© syriaintransition.com

Cover image
مراجعة كتاب

الواقع والرومانسية

مراجعة لكتاب روبن ياسين قصاب «بيننا دم»

في واحد من أوائل الأعمال الكتابية المطوّلة التي تحاول مقاربة سوريا ما بعد الأسد، يوثّق روبن ياسين قصاب التجربة العاطفية للتحرّر والعودة بعد عقود من الدكتاتورية. تتناول مراجعتنا المواضع التي تتحوّل فيها الرومانسية الثورية المفهومة إلى نقاط عمياء تحليلية، سواء في تصوير نشأة الثورة أو في تقييم استمرارية الأنظمة الاستبدادية.

في صلب التغيير في سوريا مزيج من قضايا حرجة لم تحسم بعد، وفي قلبه مؤسسات انتقالية وعنف طائفي متجدد، وتنازع على الشرعية، وتساؤل قديم متجدد حول إمكانية أن يصبح انتصار الثوار فرصة للجميع لممارسة السياسة. ومن أوائل المحاولات لفهم أحداث السنة الأولى تحت حكم هيئة تحرير الشام كتاب روبن ياسين قصاب «بيننا دم: سوريا بعد سقوط الأسد»، الصادر عن دار الساقي.

الكاتب معروف في أوساط الخبراء والناشطين في الشأن السوري الناطقين بالإنجليزية. وقد أصبح كتابه السابق، بالاشتراك مع ليلى الشامي، «بلد يحترق» (2016)، أحد أهم المداخل باللغة الإنجليزية لفهم البنية المدنية الدقيقة للثورة، وفيه سُلّط الضوء على لجان التنسيق المحلية، وشبكات الطلاب، والصحفيين المواطنين. وفيه أكّد أيضاً على نقطة جوهرية، وهي أنه قبل أن تتحول سوريا إلى ساحة صراع للميليشيات والجهات الأجنبية الراعية، كانت هناك حركة مدنية ثورية تسعى إلى نوع من الحكم الذاتي في مواجهة دولة احتكرت السلطة والعمل السياسي لعقود.

ويأتي كتاب قصاب بتوقعات كبيرة من القرّاء، وهو الكاتب المعروف بنقده اللاذع للاستبداد والقمع في سوريا والشرق الأوسط عموماً. ولا شك أن هناك وفرة من المواضيع التي تستحق البحث والتحليل مع دخول حكومة أحمد الشرع عامها الثاني، وظهور بوادر نزعات استفرادية بالحكم.

مؤلف في قلب الأحداث

قبل الخوض في مضمون كتاب قصاب الأخير، لا بد من الإشارة إلى جانب منهجي. فالمؤلف يصرّح منذ البداية بأنه يكتب من منظور شخصي، كمراقب منخرط يروي آلام الأحداث وقلقها وأفراحها، ومحاولاً التركيز على الشعب السوري باعتباره محور الكتاب. ولعل من المفاجئ، بالنظر إلى جذوره السورية ومكانته في أوساط النشطاء الثوريين، أنه لا يدّعي الخبرة، بل يعترف بأن الكتاب «غير مكتمل».

ولكن ما يبدو تواضعاً على المستوى الشخصي يتحول إلى توتر تحليلي يسري في ثنايا الكتاب. فالابتسامة التي ارتسمت على محياه عند استقباله اللطيف من حرس الحدود عند عودته إلى سوريا، مفهومة إنسانياً، وتكشف في الوقت نفسه عن التقارب العاطفي الذي يمنح السرد قوته ونقاط ضعفه في نفس الوقت. مع الأخذ في الاعتبار التحيز السياسي الذي لا مفر منه في هذا النوع من الكتابة، إلا أن المنهج التحليلي في الكتاب لا يرقى إلى المستوى المتوقع من كاتبٍ يمتلك معرفة وطموحاً أخلاقياً.

عبء الإفراط في محاولة شرح كل شيء

يُطرح على القارئ، طوال الكتاب سؤالاً مُلحّاً حول نوايا الكاتب والجمهور المستهدف. فعلى مدار 339 صفحة من النصّ، يضع المؤلف على عاتقه مهمةً شاقة ومتعددة، وهي تعريف القراء - من غير الخبراء - بتعقيدات أربعة عشر عاماً من الصراع، وتسليط الضوء على ديناميكيات التكوين الاجتماعي الاستبدادي بعد سقوط الأسد، والتأمل في الوضع الاقتصادي، وحتى في الآثار البيئية للصراع - كل ذلك تحت عنوان «بيننا دم»، الذي يعد القراء بتأمل عميق في إرث سوريا المُثقل وكيف يتجلى ذلك في المرحلة الانتقالية الحالية. في بعض الأحيان، يبدو هذا طموحاً مفرطاً بالنسبة لكتابٍ واحد. فغالباً ما يسرد الكتاب سرداً سريعاً للأحداث، وأحيانًا أخرى كتعليقٍ مطوّل بدلاً من كونه حُجّةً متكاملة. وهذا يُقدّم للمراقبين الجدد نظرة عامة مفيدة حول كيفية سير الأحداث، ولكنه يسمح أيضاً بوجود أخطاء واختصارات تحليلية قد تكون مخلّة. بعضها طفيف، والبعض الآخر أكثر أهمية بالنسبة للحجج الأوسع للكتاب.

يتضح هذا جلياً في تقييم المؤلف لدور تركيا في عملية «ردع العدوان» في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 والتي أطاحت بالأسد. فهو يُشير إلى أن الثوار وحدهم هم من قادوا الأحداث فعلياً، وأن بقية العالم لم يتحرك إلا بردود الأفعال عندما استعاد السوريون أخيراً زمام أمرهم. ويعكس هذا، من نواحٍ عديدة، رغبة مفهومة في تأكيد الفاعلية المحلية وقدرة السوريين على التغيير. ومع ذلك، ورغم تقارير عدة، بما فيها ما صدر عن هذه المجلة، حول خطط تركيا طويلة الأمد لتوسيع «منطقتها الآمنة» في شمال سوريا لتشمل مدينة حلب وضواحيها، فإن قصاب يستبعد إلى حد كبير إمكانية وجود تنسيق خفي أو تخطيط استراتيجي طويل الأمد بين هيئة تحرير الشام وحلفائها الإقليميين والدوليين. بل ويزعم، بشكل غير مقنع، أن غياب التعبئة المبكرة والشاملة من قبل جيش نظام الأسد يُظهر أن المسؤولين الأتراك، شأنهم شأن الأطراف الأخرى، كانوا يتصرفون بدافع رد الفعل فقط.

لكن وسط ضباب الحرب الكثيف الذي لا يزال يكتنفه الغموض، قد يكون من الحكمة ترك هذه الأمور للمؤرخين بدلاً من سرد الأحداث كما لو أن السجلات كُشفت بالفعل.

من رومانسية الثورة إلى مِحَن الانتقال

قد تُعزى بعض هذه المغالطات جزئياً إلى تفضيلات سياسية في السرد، إلا أن بعضها الآخر يمس جوهر الكتاب التحليلي. ويتجلى هذا بوضوح عندما يُضفي قصاب طابعاً رومانسياً على سمات المجالس المحلية الأولى التي ظهرت مع تراجع قبضة نظام الأسد على مناطق عديدة عام 2012. ويصف هذه المجالس بأنها فضاءات ديمقراطية أو شبه ديمقراطية حيث «كان الإسلاميون والليبراليون واليساريون يعملون معاً بشكل جيد في الغالب»، وبأنها هيئات «تميل إلى التنظيم الأفقي والاعتماد على الجدارة بدلاً من الأيديولوجية، وحيث يُنتخب أعضاء المجالس لكفاءاتهم العملية».

هذا وصفٌ مُبالغ فيه. فقد تباينت المجالس بشكل كبير من مكان لآخر، ولا يُمكن إنكار شجاعة والتزام العديد من النشطاء الأوائل. ولكن المجالس المحلية، في مجملها، لم تكن جزراً من الحكم الذاتي الأفقي. بل كانت في الغالب هشة وتعتمد في وجودها على جهات خارجية غير ديمقراطية. فقد وفرت الجماعات المسلحة القوة اللازمة لفرض الأمن في المناطق، وحماية الإمدادات اللوجستية، وإنفاذ القرارات. لكن هذه القوة منحتهم أيضاً نفوذاً على سياسات الرعاية والأمن والشرعية. بل وكانت التجارب الانتخابية نادرة، ومعظمها فاشلة، وسرعان ما عادت السلطة إلى النمط المجتمعي القائم على التوافق العائلي والمكانة المحلية. وغالباً ما هُمّش الناشطون، حتى قبل أن تُحكم المحاكم الشرعية والفصائل الإسلامية قبضتها على الإدارة المحلية.

إنها لصورة جذابة جداً أن يصوّر تنظيم ذاتي ديمقراطي وهو يقاوم وطأة هجمات النظام الأسدي، لكن ما ميّز «المناطق المحررة» في نهاية المطاف هو حكم مُعلّق بين التطلعات الثورية والتسلسل الهرمي الاجتماعي وسلطة الميليشيات وتمويل المانحين. لا يعني هذا إنكار النية التحررية للناشطين الأوائل، بل هو إدراك أن إخفاقات اليوم في ترسيخ الديمقراطية متجذرة في مؤسسات الأمس.

النظام في المجتمع

يتسم قصاب بعدم الدقة أيضاً في تشكيكه في طبيعة الحرب الأهلية للصراع، وفي تمييزه بين نظام الأسد والشعب السوري عموماً، دون تقديم التحليل المنهجي المعمق اللازم لفهم دلالات عنوان الكتاب. ويُعدّ هذا الأمر مفهوماً من منظور ثوري ديمقراطي، فهو يُتيح خطاباً أكثر شمولاً تجاه السوريين، ويُلقي بعبء الذنب على نظام استبدادي خارجي. مع ذلك، لا يُساعد هذا التمييز في تسمية الأوضاع الراهنة أو في التغلب عليها.

وكما أظهرت المحاسبات التي تمت ما بعد الديكتاتورية في أماكن أخرى، فإن الاستبداد ليس مجرد مشروع خاص بالنخبة فقط، بل عرض متجذر في المجتمع، ويعمل من خلال الناس العاديين بقدر ما يقودهم. وقد ساهم كثيرون في استمرار مؤسسات العنف التابعة للنظام، بما في ذلك الآلية البيروقراطية الروتينية التي لا يُمكن للقمع أن يعمل بدونها. وانجرف آخرون في ديناميكيات الاستبداد اقتصادياً أو اجتماعياً أو بشكل غير رسمي، أحياناً لمجرد حماية أنفسهم، وعلى الطرف الآخر كان البعض مؤمنين بمشروع استبداد الدولة الأسدية. ليس من السهل التعبير عن هذه الحقيقة، لأن لا أحد يُحب مواجهة جانبه المظلم. لكن إدراك هذه الحقيقة أمرٌ جوهري للسماح بالتحرك خارج نطاق روايات المنتصرين، وتجاوز تسلسل من كان مظلوماً أكثر. إن تقديم سرد صادق عن الذنب والتورط أمر لا غنى عنه من أجل التوفيق بين مختلف شرائح المجتمع السوري، بل والمجتمع ككل، مع فكرة الدولة للجميع.

ما الذي يبقى بعد زوال النظام؟

لا يغفل قصاب عن الإرث الاستبدادي الذي يُلقي بظلاله على المرحلة الانتقالية في سوريا. ففي فصول الكتاب الأكثر تعمقاً يُحدد المخاطر الكامنة في النخبة الجديدة، وطريقة حكمها، وأصولها الأيديولوجية. كما يُبين مدى رسوخ منطق عنف الأسد في أذهان الحكام الجدد. ويتتبع هذا المنطق من خلال المجازر التي وقعت في الساحل والسويداء، وفي الجهود المبكرة لتحقيق العدالة الانتقالية، وفي أشكال تشكيل الهوية القائمة على تفوق العرب السنة.

مع ذلك، لا يُقدم قصاب على تحويل هذه الملاحظات إلى نقد منهجي للنظام الجديد. بل يميل إلى سردية يعزى فيها العنف المفرط، في المقام الأول، إلى ضعف الانضباط بين الميليشيات القبلية والوحدات العسكرية التي تحولت إلى جيوش - وهي القوى التي يُفترض أن الشرع، الرجل القوي الذي يسعى إلى تحقيق الاستقرار، يُحاول السيطرة عليها. ما يُغفله هذا هو كمٌّ هائل من الأبحاث التي تُبين كيف تُتيح الأنظمة للعنف أن يستشري دون التدخل في أدق تفاصيل كل مجموعة مارقة او عصابات تصفية. ولقد كان أحد الدروس الأساسية لحكم الأسد هو أن التعسّف المحسوب هو أداة للهيمنة؛ وهو نمط كان من الممكن دراسته تجريبياً في سوريا ما بعد الأسد.

يرتكز تقييم قصاب لسياسات حكومة الشرع على تصوّر أنّ هناك مركز قوي للحكم وملتزم بالتهدئة، ويستند جزء كبير من هذه الفكرة إلى التحليل المشكوك فيه الذي طرحه جيروم دريفون وباتريك هاني في كتابهما «تحوّلت بفعل الناس: طريق هيئة تحرير الشام إلى السلطة في سوريا»، والذي يستشهد به المؤلف مراراً. والحجة المكررة هي أن بمجرد أن عززت هيئة تحرير الشام سلطتها في إدلب، ظهر تدريجياً شكل محدود من التعددية. يوسّع قصاب هذا الافتراض ليشمل سوريا ككل، بما في ذلك الحملة العسكرية ضد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في أوائل عام 2026، والتي يصف هزيمتها واستبعاد قيام دولة اتحادية في سوريا بأنهما حررا البلاد من «خطر التفكك الوجودي»، متجاهلاً النقاشات الأوسع حول اللامركزية السورية والتي تتجاوز المسألة القسدية. ويرى المؤلف أنه بمجرد أن تُحقق السلطات النصر الكامل، يُؤمل أن تتاح مساحة للتنفس من أجل الحكم الدستوري والتعددية والمساواة في المواطنة ضمن نظام ديمقراطي.

ما وراء سلام المنتصرين

في نهاية المطاف، هذا هو منطق قوانين الطوارئ، والتي كانت تجارب كارثية على سوريا، وسمحت باستمرار الأنظمة الاستبدادية. فهذا المنطق يُتيح للحكام الجدد الادعاء مراراً وتكراراً بأن الأمن اللازم للتعددية والديمقراطية لم يتحقق بعد، وسيضفي الشرعية على المزيد من إراقة الدماء في سبيل تحقيق ذلك.

هذا الإغفال التحليلي سمةٌ مميزة للعديد من التحليلات التي تناولت ما بعد الأسد، والتي، في خضم نشوة مُنهكة بعد نصر غير متوقع، تُبدي استعداداً لمنح تبريرات غير محدودة. ويبلغ الأمر حداً مُزعجاً عندما يقول المؤلف، قرب نهاية الكتاب، إلى أن جميع الانتقادات الموجهة للسلطات السورية في كتابه يُمكن توجيهها أيضاً إلى القادة الغربيين.

يُمثل كتاب «بيننا دم» محاولة طموحة لتوثيق سوريا ما بعد الأسد. على الرغم من أنها تبدو وكأنها كُتبت على عجل، إلا أنها تقدم مادة جوهرية للنقاش النقدي.

العودة إلى الأعلى

مراجعة كتاب

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية