برلين تنادي
حوار مع كليمنس هاخ
كانت برلين المحطة الأولى للرئيس أحمد الشرع في جولته الأوروبية. وتؤدّي ألمانيا، التي تضمّ ثاني أكبر جالية سورية في العالم، دوراً محورياً في رسم ملامح العلاقة بين الاتحاد الأوروبي والدولة السورية الجديدة الناشئة. ولمعرفة المزيد عن الموقف الألماني من قضايا رئيسية مثل الانتخابات وعودة اللاجئين والمساعدات، أجرت «سوريا المتجدّدة» حواراً مع كليمنس هاخ، القائم بالأعمال الألماني في دمشق.
زار أحمد الشرع برلين للتو. ما الذي لفت انتباهك في هذه الزيارة؟
هاخ: زار الرئيس أحمد الشرع برلين يوم الاثنين 30 آذار/مارس، بدعوة من المستشار الاتحادي فريدريش ميرتس. وكانت هذه من أوائل الزيارات الرسمية التي يقوم بها الشرع إلى أوروبا، وهي بالتالي تعكس قوة الروابط التي لطالما جمعت بين ألمانيا وسوريا، والتي ازدادت متانة بفضل الجالية السورية الكبيرة في ألمانيا. وقد استقبله الرئيس الاتحادي فرانك-فالتر شتاينماير والمستشار ميرتس، كما شارك في مائدة مستديرة اقتصادية موسّعة عُقدت في وزارة الخارجية، بحضور ثلاثة وزراء ألمان وأربعة وزراء سوريين، إلى جانب نحو مئة ممثّل عن قطاع الأعمال الألماني. كذلك زار مصنع «سيمنس إنرجي» في برلين، حيث اطّلع على إنتاج التوربينات العملاقة المتطوّرة التي سيجري تركيبها في سوريا ضمن إطار استثمار قطر في قطاع الطاقة السوري.
وكان الهدف من الزيارة تسليط الضوء على الشراكة بين بلدينا، ومناقشة توقّعاتنا المشتركة لمستقبل سوريا كمجتمعاً شاملاً وحرّاً، بما يلبّي تطلّعات الشعب السوري، فضلاً عن الرؤية التنموية الإستراتيجية لسوريا باعتبارها محوراً جيوسياسياً رئيسياً في المنطقة. وتقف ألمانيا على أهبة الاستعداد لدعم المرحلة الانتقالية في سوريا بصفتها شريكاً موثوقاً يمكن لسوريا والشعب السوري الاعتماد عليه.
نشرت الحكومة الانتقالية «بيان أولويات التعافي للتعاون الدولي» في آذار/ مارس، الذي يُتوقّع من الشركاء الدوليين الالتزام به. ولا يبدو أنّ الوثيقة تتصوّر استمرار إجراء تقييمات مستقلّة للاحتياجات، كما أنّها لا تميّز بين الولايتين الإنسانية والتنموية. فهل يتوافق ذلك مع المبادئ الإنسانية عموماً، ومع المبادئ الألمانية خصوصاً؟
هاخ: تتمثّل أولوية الحكومة السورية في تعافي البلاد وإعادة إعمارها، استناداً إلى الاستثمار وإعطاء الأولوية للانتقال من المساعدات الإنسانية إلى التعاون التنموي. كما أنّ الحكومة تريد تجنّب أي شكل من أشكال الارتهان للمانحين.
إنّ وثيقة «أولويات التعافي للتعاون الدولي» التي وضعتها الحكومة تعكس تقييمات الاحتياجات والأولويات كما جرى تحديدها خلال العام الماضي منذ تحرير سوريا من نظام الأسد، من قبل الحكومة وبدعم من الأمم المتحدة وسائر الجهات المانحة. وتتوافق أولويات التعاون الألماني مع هذه الأولويات، من خلال إعطاء أولوية لإعادة تأهيل البنية التحتية الأساسية والمدارس والقطاع الطبّي، فضلاً عن الانخراط في قطاع العدالة وحوكمة المياه وحقوق الملكية وإعادة تنشيط الاقتصاد. أمّا في ما يتعلّق بالاحتياجات الإنسانية، فسنواصل تقديم المساعدات الإنسانية بسخاء، استناداً إلى تقييمات مستقلّة للاحتياجات وإلى المبادئ الإنسانية.
إذا ظلّ قرار مجلس الأمن 2254 قراراً ملزماً قانوناً، فهل يعني ذلك أنّ إجراء انتخابات حرّة ونزيهة، كما ينصّ عليه القرار، يُعدّ التزاماً واجباً على الحكومة الانتقالية الوفاء به؟
هاخ: ينصّ الإعلان الدستوري الانتقالي على إجراء انتخابات حرّة ونزيهة خلال فترة زمنية تصل إلى خمس سنوات. وخلال المرحلة الانتقالية، تعمل الحكومة السورية على استكمال عملية انتخابية محدودة تهدف إلى تشكيل مجلس وطني تمثيلي للبلاد، يملأ الفراغ المؤسّسي في العملية التشريعية. وسيضطلع المجلس الوطني بدور رئيسي بوصفه منتدى للنقاشات الوطنية، والأهم من ذلك، في سدّ الفراغ التشريعي الذي يبطئ وتيرة التعافي الاقتصادي.
وفي ما يتعلق بقرار مجلس الأمن 2254، تناقش الحكومة السورية مستقبل هذا القرار مع الأمم المتحدة وأعضاء مجلس الأمن، وكذلك إمكان إصدار قرار لاحق يعكس التغيّرات الجذرية التي شهدتها البلاد منذ 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، ويركّز على كيفية وجوب دعم المجتمع الدولي الانتقال نحو سوريا سلمية وشاملة ومزدهرة، تعيش بسلام في الداخل ومع جيرانها.
هل تتوقّع ألمانيا عودة واسعة النطاق للاجئين من ألمانيا إلى سوريا في المستقبل، وهل هي مستعدّة لفرض هذه العودة؟ كثير من السوريين، ولا سيّما ما بين 200 ألف و300 ألف ممّن يحملون الحماية الفرعية، يشعرون بالقلق بشأن مستقبلهم. وبالنظر إلى أنّ غالبية السوريين الموجودين حالياً في ألمانيا يقيمون هناك منذ فترة غير قصيرة وقد بنوا حياتهم، فما الإستراتيجية الألمانية عموماً؟
هاخ: في سياق لم نعد نرى فيه اضطهاداً سياسياً أو حرباً في سوريا، يتطلّع الكثير من السوريين إلى العودة، وقد عاد بالفعل آلاف منهم من ألمانيا للمساهمة في إعادة إعمار وطنهم. لكن من الواضح أنّ العودة الطوعية ترتبط بطبيعتها بتوافر الخدمات الأساسية وإعادة تأهيل البنية التحتية في مناطق العودة. وتقدّم ألمانيا دعماً سخياً لجهود إعادة إعمار سوريا، وقد أسهمت بالفعل في عودة مئات الآلاف من اللاجئين من الدول المجاورة.
لقد عمِلتَ في المنطقة وعلى شؤونها لسنوات طويلة وفي أدوار متعدّدة. كيف تقرأ موقع الأمور اليوم؟ هل نشهد نهاية النظام الإيراني، أم ترسّخ الصراع كحالة دائمة؟ هل ترى مؤشّرات على التقدّم، أم نمطاً من الانتكاسات؟ وما أبرز الأفكار التي تجد نفسك تعود إليها في هذه المرحلة؟
هاخ: تمرّ المنطقة بالفعل بفترة شديدة الصعوبة منذ الهجمات الإرهابية التي شنّتها حماس ضدّ إسرائيل في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وما أعقبها من حروب. وإذا نظرنا إلى التداعيات، فإنّنا نرى تطوّرات إيجابية جداً في سوريا. وما زال الوضع في لبنان صعب للغاية، لكن مع تنامي إجماع وطني على أنّه لا ينبغي الاستمرار في السماح لحزب الله بشكل أحادي بجرّ لبنان إلى الحروب. ولدينا أيضاً وضع شديد الصعوبة في غزة والأراضي الفلسطينية المحتلّة في الضفة الغربية. وسيتوقّف الكثير على مآل الحملة الحالية ضدّ إيران، وعلى ما إذا كانت القيادة الإيرانية ستقبل بالامتناع عن التدخّل الخارجي في المستقبل، والتوقّف عن تصدير رؤيتها للإسلام السياسي.