لنتحدّث عن المساعدات
المساعدات الغربية عامل قوة حاسم في سوريا
يُفاقم تشديد القيود على موازنات الدول الخليجية، في أعقاب أي حرب مع إيران، من قتامة المشهد السوري، في وقت تسعى فيه دمشق إلى التحرر من الارتهان للمساعدات الخارجية. وفي ظلّ ذلك، تجد الجهات المانحة والأمم المتحدة والحكومة السورية نفسها أمام حوار أكثر إلحاحاً.
شدّد الرئيس أحمد الشرع في كلمة ألقاها عقب صلاة العيد، فإنّ سوريا تمضي قدماً في طريق التنمية وإعادة الإعمار. غير أنّ ذلك، شأنه شأن كثير من الأمور، مسألة تتعلّق بوجهة النظر. فقد وضع نظام الأسد المفلس تماماً سقف التوقّعات عند مستوى متدنٍ للغاية، وعلى الرغم من بعض التقدّم، لا يزال أكثر من 16 مليون سوري يعتمدون على المساعدات، وفق إحصائيات الأمم المتّحدة، ومن المرجّح أن يظلّوا كذلك لسنوات مقبلة. لذلك، سيتصدّر المانحون الغربيون المشهد في تحمّل الكلفة.
يُقدَّم الجزء الأكبر من المساعدات الغربية عبر الأمم المتّحدة، التي تؤدّي عملياً دور الوسيط في إيصال المساعدات، أو بالأحرى مجموعة من الوسطاء المتنافسين يعملون تحت مظلة الأمم المتحدة. وطالما ظلّ نظام الأسد هو الحكومة المعترف بها، فإنّ المبادئ الإنسانية كانت تقتضي إبقاء مستوى الانخراط مع الدولة عند أدنى حدّ ممكن. وكانت الأمم المتّحدة تُجري تقييمات الاحتياجات وتحدّد الأولويات وتنسق خطط الاستجابة، فيما كانت المنظمات غير الحكومية تضطلع إلى حدّ كبير بمهام التنفيذ. غير أنّ هذا الترتيب قوّضه نظام الأسد، الذي أجبر الجهات المنفّذة على «الشراكة» مع الهلال الأحمر العربي السوري أو الأمانة السورية للتنمية، وكلاهما كان يُديرهما المحسوبين عليه. كما قوّضته أيضاً أطراف داخل المجتمع الإنساني، التي انخرطت مع حكومة الأسد بأكثر مما تقتضيه الضرورة، إمّا بدافع المصلحة التجارية أو ضمان تسهيل الوصول، بحسب اختلاف التعريفات؛ وكذلك بعض الحكومات المانحة التي أبدت ميلاً نحو فكرة التطبيع وشجعت على التعاون لصناعة وقائع إنسانية يمكن ترجمتها لاحقاً إلى مكاسب سياسية.
وفي الوقت الراهن، وبعد سقوط الأسد وتولّي حكومة جديدة السلطة، فقد انتقل النقاش سريعاً من المساعدات المنقذة للحياة والتعافي المبكر الذي تقوده المنظمات غير الحكومية، إلى آفاق التنمية وإعادة الإعمار تحت مظلّة الدولة. ويُعزى ذلك، من جهة، إلى إعادة تقديم سوريا كساحة ما بعد الصراع، وهو توصيف تحرص السلطات الجديدة في دمشق على ترسيخه لأنّه يعزّز شرعيّتها. ومن جهة أخرى، فإنّ مسارَي التنمية وإعادة الإعمار يضعان الحكومة، بطبيعة الحال، في موقع القيادة والسيطرة. وبعد سنوات اختطف فيها نظام الأسد بنية المساعدات وسمحت خلالها الأمم المتّحدة لنفسها بأن تُختطف، تنظر الحكومة الجديدة بريبة بالغة إلى الأمم المتحدة وتنأى بنفسها عنها. لكن، كما يتّضح أكثر فأكثر، فإنّ الطرفين بحاجة أحدهما إلى الآخر: فوكالات الأمم المتّحدة تريد دوراً واستمرارية العمل، فيما تحتاج الحكومة إلى دعم دولي.
بيان أولويات التعافي للتعاون الدولي
وفي هذا السياق، يبرز «بيان أولويات التعافي للتعاون الدولي» الصادر عن الحكومة السورية، الذي حُرّر في صيغته النهائية في آذار/مارس. وتحدّد هذه الوثيقة المجالات التي ينبغي أن تتركّز عليها المساعدات وآليّات إيصالها، فيما تتوقّع الحكومة أن ينعكس هذا الإطار بوضوح في إستراتيجيات الشركاء الدوليين وخطط عملهم ومقترحاتهم التمويلية. ويُفترض أن تتوافق التدخلات مع أربعة مجالات ذات أولوية: إعادة تأهيل البنية التحتية الحيوية واستئناف تقديم الخدمات الأساسية وبناء القدرة الاجتماعية والاقتصادية على الصمود، ودعم «الأنظمة الأساسية»؛ أيّ مؤسّسات الدولة والإدارة العامة. والرسالة هنا واضحة وصريحة: يجب أن تذهب المساعدات في اتجاه تعزيز الدولة.
عند إعداد هذه الخطة، لعلّ السلطات الجديدة في دمشق استلهمت ممارسة مألوفة لدى الأمم المتّحدة في سوريا، تتمثّل في طمس الحدود بين المساعدات الإنسانية والمساعدات التنموية تفادياً لتقييد الصلاحيات والمهام. وفي إطار وصفها بـ«التعافي» و«مرحلة انتقالية نحو التنمية المستدامة»، تدمج الخطة هذين المسارين في بوتقة واحدة، على الرغم من التباين الجوهري في السياقات السياسية التي يعملان ضمنها، والقواعد المميزة التي يُفترض أن تحكمهما. وعملياً، ينطوي ذلك على خطر إخضاع المبادئ الإنسانية لهدف تعزيز الدولة، وفق التعريف الذي تضعه دمشق. فإذا تبنّت الدولة هذه المبادئ بالكامل، بما في ذلك تركيزها على حقوق الإنسان والتزامها بالبرمجة القائمة على الاحتياجات، فلا إشكال في ذلك؛ غير أنّ المبادئ الإنسانية وُضعت أساساً لأنّ مثل هذا التوافق نادر الحدوث.
المساعدات هي مصدر قوة
بينما تُعدّ خطة الحكومة موجّهة من الدولة التي تنفّذها، كما هو متوقّع، فإنّها ترسم صورة لدولة لا وجود لها بعد. فسوريا لا تزال بلداً مجزّأ، ولا تزال مؤسّسات الدولة قيد التكوين، كما تفتقر الحكومة إلى الشرعية الانتخابية. وفي ظلّ هذه الظروف، تظلّ المساعدات الدولية، الإنسانية منها والتنموية، مورداً أساسياً في عملية مستمرّة لتكريس السلطة وترسيخها. ويبقى سؤالاً مفتوحاً ما إذا كانت الجهات المانحة مستعدّة للتخلّي عن التقييمات المستقلّة وآليّات التنفيذ الخاصة بها في مثل هذا السياق.
وتنصّ الخطة كذلك على إنشاء «إدارة التعاون الدولي» ضمن وزارة الخارجية والمغتربين لتكون المنصّة الوطنية الوحيدة لتنسيق جميع أشكال المساعدات الدولية. وبينما ينسجم هذا النهج المركزي مع نموذج تقوده الدولة، فإنّ الفاعلين في المجال الإنساني ينسّقون عادة مع سلطات الدولة مع الحفاظ في الوقت نفسه على استقلاليتهم التشغيلية، وغالباً ما يتم ذلك عبر هياكل مثل فريق الأمم المتّحدة القطري، أو من خلال آليّات تمويل أخرى غير أممية مثل «Aid Fund for Syria» (صندوق المساعدات لسوريا). وتفيد مصادر في دمشق إنّ وزير الخارجية أسعد الشيباني يعمل على إحكام السيطرة على ملف المساعدات بهدف تعزيز موقعه داخل بنية السلطة التي تقودها هيئة تحرير الشام. وبحسب ما يُتداول، فإنّ وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، التي تترأسها هند قبوات، غير راضية عن هذا التركيز للصلاحيات وإمكانية الوصول إلى الجهات المانحة، ويُقال إنّ هذا التوتّر هو أحد الأسباب التي قد تدفعها إلى مغادرة منصبها.
الترابط بين العمل الإنساني والتنمية والسلام
لحسن الحظ، التزمت الأطراف الفاعلة جميعها رسمياً بما يُعرف بالترابط بين العمل الإنساني والتنمية وبناء السلام، أو ما يعرف بالـHDP Nexus. فالإطار الحكومي يسلّط الضوء عليه، وكذلك تفعل إستراتيجيات الأمم المتّحدة ووثائق الجهات المانحة. فقد أطلق الاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، «آليّة استجابة الترابط»، وينفذها مكتب الأمم المتّحدة لخدمات المشاريع. ويهدف هذا البرنامج الممتد لأربع سنوات، والبالغة قيمته 31,5 مليون يورو، إلى «الحدّ من مواطن الهشاشة وتعزيز صمود المجتمعات المحلّية» من خلال التعافي الاجتماعي والاقتصادي والحوكمة المحلّية وتنمية القدرات والبنية التحتية. وقد أُدمجت الشراكة مع السلطات السورية في صلب تصميم البرنامج؛ غير أنّ شكل هذه الشراكة على أرض الواقع لا يزال غير واضح. وعادة ما يلتزم مكتب الأمم المتّحدة لخدمات المشاريع (UNOPS) بأولويات الجهات المانحة. فهل سيتضمن البرنامج دفع رواتب لموظفي الحكومة؟ وهل سيسترشد بتحليل المخاطر السياسية والصراع؟
وأفاد مسؤول أممي لمجلّة سوريا المتجدّدة: «بصراحة، ثمة شبه انعدام كامل للتنسيق بين وكالات الأمم المتّحدة. فالمبادرات التي يطلقها مكتب الأمم المتّحدة لخدمات المشاريع وغيره لا تندرج ضمن إستراتيجية متماسكة وموحدة».
للأسف، لا يزال هذا الترابط بين العمل الإنساني والتنموي وبناء السلام يعاني المشكلات المألوفة نفسها. فهو يبدو جيداً من حيث الصياغة، ويؤدّي الغرض في وثائق الإستراتيجيات، لكن لا يوجد اتفاق يُذكر بشأن كيفية تطبيقه فعلياً على أرض الواقع. أمّا ركيزته المتعلّقة بـ«بناء السلام»، فقد جرى اختزالها إلى تصوّرات فضفاضة عن الاستقرار المحلّي والقدرة على الصمود وتقديم الخدمات. وهو يتجاهل الأسئلة السياسية الجوهرية: كيف تعيد المساعدات صياغة علاقات القوة بين الحكومة والمجتمع؛ وكيف تُعزّز نفوذ النخب الرسمية وغير الرسمية؛ ومن الذي تخلع عليه ثوب الشرعية، ومن الذي تجرّده منها. وباختصار: ماذا يعني ذلك بالنسبة إلى المرحلة الانتقالية في سوريا.
وأفاد نائب المبعوث الخاص كلاوديو كوردوني (علماً بأنّ الأمم المتّحدة لم تعيّن مبعوثاً خاصاً جديداً خلفاً للمبعوث غير بيدرسون منذ مغادرته منصبه في تشرين الأول/أكتوبر 2025) لمجلّة سوريا المتجدّدة إنّ «ركيزة السلام في ترابط العمل الإنساني والتنمية والسلام في سوريا، من منظور مكتب المبعوث الخاص، تتجاوز جهود الاستقرار المحلّي أو تقديم الخدمات. فهي تشمل تقاسم الموارد، وبوجه عام، الشروط الأوسع اللازمة للحدّ من الصراعات أو منعها، وتعزيز التماسك الاجتماعي، ودعم تسوية سياسية مستدامة». وأضاف أنّ «جهود فريق الأمم المتّحدة القطري ومكتب المبعوث الخاص متكاملة وتتقاسم الأهداف نفسها، والمتمثّلة في إنجاح مرحلة انتقالية تعود بالنفع على جميع السوريين».
هذه طموحات جديرة بالتقدير، غير أنّ نقلها من مستوى الخطاب إلى حيّز التنفيذ يتطلّب تحليلاً جاداً للمخاطر السياسية والصراع وآليّات لإدارة المخاطر وأهدافاً محدّدة بوضوح، فضلاً عن الإرادة اللازمة للتحرّك. ففي عهد الأسد، كان القرار 2254 الصادر عن مجلس الأمن هو المرجعية الحاكمة، بتركيزه على انتقال شامل وجامع وانتخابات بإشراف الأمم المتّحدة وحقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب. أمّا اليوم، بات لزاماً على الجهات المانحة أن توضح ما إذا كانت هذه المبادئ لا تزال توجّه انخراطها وما إذا كانت تنسجم مع السياسة السورية الرسمية وما إذا كانت مستعدة لطرح هذه المسألة على جدول أعمال مجلس الأمن. وقد يكون من المغري تأجيل هذا النقاش. لكن حتى لو جرى فهم ترابط العمل الإنساني والتنمية وبناء السلام في حدّه الأدنى، أيّ باعتباره مجرّد تحسين للتنسيق بين الوكالات، فإنّه يظلّ بحاجة إلى إطار سياسي يوضح الأهداف والأدوار والخطوط الحمراء. ومن دون ذلك، لن تكون الأمم المتّحدة في سوريا أكثر من مجرّد مجموعة متنافسة من الوسطاء، لها سجل يبعث على القلق في مجالات التنسيق واستخدام الموارد والاستقلالية.
هل يكون مكتب المبعوث الخاص هو طوق النجاة؟
بموجب قرار مجلس الأمن 2254، يضطلع مكتب المبعوث الخاص بدور مهم في المضي قدماً في دفع النقاشات المتعلّقة بالترابط بين العمل الإنساني والتنمية وبناء السلام. غير أنّ كلاوديو كوردوني قدّم، في 17 آذار/مارس، إحاطة أمام مجلس الأمن بنبرة كان يمكن، لو أنّ متدرباً مشاكساً استبدل شعار الأمم المتّحدة بشعار وزارة الخارجية السورية، ألا تثير كثيراً من الانتباه. فقد اختلفت اللغة والمضمون بوضوح عن الإحاطات السابقة التي قدّمتها نجاة رشدي وغير بيدرسون، وذلك رغم أنّ لجنة التحقيق التابعة للأمم المتّحدة نفسها كانت قد أفادت باستمرار انتهاكات جسيمة في مناطق متعدّدة من سوريا، بما في ذلك عمليات قتل خارج نطاق القضاء واعتقالات تعسفية وعنف جنسي ومصادرة ممتلكات. ومع ذلك، اختزل كوردوني كل هذه الانتهاكات في إحاطتة في صياغة مهذبة ومنمّقة تحدّثت عن «مخاوف مستمرة» تقابلها «خطوات إيجابية».
قد يكون مفهوماً أنّ كوردوني يسعى إلى بناء علاقة عمل إيجابية مع دمشق، في وقت يحاول فيه المكتب تأمين انتقاله إلى العاصمة السورية. فالمزاج العام يبدو بالفعل أقرب إلى «لِنَطوِِ صفحة الماضي»، وهذا يخلق ميلاً جاذباً نحو التفاؤل. لكن مهمّة الركيزة السياسية في الأمم المتّحدة ليست أن تكون متفائلة، بل أن تكون حكماً موثوقاً. وإذا كانت الدول الأعضاء في الأمم المتّحدة تفضّل مكتباً للمبعوث الخاص يكتفي بتجميل الواقع بدل الانخراط في تحليل الصراع وممارسة الدبلوماسية الصعبة، بما في ذلك ما يتعلّق بالمساعدات، فربما يجدر بها عندئذ إغلاق المكتب وتوفير موازنته السنوية التي تقارب 15 مليون دولار.
إمكانات غير مُستغَلّة
تتقلّص موازنات المساعدات العالمية، ويزداد عدد الجهات المانحة التي تصرّح بوضوح متزايد بأنّ المساعدات ينبغي أن تخدم مصالحها الوطنية. وإذا كانت المساعدات تنتقل من كونها أداة ضمنية للدبلوماسية إلى أداة صريحة لها، فإنّ ذلك يشكّل حجّة قوية لإصلاح بنية المساعدات. وفي ظلّ الوضع الراهن، يفتقر المشهد الحالي إلى الرؤية المنهجية في خضمّ هذه الفوضى، فيما يبقى قدر كبير من النفوذ الغربي غير مستغلّ، رغم أنّه يمكن توظيفه لصون العمليات المنقذة للحياة والقائمة على المبادئ، مع مواءمتها في الوقت نفسه مع جهود تنموية أكثر توجيهاً من الناحية الاستراتيجية.
ومن المهم الإشارة إلى أنّ السلطات الجديدة ليست وافداً جديداً على منظومة المساعدات. فقد أفرزت سنوات الحكم في إدلب نخبة من المسؤولين الذين راكموا خبرة عملية مباشرة في إدارة المساعدات والتعامل مع الأطراف الدولية الفاعلة، وغالباً من موقع المتلقّي. وتُعدّ هذه الخبرة سلاحاً ذا حدين. فهي تتيح للإدارة الحالية القدرة على تشكيل النظام بما يخدم مصالحها. لكنها قد تشكّل، في الوقت نفسه، أساساً لشراكة أكثر فاعليةً. وأي المسارين سيتغلّب في النهاية سيتوقّف على طبيعة الحوافز، وعلى ما إذا كانت الجهات المانحة مستعدّة لاستخدام ما تملكه من نفوذ قوي.