتية. انخفضت وتيرة الاعتداءات، وأُعيد دمج كثير من الكوادر السابقة في مؤسسات الدولة الجديدة، بل وصل بعض النازيين السابقين إلى مناصب حكومية رفيعة. لم يكن ذلك نتيجة تسامح أخلاقي بقدر ما كان انعكاساً لموازين القوى الدولية.
في المقابل، استمرت ملاحقة بعض الفارين من النازية خارج ألمانيا، خصوصاً من قبل الإسرائيليين، وتواصلت محاكمات متأخرة لعناصر متورطة في الجرائم حتى العقود الأخيرة، رغم تقدّمهم في السن.
الخلاصة أن ما يُقدَّم اليوم بوصفه «نموذجاً ألمانياً ناجحاً» لم يكن تجربة قانونية معقمة، بل مساراً معقداً تداخل فيه القانوني بالإعلامي، والانتقامي بالسياسي، والدولي بالمحلي. كانت هناك محاكمات محدودة نسبياً على مستوى القادة، واجتثاث للنازية وإعادة تأهيل للمجتمع، لكن كانت هناك أيضاً انتهاكات جسيمة طالت المدنيين والأسرى بعد الهزيمة.
من هنا، فإن الدعوة إلى استنساخ «النموذج الألماني» في سوريا، بناء على أرقام مجتزأة، هي مغامرة فكرية وسياسية. سوريا تحتاج إلى نموذجها الخاص، المستفيد من تجارب الآخرين لا الأسير لها. تحتاج إلى عدالة تُطبَّق ضمن القانون، لا خارجه؛ عدالة لا تفتح الباب لانتقام جماعي، ولا تسمح في الوقت ذاته بإفلات مرتكبي جرائم القتل والتعذيب والاغتصاب من المحاسبة.
ولا يملك أحد، أياً كان موقعه، حق العفو عن هذه الجرائم بوصفها جرائم تمس حقوق الأفراد والضحايا مباشرة. كما أن العدالة الانتقالية في السياق السوري لا تقتصر على المحاكمات، بل تشمل إزالة آثار حقبة الاستبداد، وتفكيك منظومات القمع الأمنية والعسكرية والاقتصادية، وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة بما يمنع إعادة إنتاج الاستبداد تحت أي عنوان.
إن تحويل التجربة الألمانية إلى شعار يُستخدم لتقليص سقف العدالة في سوريا لا يخدم الاستقرار، بل يهدد بإعادة إنتاج المأساة. والحديث الجاد عن العدالة الانتقالية ينبغي أن ينطلق من الواقع السوري، من حجم الانتهاكات، ومن حقوق الضحايا، لا من أرقام مبتورة تُنتزع من سياق تاريخي مختلف جذرياً.