حندرات ما بعد السقوط
مخيم مدمّر يتحوّل إلى رمز للمأساة الفلسطينية في سوريا
المخيّم الذي كان يوماً جبهة مشتعلة في معارك حلب، يواجه اليوم استحقاقات جديدة تتعلّق بالفصائل المسلحة وإعادة الإعمار ومسألة المواطنة السورية.
على تلة في شمال شرق حلب، تطل على شلالات نهر قويق حيث اعتادت العائلات الاجتماع صيفاً للتنزّه والسباحة، يربض مخيم حندرات للاجئين الفلسطينيين. إنّ حجم الدمار في المخيم يعيد للأذهان مشاهد الأنقاض في غزة، ورغم قسوتها، فهي ليست حالة فريدة؛ إذ يمكن العثور على دمار مماثل في مخيّمات فلسطينية أخرى، أبرزها مخيم اليرموك الشهير بضواحي دمشق. ويمثّل حندرات، في نواحٍ كثيرة، تجسيداً للتجربة الفلسطينية الأوسع خلال الحرب السورية.
على عكس مخيم اليرموك، كان عدد سكان حندرات قبل الحرب صغيراً نسبياً (بين 6 إلى 8 آلاف نسمة)، تعود أصول معظمهم إلى قرى في شمال فلسطين. أمّا اليوم، فالمخيم شبه خالٍ من أهله؛ فشوارعه مقفرة، وحتى بعد سقوط نظام الأسد، لم يعد إلّا القليل. وبحسب إبراهيم أبو هاشم، ضابط الارتباط مع الحكومة ورئيس لجنة تنمية المخيم، فقد عادت نحو 280 عائلة فقط من أصل 1500 عائلة كانت تقطن المخيم قبل الحرب، علماً أنّ هذه العودة لم تبدأ بعد سقوط الأسد، بل انطلقت ببطء وبشكل متقطّع منذ عام 2017.
يعود السبب الرئيس لهذا الدمار الهائل إلى تَحوُّل المخيم ومحيطه إلى خط مواجهة ساخن بين عامي 2012 و2016؛ حيث تعرّض لقصف مكثّف ومتكرّر من قبل الجيش السوري والقوات الروسية. وخلافاً لمخيم اليرموك، لم يشهد حندرات نشوء حركة تمرّد محلّي من الفلسطينيين السوريين لطرد قوات النظام من المنطقة؛ بل إنّ فصائل المعارضة التي دخلت المخيم جاءت بمعظمها من مناطق أخرى في ريف حلب الشمالي، وضمّت فصائل مثل «لواء التوحيد»، وهو جماعة إسلامية انطلقت من حلب وكانت من أشهر التشكيلات في سنوات الحرب الأولى. كانت اللحظة المفصلية هي «تحرير» المخيم ضمن هجوم للمعارضة عُرف بـ«معركة تحرير الأسرى» في نيسان/أبريل 2013؛ إذ حوّلت المعارك التي تلت ذلك الهجوم مخيمَ حندرات إلى ساحة حرب مفتوحة، ما دفع الغالبية العظمى من سكّانه المدنيين إلى الفرار والنجاة بأنفسهم.
ولاءات منقسمة
قد يبدو من المغري اليوم تصوير المخيم وكأنّه كان مؤيّداً للثورة بالإجماع، إلّا أنّ إبراهيم أبو هاشم يشدّد على أنّ معظم الفلسطينيين في حندرات تبنّوا في البداية موقف الحياد. ومع ذلك، انضمّت مجموعة من أبناء المخيم إلى لواء القدس الموالي للأسد، والذي تأسّس عام 2013 في مخيم النيرب بحلب كقوة لمواجهة المعارضة. هذا اللواء، الذي انطلق كجزء من شبكة قوات الدفاع المحلّي المدعومة إيرانياً، غدا واحداً من أبرز الميليشيات الرديفة للنظام؛ ورغم تبعيته الاسمية لشعبة المخابرات العسكرية، إلّا أنّ بوصلة ولاءاته الأساسية اتّجهت نحو روسيا، التي تولّت تدريب مقاتليه ودفع رواتبهم، مع الحفاظ على بعض الخيوط مع الإيرانيين.
تعدّدت دوافع الفلسطينيين السوريين الذين انخرطوا في هذه الميليشيا؛ فمنهم من آمن بصدق أنّ النظام وحلفاءه الأجانب يمثّلون طوق النجاة للقضية الفلسطينية، متخيّلين أنّ انتصار النظام سيعزّز في نهاية المطاف فرص دحر إسرائيل. في حين انضمّ آخرون مدفوعين بهواجس أكثر إلحاحاً: كالوعد براتب شهري، أو خشية الملاحقة والعواقب إذا ما وُصموا بالتعاطف مع المعارضة. وداخل مخيم حندرات نفسه، كانت هناك فصائل فلسطينية نشطة قبل الحرب مثل فتح الانتفاضة والجهاد الإسلامي وحماس، والجبهة الديمقراطية، وخلافاً لما حدث في اليرموك وأجزاء من دمشق حيث دعم بعض أعضاء حماس المعارضة، فإنّ فصائل حندرات انحازت في مجملها للنظام، ووجهت نشاطها عبر مظلّة لواء القدس. ولم يبرز في المخيم أي تشكيل مسلّح مرتبط بحركة حماس لدعم فصائل المعارضة. في المقابل، اختار أولئك الذين أبدوا تأييدهم للمعارضة مغادرة البلاد. وكشف قائد سابق في مجموعة «أكناف بيت المقدس» المرتبطة بحركة «حماس» في مخيم خان الشيح بريف دمشق، لـ«سوريا المتجددة»، أن عدداً من الفلسطينيين المحسوبين على المعارضة التحقوا بفصيله، وأقاموا مركزاً تدريبياً في إدلب دعماً لما وصفه بـ«الثورة».
غدا لواء القدس قوة رديفة حاسمة في حملة النظام لاستعادة حندرات والمنطقة المحيطة بها. وبحلول عام 2016، ومع إحكام قوات النظام قبضتها على حلب وطرد فصائل المعارضة من أحيائها الشرقية، عاد المخيم كلّياً لسلطة النظام، الذي أوكل بدوره الملف الأمني فيه للواء القدس. ومع ذلك، وبعيداً عن بعض الخطوات الرمزية، كتركيب إنارة شمسية من قِبَل جمعية خيرية مرتبطة بالجهاد الإسلامي وبدعم إيراني، أو افتتاح «ساحة العودة» عام 2023، لم يقدّم النظام أو لواء القدس أي جهود حقيقية على صعيد إعادة الإعمار، كما لم يحصد المجتمع الفلسطيني مكاسب سياسية تذكر. بل إنّ ما تبقّى من بنية تحتية وممتلكات تَعرَّض للنهب، شأنه شأن بقية المناطق المهجورة التي استعادها النظام. وعندما اجتاح هجوم المعارضة محافظة حلب في أواخر عام 2024، تلاشت حامية لواء القدس داخل المخيم وانسحبت دون أي مقاومة تُذكر.
لا يزال الحطام يطغى على مشهد حندرات اليوم، والاستثناء الأبرز هو مدرسة ومبنى إداري تتابعهما وكالة «الأونروا». وقد قدّمت «الأونروا» خدمات محدودة داخل المخيم، حيث أعادت افتتاح مدرسة ابتدائية في عام 2024، قبيل سقوط النظام مباشرة، وأنشأت مركزاً صحياً صغيراً، وساهمت في أعمال النظافة. كما قامت في عام 2025، وبالتعاون مع إحدى المنظمات غير الحكومية، بتركيب محوّل وأعمدة كهرباء لتزويد قطاع صغير من المخيم بالطاقة. ومع ذلك، لا يزال معظم حندرات غارقاً في الظلام، كما أنّ شبكة المياه لا تزال متضرّرة بشدّة، ولا تضخّ المياه إلّا مرتين أو ثلاثاً في الأسبوع. وكما هو الحال في مناطق سورية أخرى، اعتمدت بعض الترميمات المتواضعة، كإصلاح المسجد المحلّي، على تبرعات الفلسطينيين في الشتات.
الحق في الانتماء.. والعودة
ثلاث قضايا رئيسية ستصيغ ملامح مستقبل المجتمع الفلسطيني في سوريا: وضع الفصائل الفلسطينية المسلحة على الأراضي السورية، وطبيعة علاقة الحكومة الجديدة بإسرائيل، والوضع القانوني للفلسطينيين أنفسهم داخل الدولة. لقد شدّدت كل من واشنطن وتل أبيب على ضرورة ألّا تتحوّل سوريا إلى دفيئة للنشاط الفلسطيني المسلّح؛ وفي مخيم حندرات على وجه الخصوص، يبدو أنّ الفصائل التي كانت تنشط علانية فيما مضى قد تلاشت تماماً. ويعكس هذا جزئياً حملة التضييق والحظر الفعليّ الذي فُرض على الفصائل التي أيّدت نظام الأسد بجلاء، مثل فتح الانتفاضة والجبهة الشعبية القيادة العامة. ومع سقوط النظام، آلت أمور الفلسطينيين الذين اصطفوا خلف الأسد إلى ثلاث خيارات: فإمّا الفرار خارج البلاد، أو محاولة التأقلم مع النظام الجديد وقبوله، أو ببساطة الانزواء بعيداً عن الأنظار.
أمّا المجموعات الأخرى التي اتّسمت مواقفها السياسية بتركيبٍ أعقد، فلا تجد حافزاً يُذكر لاستئناف نشاطها في مخيمٍ لا يزال صغيراً ومهجوراً ومدمّراً إلى حدّ كبير. ومع ذلك، فإنّ بعض هذه المجموعات، ولا سيما تلك التي تُصنَّف بأنّها أقل «إشكالية» سياسياً من وجهة نظر الحكومة، تحافظ على حضور علني في تجمّعات فلسطينية في سوريا؛ فحركة فتح، على سبيل المثال، تواصل أنشطتها الإعلامية والجماهيرية في مخيم اليرموك وبين أوساط الفلسطينيين في اللاذقية. وفي المقابل، تجد حركة الجهاد الإسلامي وحركة حماس نفسيهما مكبّلتين بالقيود رغم استمرار نشاطهما، وذلك إما خشيةً من الضربات الإسرائيلية أو بفعل الضغوط التي يمارسها النظام الجديد في دمشق.
وعند سؤاله عن احتمال إبرام اتفاق أمني مع إسرائيل (وهو أمر بات يحظى بدعم براغماتي في الأوساط السورية)، صرّح رئيس لجنة تنمية مخيم حندرات، إبراهيم أبو هاشم، بأنّه لا يعارض هذه الخطوة بشكل قاطع إذا كان الهدف منها «تحييد عدو» ودفع عجلة التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار. ومع ذلك، يرى أبو هاشم أنّ أي اتفاق بهذا الحجم والأهمية يجب أن يخضع لنقاش برلماني مستفيض ويحظى بموافقة شعبية.
وعلى خلفية القرار الحكومي الأخير بمنح الجنسية السورية للأكراد الذين ظلوا لعقود مكتومي القيد، تصاعدت التكهّنات حول إمكانية اتخاذ خطوة مماثلة تجاه الفلسطينيين. وممّا لا شك فيه أنّ مثل هذا القرار سيحقق مكاسب عملية ملموسة؛ لعل أبرزها استعادة الفلسطينيين لحق تملك العقارات، وهو الحق الذي كفله لهم القانون 260 لعام 1956، قبل أن يُبطله قرار صادر عن النظام السابق في عام 2022.
يؤيد إبراهيم فكرة حصول الفلسطينيين على الجنسية السورية، شريطة ألّا يكون ذلك عائقاً أمام حق العودة إلى فلسطين. ومع ذلك، يؤكّد أنّ الحديث عن المواطنة لا يتجاوز حالياً حدود الشائعات.