هل السوريون اليوم أحرار؟

11. نيسان 2026

قد يكون سقوط نظام الأسد قد أنهى حقبة، لكنه لم يُنهِ جذور الخوف والطاعة والإقصاء التي غذّت الاستبداد. الحرية الحقيقية في سوريا لن تتحقق باستبدال أنظمة، بل بتفكيك البنى الثقافية والمؤسسية العميقة التي أنتجت القمع لعقود.

مع سقوط النظام الأسد، تنفست السوريات والسوريون بعمق، وراودتهم أحلام الحرية التي طال انتظارها. غير أن الأسابيع والأشهر التي تلت هذا التحول التاريخي كشفت حقيقة مرّة يصعب تجاهلها: إن إسقاط المستبد لا يعني بالضرورة إسقاط الاستبداد ذاته. فالحرية ليست مجرد غياب الطاغية عن المشهد، بل هي بنية مؤسسية وثقافية ومجتمعية تتطلب عملاً طويل النفس ووعياً عميقا بآليات القهر والقمع التي ترسخت في حياتنا الاجتماعية والسياسية عبر عقود مديدة من الخوف المنظّم. 

والتجربة التاريخية تعلمنا أن الشعوب التي أطاحت بحكامها المستبدين دون أن تفكك البنى العميقة للاستبداد المتجذّر في المجتمع والثقافة والوجدان الجمعي، وجدت نفسها حتماً أسيرة أنماط جديدة من التسلط والهيمنة لا تقل وطأة وقسوة عن سابقتها.

إن بنى الاستبداد في سوريا لم تكن يوماً حكراً على الأجهزة الأمنية وأقبية المخابرات وسجونها، رغم بشاعته ما مارسته على مدى خمسة عقود ونيف، فقد تغلغل القمع في النسيج الاجتماعي والثقافي والديني كله، حتى باتت الطاعة العمياء نمطاً سلوكياً يُعاد إنتاجه وتكريسه في البيت والمدرسة والمسجد والحي ومكان العمل، من دون أن ينتبه كثيرون إلى أنهم يمارسون على غيرهم ما مورِس عليهم. 

لقد أُقيم نظام متكامل يقوم على ثلاثية متحالفة: التجريم السياسي الذي يرهب كل من يفكر في الخروج عن السلطة ويشعل من المطالبة بالحقوق تهمة جنائية، والتحريم الديني الذي يحصّن الخضوع للحاكم بأنه خروجاً على طاعة ولي الأمر، والإقصاء الاجتماعي الذي يحرم المتمردين من حماية الجماعة  ويحولهم إلى منبوذين. وهذه الثلاثية موروث عميق راسخ في بنية مجتمعاتنا ، وإن كان النظام الأسدي قد وظفها بكفاءة استثنائية ومنهجية في خدمة سلطته وأدوات بطشه.

الاستحقاق التاريخي

إن الحكومة السورية الجديدة تقف اليوم أمام استحقاق تاريخي لا يحتمل التأجيل. عليها أن تثبت أنها تمثّل قطيعة حقيقية مع منطق السلطة المطلقة التي لا تُساءل. إنني ألاحظ بقلق عميق بعض المؤشرات المقلقة في المشهد الراهن: من تركيز مفرط للسلطة في يد فئة معينة، وتهميش متزايد للأصوات المختلفة والكفاءات المستقلة، وتباطؤ غير مبرر في إرساء آليات واضحة للمساءلة والمحاسبة. 

هي مؤشرات تذكرنا بأن من انتصر  في صراعات التغيير كثيراً ما يعيد إنتاج ممارسات من حاربهم وأطاح بهم. إن بناء دولة قانون حقيقية يقتضي أن يكون الحاكم أول الخاضعين لأحكام القانون، وأن تُفصَل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية فصلاً حقيقياً لا صورياً، وأن يُمنَح القضاء استقلالاً تاماً يعزز بضمانات دستورية، وليس مجرد تصريحات. 

ولا يعفى المعارضون  من نصيبهم من المسؤولية في هذا المشهد السوري المعقد. فالمعارضة السورية التي ناضلت طويلاً ضد نظام القمع والاستبداد لم تنجح في أغلب الأحيان في بناء نموذج بديل يجسد قيم التعددية التي نادت بها. فهي عانت من انقسامات حادة ومتكررة، وولاءات فئوية وعشائرية وحزبية ضيقة، وأعادت بعض تنظيماتها إنتاج بنى السلطة الأحادية ذاتها التي سعت إلى إسقاطها. 

إنّ من يطالب بالديمقراطية ويمارس الإقصاء داخل صفه يفقد مصداقيته أمام شعبه. والتحرر الذي نريده لسوريا لا يبدأ بكتابة الدساتير وسنّ القوانين فحسب، على أهميتها القصوى، بل يبدأ بتغيير ثقافة الطاعة العمياء وتقديس الزعيم المنقذ، سواء كان هذا الزعيم في قصر جمهوري أو في مقر حزبي أو مجلس عشائري.

رسالة إلى الخارج

أما الداعمون  الدوليون والإقليميون لسوريا الجديدة فعليهم إدراك أن الحرية لا تستورد كما تستورد الأسلحة والمعدات والبضائع. وأن الدعم المشروط بأجندات خارجية لا يصنع دولة سيدة ومستقلة القرار، بل يصنع تبعية جديدة بأثواب مختلفة. وإذا كانت القوى الدولية والإقليمية جادة في دعم تطلعات السوريات والسوريين نحو الحرية والكرامة، فعليها أن تساند بناء المؤسسات المستقلة والقضاء النزيه، والمجتمع المدني الحقيقي الفاعل، ونظام تعليم حديث مواكب للعصر ينتج مواطنات ومواطنين قادرين على التفكير النقدي والمشاركة الواعية في الشأن العام، لا أن تعيد رسم خرائط النفوذ والمصالح تحت شعارات إنسانية.

إن الطريق إلى حرية حقيقية ومستدامة يمرّ عبر مسارات متلازمة ومتكاملة لا يمكن الاكتفاء بواحدة منها دون سواه. يمر أولاً عبر بناء دولة مؤسسات راسخة تقوم على سيادة القانون وتداول السلطة السلمي ومحاسبة المسؤولين والمسؤولات. ويمرّ ثانياً عبر ثورة ثقافية ومعرفية تحرر العقول من رواسي ثقافة الخضوع والعصبية والتعصب، وتعلي من شأن التفكير النقدي والقبول بالاختلاف والتنوع. ويمرّ ثالثاً عبر مشروع اقتصادي إنتاجي حقيقي يطلق طاقات الناس الحيّة ويصون كرامتهم العملية، لأنّ من لا يمتلك قوت يومه لا يستطيع أن يملك حريته.

ولا يمكن الحديث عن حرية حقيقية دون الحديث عن حرية المرأة السورية ومكانتها. فالنساء اللواتي حملن أعباء الحرب والنزوح والصمود والبقاء، ودفعن ثمناً مضاعفاً من المعاناة والفقدان والتضحية، يجدن أنفسهنّ اليوم أمام خطر حقيقي يتمثل في التهميش والإقصاء من جديد، باسم العادات والتقاليد أو باسم أولويات المرحلة الانتقالية. إنّ أي مشروع وطني تحرري لا يضع المساواة الفعلية بين الجنسين في صلب أولوياته هو مشروع ناقص بالضرورة ولن ينتج سوى حرية مبتورة لنصف المجتمع، ولن يحقق نهضة يشارك فيها الجميع.

إن السوريات والسوريون ليسوا أحراراً بعد، ليس لأنهم لا يستحقون الحرية أو لأنهم عاجزون عنها، بل لأن الحرية ليست هبة تمنح من أعلى ولا منّة يتفضل بها حاكم أو حزب، بل هي إنجاز يُبنى كل يوم بالعمل والوعي والمثابرة. إن بلادنا تستحق أن نخوض هذه المعركة الطويلة بصبر وعزيمة ووضوح رؤية، لأن الخلاص السحري الذي يتوقعه بعضنا من زعيم مُلهِم أو حزب منقذ أو قوى خارجية عظمى لن يأتي أبداً. فالحرية الحقيقية تُصنَع من أعماق الداخل، ومن صلب وعي المجتمع ومن قلب مؤسساته العادلة، أو لا تكون.

العودة إلى الأعلى

سياسي وباحث وكاتب وأكاديمي سوري

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية