ماذا لو حكمت النساء؟

13. أيار 2026

ماذا لو لم يكن السؤال الحقيقي ما إذا كانت النساء سيحكمن سوريا على نحو أفضل، بل كم كانت سوريا ستغدو مختلفة لو لم تُحتكر السلطة يوماً من قبل تجربة واحدة؟

سمعت منذ مدة عن مفهوم الحمولة المعرفية، وبقيت أفكر به مطولاً، لأني بت أشعر بثقل غير مرئي يتراكم فوق عقلي كرابوص، يجعلني منشغلة بما يقول الآخرون، أكثر مما أود أنا التفكير أو التأمل به. يوضح المفهوم بأن، الانشغال على الدوام بتفاصيل الحياة، ومتطلبات النجاة اللحظية، والضغوط المتلاحقة، وكثرة الأخبار عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تؤدي جميعها إلى فقدان العقل لمرونته وقدرته على التأمل الحر وإنتاج الأفكار الجديدة. بمعنى آخر، يصبح الذهن أقرب إلى آلة لإدارة ما يتلقى منه إلى مساحة للتخيّل والتساؤل والابتكار. 

لعل كثيرون يعيشون هذه الحالة من غير أن يسمّوها. لذلك صرت أحاول، قدر الإمكان، أن أستعيد فكري، وعلاقتي مع التفكير الحر، وأن أترك لنفسي مساحة للشرود، وتدريبها على التفكير النقدي، عبر محاكاة الأفكار ومساءلتها، والسعي إلى تفكيكها من الداخل. أي محاولة إنتاج فكرة، حتى وإن كانت مجنونة، والبحث عن طل القرائن المنطقية التي تثبتها، ثم نقضها جملةً وتفصيلا، كتمرين على المحاججة التي تشحذ التفكير مجدداً.

النساء والحكم في سوريا

اليوم، وبينما أطبخ، سألت نفسي: ماذا لو حكمت النساء سوريا؟ هل كانت ستغدو أفضل؟ وعلى الرغم من عدم إمكانية تطبيق هذه الفرضية، إلا أنه هذا السؤال يفتح مجالاً لتحليل إشكالية أوسع تتعلق بطبيعة العلاقة بين هوية الفاعل السياسي وبنية النظام الذي يعمل ضمنه، ويستدعي مقاربة متوازنة تأخذ في الاعتبار الحجج المؤيدة والمعارضة لهذه الفرضية، التي يدأب عقلي على المشي بها سويةً في مسارين متوازيين.

لنؤيد الفكرة، استناداً إلى أن حضور النساء في مواقع القيادة قد يسهم في إعادة ترتيب أولويات الدولة بطريقة أكثر التفاتاً لاحتياجات المجتمع والفئات الهشة في آن واحد. قد يعزى ذلك، إلى أن النساء، بحكم الأدوار الاجتماعية التي فُرضت عليهن تاريخياً، غالباً ما ينغمسن بتقديم الخدمات الأساسية، والتعليم، والصحة، والرعاية الاجتماعية، والاستقرار الأسري، أكثر من تركيزهن على السلطة المجردة أو التنافس على النفوذ. في الحالة السورية، تحملت النساء خلال سنوات النزاع أعباء مضاعفة تمثلت في النزوح، وإعالة الأسر، والتكيف مع الفقر، وإدارة الحياة اليومية في ظل غياب الزوج أو الأب، فمن الممكن أن وصول هذه الخبرات إلى مركز القرار كان سيجعل الدولة أكثر حساسية تجاه حاجات الناس المباشرة. في بعض تجارب أخرى، ارتبط ارتفاع مشاركة النساء في الحياة السياسية في عدد من الدول بزيادة الاهتمام بالتنمية البشرية، وتوسيع الاستثمار في التعليم، وتعزيز آليات الحماية الاجتماعية، وتحسين مؤشرات الصحة العامة.

طبعاً، لا يعني ذلك أن النساء يمتلكن فضائل سياسية فطرية، بل أن اختلاف التجربة الاجتماعية ينتج تراتبية مختلفة للأولويات. وعليه، قد يقال إن سوريا، لو شهدت حضوراً نسائياً حقيقياً في مفاصل صنع القرار، ربما كانت ستتجه بصورة أكبر نحو بناء الإنسان أولاً والمؤسسات ثانياً،  بدلاً من ترسيخ منطق السيطرة الصلبة. كذلك، يمكن أن يذهب مؤيدو  هذه الفرضية إلى أن النساء، في المجتمعات التي مرت بأزمات طويلة، غالباً ما يطوّرن مهارات تفاوضية وتكيّفية نابعة من إدارة التناقضات اليومية داخل الأسرة والمجتمع. وفي بلد مثل سوريا على وجه الخصوص، حيث مزّقت الحرب الروابط الاجتماعية، قد يكون لهذا النمط من القيادة أثر إيجابي في إعادة تشكيل العقد الاجتماعي، وتشجيع سياسات أكثر تصالحية واحتوائية.

الرهان على جنس الحاكم

رغم منطقية الطرح بفضائل الحكم بوجود النساء، يذهب فريق آخر، إلى أن ربط جودة الحكم بجنس الحاكم وحده يشوبه الخلل. فالنساء، كما الرجال، لسن كتلة متجانسة، ولا يحملن بالضرورة رؤية موحدة للعدالة أو الديمقراطية أو الإصلاح. يمكن لامرأة أن تكون إصلاحية، كما يمكن أن تكون سلطوية؛ ويمكن لها أن تعيد إنتاج البنية القائمة نفسها إذا وصلت إلى السلطة عبر أدواتها ومنطقها ذاته.

وهنا يظهر الاعتراض الأهم، أن المشكلة في سوريا لم تكن فقط في هوية من حكم، بل في طبيعة النظام السياسي نفسه؛ في تركّز السلطة، وضعف المؤسسات، وغياب المحاسبة، وتحويل الدولة إلى فضاء مغلق لا يسمح بالمشاركة الفعلية. ضمن مثل هذه البنية، قد لا يكون لتغيير جنس الحاكم أثر جوهري، فامرأة داخل نظام مركزي مغلق قد تجدها تستخدم الأدوات نفسها التي استخدمها الرجال قبلها، لأن البنية المؤسسية تفرض منطقها على الفاعلين بقدر ما يشكلها الفاعلون أنفسهم. كما أن بعض الخطابات التي تمجّد حكم النساء تقع أحياناً في فخ الرومانسية السياسية، حين تتعامل مع النساء بوصفهن نقيضاً أخلاقياً تلقائياً للسلطة الذكورية. وهذه مقاربة غير موفقة، فالسياسة مجال معقد تحكمه المصالح، والتوازنات، والتحالفات، ولا يكفي فيه اختلاف التجربة الاجتماعية لإنتاج حكم رشيد. وعليه، فإن الاعتقاد بأن النساء سيحكمن أفضل لمجرد كونهن نساء يشبه، من حيث المنطق، الاعتقاد القديم بأن الرجال أقدر على الحكم لمجرد كونهم رجالاً. كلا الافتراضين يتجاهل دور المؤسسات والقوانين والثقافة السياسية.

من سؤال الأشخاص إلى مساءلة البنية

مع ذلك، فإن رفض هذا الاعتلال لا ينبغي أن يقود إلى التقليل من أثر الإقصاء التاريخي للنساء عن المجال السياسي. فاستبعاد النساء يحرم الدولة من خبرات ورؤى ومسارات مختلفة لفهم المجتمع، فالدولة التي تُدار من منظور واحد، ومن تجربة اجتماعية واحدة، تبقى دولة محدودة القدرة على رؤية تنوع مجتمعها وتعقيد حاجاته.

حاججت عقلي لمدة ساعة، تعاركنا، غلبني وغلبته، لكني أقنعته بأن السؤال المحق يجب أن يكون: كيف كان سيبدو هذا البلد لو لم تُحتكر السياسة أصلاً، ولو أُتيح للنساء، إلى جانب الرجال، أن يكونوا شركاء حقيقيين في صنع القرار منذ البداية؟ ربما عندها فقط يمكن الحديث عن سوريا الممكنة، التي تُبنى على شراكة حقيقية بين جميع أبنائها وبناتها، الذين يتحلقون حولها وكأنها جوهرة، وكل يراها من منظوره.

العودة إلى الأعلى

مدافعة عن حقوق الإنسان وكاتبة في مجال قضايا النساء

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية