لافتة بالكردية لا تهدّد أحداً
15. أيار 2026
إن الخلاف حول لافتة القصر العدلي في الحسكة هو اختبار عملي لما إذا كان حكام سوريا الجدد قادرين على التعامل مع التنوع كمصدراً للشرعية لا تهديداً للسيادة.
تعيش محافظة الحسكة منذ أيام مخاوف تطور الأزمة الجديدة بين قسد والحكومة السورية، متمثلاً بالوفد الرئاسي المشرف على تنفيذ اتفاقية 29 كانون الثاني من العام الحالي. ومصدر تلك الهواجس، «التنازع» ما بين كتابة الشاخصة التعريفية للقصر العدلي باللغة الكردية إلى جانب العربية، أو الاكتفاء بالأخيرة وحدها.
تقول جهات مقربة من الفريق الرئاسي، إن رؤيتهم للموضوع هي أن القضاء هيئة سيادية، لا يجوز المساس بها. في حين يرى الطرف الأخر، أن اللغة الكردية لا تُعد مسّاً بسيادة الدولة، بل تأكيداً على التنوع. وما بين الطرحين، تتوالى إنزال اللافتة من قبل مجموعات محسوبة على الإدارة الذاتية وقسد.
لافتة صغيرة، تأثير كبير
في بعض التفاصيل: رُفعت في البداية لافتة دُوِّن عليها عبارة «الجمهورية العربية السورية، وزارة العدل، القصر العدلي في الحسكة» والعبارة نفسها باللغة الكردية. تم استبدالها بأخرى كُتبت باللغتين العربية والإنكليزية، والغريب أنه لم يتم التدوين باللغة الإنكليزية إلى جانب العربية في لافتات وزارة العدل والقصر العدلي في دمشق! فلماذا إقحام الإنكليزية عوضاً عن الكردية. قانونياً: جاء المادة 12 في الباب الثاني من ضمن مواد الإعلان الدستوري المؤقت ما يلي:
«تصون الدولة حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وتكفل حقوق المواطن وحرياته. وتعدّ جميع الحقوق والحريات المنصوص عليها في المعاهدات والمواثيق والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التي صادقت عليها الجمهورية العربية السورية جزءاً لا يتجزأ من هذا الإعلان الدستوري».
هذه المادة تقرّ الحقوق التي نصّت عليها الاتفاقيات الدولية، ومنها حق الشعوب والمكونات القومية في الحفاظ على لغتها واستخدامها في التعليم، والإدارة والحياة العامة. لهذا فإن الإقرار الرسمي باللغة الكردية، ليس امتياز خاص، بل تطبيق طبيعي للالتزامات الدولية بحقوق الإنسان.
وتؤكد المادة 13 من نفس الباب «تكفل الدولة حرية الرأي والتعبير والإعلام والنشر والصحافة». وهذه المادة، عملياً لن تتحقق دون ضمان حقوق المواطنين في استخدام اللغة الام. خاصة وأن وظيفة اللغة تتجاوز قضية التواصل، لتكون الأداة الصلبة والبنيوية في التعبير عن الفكر والثقافة والهويّة. وعلى الصعيد النفسي والوطني، فإن حرمان أي مكون من لغته الأم هي حدّ من قدرته على التعبير والاندماج والانتماء، والإنتاج الثقافي والإعلامي والسياسي بحرية.
على صعيد المواطنة الحقوقية: فإن المشاركة تكمن في المجال السياسي وتشكيل الأحزاب أساساً. وفي ظل غياب قانون الأحزاب كنتيجة لعدم عقد البرلمان لجلساته بعد، فإن مشاركة المكونات، ومن بينها الكرد، تقوم على أساس الحقوق والواجبات ضمن المؤسسات العامة من الإدارة والقضاء، واللغة، التعليم والحياة السياسية، دون تمييز، وبل عبر تعزيز الشراكة الوطنية. وللمعلومة، فإن الراحل جلادت بدرخان، أسس مجلة هاوار باللغة الكردية والأحرف اللاتينية عام 1932 بين بيروت ودمشق وحلب، وكل ذلك في عهد الانتداب الفرنسي!
الغموض البنّاء
أما المادة 15 التي تؤكد مبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين، فهي تشكل أحد أقوى الأسس المنطقية للاعتراف باللغة الكردية. لأن تكافؤ الفرص لا يتحقق فقط اقتصادياً، بل ثقافياً وإدارياً وتعليمياً أيضاً. فإذا كانت لغة فئة من المواطنين فقط هي المعترف بها في مؤسسات الدولة، بينما تُهمّش لغة قومية أخرى يتحدث بها ملايين المواطنين الآخرين، فإن ذلك يخلق تفاوتاً فعلياً في الوصول إلى التعليم والوظائف والتمثيل والمشاركة العامة.
وقدّم المرسوم الرئاسي رقم 13 نقلة نوعية على صعيد التعاطي مع القضية الكردية، واعترف بالكردية، بوصفها «لغة وطنية» لكنه لم ينص على إنها لغة رسمية للدولة، وهذا في العرف القانوني فارق جوهري. لكن ومع ذلك، فإن المرسوم لم يمنع ولم يُشر إلى ما قد يمنع استخدام اللغة الكردية على اللافتات، خاصة وأنه يدخل ضمن حرية التعبير وبيان الهويّة الثقافية واللغوية للكرد. كما أن الاعتراف بها كلغة وطنية يمنح أرضية قانونية وأخلاقية لاستخدامها في الحياة العامة.
في الجانب الرسمي-الحكومي، فإن التعقيد يظهر على خلفية القوانين والتشريعات الحالية، والتي لا تزال تعتبر العربية هي اللغة الرسمية الوحيدة للدولة، وهو ما خلق السجال الحالي. مع ذلك يُمكن – على مبدأ اختبار النوايا – الاعتماد على أن المرسوم التشريعي لم يحظر استعمال الكردية في الفضاء الرسمي العام وإضافتها إلى جانب العربية على اللافتات الرسمية. وهذا لا يُنقص من قدر العربية كلغة رسمية، أو كلغة أم ثانية للكرد، بل يعكس التعدد الثقافي واللغوي في البلاد. وبالتالي، وإلى حين البتّ في قضايا التعددية اللغوية والثقافية الرسمية للدولة السورية، لا يُضير وجود لغات إضافية إلى جانب العربية على اللافتات المحلية والإدارية.
من جهة أخرى: قيل إنه، وعلى خلفية أن القضاء جهة سيادية ولا يجوز الكتابة بغير اللغة الأم، هل يحق لكاتب الأسطر أن يستفسر حول الحق في تبوء كردي لمنصب وزير العدل، أو باقي الوزارات السيادية؟ أو إذا اعتمدنا تبرير إزالة اللغة الكردية من اللافتة التعريفية للقصر العدلي، كيف سيدخل القضاة الكرد المحكمة؟ هذه أيضاً أسئلة تدور في المخيلة الكردية إثر ما حصل.
الواضح إنه ثمة تشنج وربما عناد من أكثر من طرف حول هذه القضية. لكن الأصح هو قبول الفريق الرئاسي للمطلب الشعبي، بكتابة اللغة الكردية لجانب شقيقتها العربية، وهذا سيكون مؤشر على رجاحة عقل الدولة، وسيعكس نمط تفكير جديد في التعاطي مع المطالب الشعبية، ولن تكون على شاكلة «كيف نتنازل؟».
وبناءً على ذلك، يمكن القول إن اعتماد اللغة الكردية حالياً، ولاحقاً بشكل رسمي بعد إقرار البرلمان، لن يتعارض مع وحدة الدولة السورية، بل ينسجم مع المبادئ الدستورية، ويشكّل خطوة نحو دولة المواطنة المتساوية التي تعترف بتنوعها القومي والثقافي.