© syriaintransition.com

Cover image
الاقتصاد والمساعدات والإعمار

لا توجد حلول سحرية

النفط والقمح وحدود التعافي الاقتصادي في الشمال الشرقي

تُصوَّر استعادة الحكومة للسيطرة على موارد النفط والقمح في الشمال الشرقي بوصفها «الحلقة المفقودة» التي سيكتمل بها مشهد الإنعاش الاقتصادي السوري. غير أنّ لغة الأرقام ترسم واقعاً مغايراً تماماً.

كانت تسوية 30 كانون الثاني/ يناير بين الحكومة وقوات سوريا الديمقراطية، قسد، من أبرز المنعطفات السياسية التي تلت سقوط نظام الأسد. وبعيداً عن أبعادها الأمنية والإدارية، فقد فجّرت هذه التسوية نقاشاً حادّاً حول الجدوى الاقتصادية لإعادة دمج مناطق الشمال الشرقي في بنية الدولة السورية.

فبينما تروّج البرامج الحوارية، والمؤثّرون على منصات التواصل، والصحف الرسمية، وحتى وسائل الإعلام الإقليمية، لمقولة إنّ الشمال الشرقي هو «مفتاح الخلاص» الاقتصادي؛ لا يمكن إنكار أنّ المنطقة تملك بالفعل الحصة الأكبر من الثروات الهيدروكربونية والإنتاج الزراعي. لكن هذه المنطقة، شأنها شأن بقية البلاد، تئنُّ تحت وطأة سنوات من الحرب والدمار، وتهالك البنية التحتية، وتآكل المؤسسات، ناهيك عن التغيرات المناخية والجفاف الحاد. فما الذي يمكن توقّعه واقعياً من هذا التكامل الاقتصادي؟

القمح: ثقب الدعم الأسود

تهاوى إنتاج القمح في سوريا بشكل حاد منذ عام 2011؛ فبعد أن كان المتوسط السنوي قبل الحرب يناهز 4,1 مليون طن، تذبذب الإنتاج خلال السنوات الخمسة الأخيرة بين مليون و2,8 مليون طن فقط. ولطالما أُدير هذا القطاع مركزياً عبر شبكة معقّدة من الدعم الحكومي، والخدمات الإرشادية، وعمليات الشراء والتمويل الرسمية؛ وهي منظومة تآكلت تدريجياً خلال سنوات الحرب.

إنتاج القمح في سوريا بات مكلفاً، وكذلك شراؤه؛ فتكاليف الإنتاج لا تزال مرتفعة والإنتاجية منخفضة بفعل تدهور التربة، وضعف نظم البذار، وارتفاع كلف الوقود، والآفات الزراعية، والاعتماد على آلات وأساليب عتيقة. وفي عام 2024، قدّر مزارعون في الشمال الشرقي تكلفة إنتاج طن القمح بنحو 270 دولاراً، في حين كان متوسط سعر البيع العالمي حوالي 201 دولاراً؛ ما يعني أنّ الاستيراد حالياً أرخص من الزراعة المحلّية.

ومع ذلك، لا تسير الدولة وفق منطق السوق البحت؛ فهي تشتري القمح بأسعار إدارية (أسعار استلام) تفوق عادةً كلفة الإنتاج لدعم دخل المزارعين وتأمين الإمداد المحلّي. وتراوحت هذه الأسعار مؤخراً بين 310 و450 دولاراً للطن. وبحسبة بسيطة، فإنّ محصولاً سنوياً قدره مليوني طن سيكلّف الخزينة ما بين 620 و900 مليون دولار، تذهب نسبة 80 في المئة منها لمزارعي الشمال الشرقي. وهذه التكلفة لا تشمل سوى الشراء، دون احتساب تكاليف النقل، والتخزين، والطحن، ودعم رغيف الخبز.

تضعنا هذه المعطيات أمام معضلة حقيقية: هل تملك الحكومة السيولة الكافية لمواصلة شراء القمح بهذه الأسعار؟ فخفض السعر سيؤدّي إلى سخط المزارعين وعزوفهم عن الزراعة، ورفعه سيزيد الضغوط المالية على ميزانية منهكة، في وقت تحاول فيه الحكومة أصلاً التخلّص من أعباء الدعم. والسؤال الأهم: ماذا سيحدث لو قرّرت الحكومة تطبيق نهج السوق الحرة إلى حدّ التوقّف عن شراء القمح من الفلاح السوري؟

النفط: أنهار من الأموال المُتخيَّلة

أحيت صور المواطنين وهم يحتفلون بجانب برك النفط المكشوفة في كانون الثاني/يناير صورةً نمطية قديمة في المخيال الجمعي السوري: «أنهار من النفط والمال» تنتظر فقط من يستعيدها. لكن تحويل البراميل إلى فائض في الميزانية ليس بالأمر اليسير. حجم الإنتاج الفعلي لا يزال غير مؤكّد، لكنّ التقديرات تضع إنتاج حقول دير الزور والحسكة المتهالكة ما بين 80 إلى 100 ألف برميل يومياً. وحتى لو تحقّق تصريح المسؤولين بقدرة الإنتاج على الاستقرار عند 100 ألف برميل خلال أشهر، فإنّ هذا لن يحقّق انفراجاً مالياً فورياً أو تحولياً.

ثمّة مرجع واقعي هنا، وهو التقارير المالية لـ«الإدارة الذاتية»؛ حيث تراوحت إيراداتها النفطية مؤخّراً بين 600 و700 مليون دولار سنوياً، شكّلت الركيزة الأساسية لميزانيتها. وتعكس هذه الأرقام الإيرادات المُحصّلة فعلياً، لا القيمة السوقية الكاملة للنفط؛ ما يشير إلى خصومات كبيرة، وتكاليف تشغيل عالية، وتسربات مالية محتملة. والأهم من ذلك، أنّ هذه الإيرادات تحقّقت عبر قنوات غير رسمية وبخصومات وصلت أحياناً إلى 35 في المئة دون الأسعار العالمية بسبب العقوبات.

إن إعادة تأهيل القطاع تتطلب استثمارات رأسمالية كبيرة، وقد أقرّ مسؤولون بأن عملية الإنعاش ستستغرق سنوات. وأبدت بعض الشركات، مثل «غلف ساندز بتروليوم» التي كانت تملك حقوقاً في البلوك 26 ضمن حقل رميلان النفطي، اهتماماً باستئناف العمل، شريطة إجراء إصلاحات قانونية، وتخفيف العقوبات، وتوافر بيئة تشغيلية مستقرة. في المقابل، اتجهت شركات سابقة مثل «شل»، التي علّقت عملياتها في عام 2011، إلى الانسحاب من مصالحها المتبقية بدلاً من توسيعها.

والواقع أن القطاع لا يزال مثقلاً بحالة من عدم اليقين، مع تقديرات إيرادات مرتبطة بشروط لم تتحقق بعد. وعملياً، يوحي ذلك بنتائج إيرادية أقرب إلى تلك التي حققتها الإدارة الذاتية سابقاً، مع احتمال تحسن طفيف بفعل أسعار محققة أعلى، وزيادة محدودة في الإنتاج، والأمل في تقليص المعاملات الخارجة عن الحسابات الرسمية.

إعادة ترتيب القيود

يمثّل القمح والنفط هنا «مؤشرات» تعكس الهيكل المالي للمنطقة؛ فالنفط هو مورد الدخل الأول، وشراء القمح هو أحد أكبر التزامات الإنفاق الحكومي. ومعاً، يكشفان أين يمكن أن تضلّ التوقّعات طريقها. فما جرى فعلياً ليس «استحواذاً على موارد جديدة»، بل هو انتقال للسيطرة على إيرادات قائمة، وانتقال للالتزامات المرتبطة بها أيضاً. فمقابل كل دولار إضافي من الإيرادات، هناك كلف باهظة للأمن والصحة والتعليم والبنية التحتية في المناطق المدمجة.

هذا لا ينفي وجود مكاسب صافية؛ فإعادة الدمج تنهي التشرذم الاقتصادي، وتخفض تكاليف التبادل التجاري، وتوحد الأطر الجمركية. كما تمنح منتجي الشمال الشرقي فرصة الوصول الرسمي للأسواق الخارجية، وتفتح أسواق المنطقة مجدّداً أمام بقية المنتجين السوريين. لكنّها مكاسب «تراكمية» ومحدودة، ولن تخلق ثروة وطنية هائلة بين ليلة وضحاها.

سيظل إنتاج النفط على الأرجح محدوداً في المدى المنظور، وحتى لو تدفّق الاستثمار الأجنبي، فإنّه سيأتي بتنازلات تُقيِّد صافي حصّة الدولة. أمّا في قطاع القمح، فستظلّ سوريا مستورداً صافياً حتى في سنوات المواسم الجيّدة؛ حيث يقلّص الإنتاج المحلّي فاتورة الاستيراد لكنه لا يلغيها. وإذا ما جرى تحرير سوق القمح أكثر، فسيصبح الأمن الغذائي السوري رهينةً للموردين الخارجيين، وعلى رأسهم روسيا التي تهيمن على سوق القمح الواصل إلى سوريا.

في الختام، لا توجد حلول سريعة أو سهلة للتحدّيات الاقتصادية في الشمال الشرقي، والكثير من القيود الهيكلية ستظلّ قائمة. وعلى الرغم من أنّ الفوائد الحقيقية المتوقّعة محلّياً ووطنياً، إلّا أنّ سقف التوقّعات يجب أن يبقى محكوماً بالواقعية والمنطق الاقتصادي. 

هذا التحليل حصري من «التحالف السوري للمشاريع» Syrian Ventures Alliance وهي منصّة متخصّصة بالاستشارات الاستثمارية والاقتصادية.

العودة إلى الأعلى

الاقتصاد والمساعدات والإعمار

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية