© syriaintransition.com

Cover image
الاقتصاد والمساعدات والإعمار

اجتماع ظروف كارثية

تداعيات الحرب مع إيران تهدّد الاقتصاد السوري

سوريا غير مهيّأة للتعامل مع أي اضطراب قد يطال هامشها الإقليمي الضيّق أصلاً للتجارة والاستثمار. كما أنّ تأثيرها السياسي الهشّ الذي أبقاها صامدة حتى الآن، مهدّد بالتآكل في ظلّ التقلبات الحاصلة في المنطقة.

من أوائل الجمل التي يصادفها المرء في كتب الجغرافيا السورية تلك العبارة التي تؤكّد أنّ سوريا «تتمتّع» بموقع إستراتيجي. على مدى عقود، سخر السوريون من هذا التعبير تحديداً. فالموقع إستراتيجي بلا شك، لكنّ الحديث عن كونه باعثاً على المتعة مسألة أخرى تماماً. فمنذ الاستقلال عام 1946، كان موقع سوريا في الغالب يعرّضها لطموحات الآخرين وهواجسهم أكثر ممّا وفّر لها ميزة اقتصادية ثابتة.

هذا التناقض يعود اليوم ليظهر بوضوح متزايد. وينبغي فهم تداعيات أي حرب تشمل إيران من خلال هذا المنظار الجغرافي. فلن تقتصر انعكاساتها على سوريا على الضغوط الاقتصادية الكلية المألوفة، من ارتفاع الأسعار وتجدّد ضغوط التضخّم وتجميد تدفّقات الاستثمار التي لا تزال متردّدة أصلاً. فهذه كلّها تداعيات حقيقية ومؤلمة، لكنّها لا تمثّل سوى الأعراض السطحية لهشاشة بنيوية أعمق.

ارتفاع التضخّم وتباطؤ الاستثمار

تُقدَّر واردات عام 2025 بأنّها بلغت ما لا يقل عن ثمانية أضعاف الصادرات. وفي الوقت نفسه، تعتمد مقاربة الحكومة للتعافي بدرجة كبيرة على استثمارات مموّلة من الخارج. وحتى الآن، كانت الدول الخليجية المصدر الرئيسي لمذكّرات التفاهم والعقود، ومن بين أبرز الاتفاقات تعهّدات بقيمة 7 مليارات دولار لقطاع الكهرباء، و4 مليارات دولار لتطوير مطار دمشق. وهذا الاعتماد المزدوج، على الأسواق الخارجية لتأمين السلع وعلى الشركاء الخارجيين لتوفير الاستثمارات، يجعل سوريا شديدة الهشاشة أمام الصدمات الخارجية.

وتشير التقديرات إلى أنّ الحرب مع إيران قد تؤدّي إلى ارتفاع تكاليف الاستيراد بنسبة 30 في المئة، نتيجة زيادة أسعار النفط وكلفة الشحن وكلفة التأمين. واستناداً إلى ما أظهرته تجارب في بلدان أخرى من أنّ كلّ زيادة بنسبة 10 في المئة في أسعار الواردات ترفع تضخّم أسعار المستهلك بنحو 3 في المئة، فإنّ ذلك قد يضيف نحو 9 في المئة إلى معدّل التضخّم، والأثر الأشدّ على الغذاء والطاقة والسلع الاستهلاكية الأساسية.

وبالتوازي مع ذلك، من المتوقّع أن يتباطأ الاستثمار. فالدول الخليجية مرشّحة لإعطاء الأولوية للاستقرار الداخلي وتقليص انكشافها على البيئات عالية المخاطر. ومن شأن تأخير لعام واحد ضمن دورة استثمارية تمتد لخمس سنوات أن يُترجم إلى تراجع يقارب 20 في المئة في تدفّقات الاستثمار الأجنبي المباشر المتوقّعة إلى سوريا. وفي هذا العام وحده، قد يؤدّي الأثر الإجمالي لارتفاع تكاليف الاستيراد وزيادة التضخم وتراجع الاستثمار إلى خفض نمو الناتج المحلّي الإجمالي السوري بنحو 5 في المئة، بافتراض ثبات العوامل الأخرى.

ومن المرجّح أيضاً أن يتدهور الوضع المالي. فضعف الاستهلاك وتراجع الاستثمار سيؤدّيان مباشرة إلى إضعاف تحصيل الضرائب والرسوم. وتشير معطيات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي إلى أنّ انخفاض الاستهلاك بنسبة 10 في المئة يؤدّي إلى تراجع الإيرادات الضريبية بنسبة تتراوح بين 2 و3 في المئة. وفي ظلّ هذه الضغوط مجتمعة، قد تشهد سوريا تراجعاً في الإيرادات العامة الحقيقية بنسبة تراوح بين 5 و10 في المئة، حتى مع تزايد احتياجاتها إلى الإنفاق.

من سيتدخّل؟

ما سيحدّد ما إذا كانت سوريا قادرة على الصمود في وجه الآثار القاسية لهذا الصراع لا يقتصر على حجم الصدمة نفسها، بل يشمل أيضاً الجهة التي ستبقى مستعدّة لإنقاذ البلاد. فهل لا تزال سوريا قادرة على تأمين الاستثمارات الكبيرة التي وعدت بها دول مجلس التعاون الخليجي؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل تستطيع فعلاً توجيهها على نحو يخدم الاستقرار الاقتصادي ورفاه السكان؟ وإذا لم يكن الأمر كذلك، فهل توجد مصادر بديلة للاستثمار؟ ثمّ إذا خرجت إيران من الحرب منفتحة على الأعمال، فهل ستبقى سوريا مهمّة بالنسبة إلى المستثمرين، حتى أولئك الذين ينجذبون إلى الأسواق عالية المخاطر وعالية العائد؟ أم أنّهم سيوجّهون أموالهم إلى إيران بدلاً منها؟

هذه الأسئلة بعيدة كل البعد عن أن تكون بلاغية. فإلى جانب الأصول العامة المقومة بأقل من قيمتها والامتيازات الكبرى وفرص الاستثمار الاستخراجي، ليس واضحاً ما الذي تقدّمه سوريا حالياً للمستثمرين. ولا يعود ذلك إلى العقوبات أو السياسة أو انعدام الأمن فحسب، بل أيضاً إلى غياب التقدّم من جانب الحكومة في استعادة القاعدة الصناعية الإنتاجية وتعزيز سيادة القانون.

وتنسحب أسئلة مماثلة على التجارة أيضاً. فهل ستستورد سوريا التضخّم من تركيا، أكبر مصدر لوارداتها، في وقت يُتوقّع فيه أن تتلقّى تركيا نفسها ضربة اقتصادية قاسية، وهي التي تكافح أصلاً لتحقيق الاستقرار لليرة في ظل ارتفاع التضخّم وزيادة أسعار النفط؟

ويطرح لبنان مخاوف مماثلة. فسوريا ولبنان يواجهان مشكلات عديدة، كما أنّ اقتصاديهما متداخلان بعمق. ولعلّ من أبرز الأمثلة على هذا الترابط الأزمة الاقتصادية والمالية اللبنانية التي بدأت عام 2019، وأسهمت في انهيار الليرة السورية، وكانت لها تداعيات كارثية أوسع على الاقتصاد السوري.

أمّا العراق، وهو أحد أهم وجهات الصادرات السورية، فليس أقل عرضة لهذه الهشاشة. إذ تتصاعد التوتّرات الأمنية بين بغداد وطهران بوتيرة سريعة، بما ينطوي على خطر اضطراب أوسع نطاقاً.

وبحسب المكتب المركزي للإحصاء في سوريا، كان لبنان والعراق والسعودية أكبر وجهات الصادرات السورية في عام 2023، بقيم بلغت 237,7 مليون دولار، و232,7 مليون دولار، و183,1 مليون دولار على التوالي، لتشكّل مجتمعة أكثر من 35 في المئة من إجمالي الصادرات. وتكشف خريطة الصادرات السورية عن تركّز شديد، ما يترك البلاد شديدة الانكشاف أمام الاضطرابات الإقليمية.

التحوّلات الجيوسياسية قد تفتح نوافذ أيضاً، لكن...

لم تؤثّر التحولات الجيوسياسية الكبرى في سوريا على نحو واحد أو متجانس. ففي بعض الأحيان، فرضت ضغوطاً شديدة؛ وفي أحيان أخرى، فتحت هوامش جديدة. ففي أعقاب حرب الخليج الأولى (بين 1990 و1991)، قدّمت دول مجلس التعاون الخليجي دعماً مالياً كبيراً في وقت كانت فيه سوريا تحت ضغط هائل نتيجة انخراطها في الحرب الأهلية اللبنانية والعقوبات الدولية. أمّا انهيار الاتحاد السوفياتي، الذي كان آنذاك الشريك التجاري الرئيسي لسوريا، فكان أشدّ إرباكاً، إذ وجّه ضربة قاسية إلى أجزاء من الصناعة السورية. غير أنّه في أواخر التسعينات وبدايات الألفية الجديدة، أتاح انفتاح أسواق بديلة في أوروبا، وبدرجة أقل في الولايات المتحدة، فرصاً جديدة. وكان من بين المستفيدين المعارض السوري رياض سيف، الذي كان ينتج ملابس «أديداس» الرياضية الموسومة بعبارة «صنع في سوريا» للأسواق الأوروبية.

المشكلة اليوم هي أنّ سوريا تدخل هذه الأزمة الإقليمية من دون أن تكون قد أعادت بناء ما يكفي من قاعدتها الإنتاجية بما يسمح لها بالاستفادة من أي انفتاحات جديدة. فهي بحاجة إلى إنتاج محلّي أقوى لتقليص الاعتماد على الاستيراد والحدّ من العجز التجاري، وإلى مصادر أكثر تنوّعاً للاستثمار الأجنبي، وسلاسل قيمة محلّية أكثر متانة. كما أنّ تعزيز الإنتاج المحلّي على نحو أكبر من شأنه أن يخفّف الضغوط التضخّمية. وقد يساعد أيضاً بناء احتياطات إستراتيجية من السلع الأساسية، مثل الغذاء والوقود، في الحدّ من أثر الصدمات الخارجية مستقبلاً.

وإلّا فمصير سوريا أن تواجه عاصفة كارثية.

هذا التحليل حصري من «التحالف السوري للمشاريع» Syrian Ventures Alliance وهي منصّة متخصّصة بالاستشارات الاستثمارية والاقتصادية.

العودة إلى الأعلى

الاقتصاد والمساعدات والإعمار

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية