نريد هوية وطنية جامعة، لا شعارات مرحلية

6. آذار 2026

أدّى سقوط الأسد إلى خلق فراغ في مفهوم الدولة. ومن دون اعتراف متبادل وعقد اجتماعي حقيقي يجمع جميع المواطنين، فإن الدعوات إلى الوحدة قد تتحول إلى مجرد شعار فارغ جديد.

لا يقود سقوط رأس النظام والإطاحة بأبرز عناصره وقياداته للتحول الديمقراطي بالضرورة، أو إلى الانتقال السياسي المطلوب. ولا يكفي زوال النظام السابق حتى تبدأ معها «هوية وطنية» جامعة بالظهور تلقائياً وذلك لكي لا ينتقل السوريين من سلطة قسرية إلى فراغ رمزي يُهدد بتفكك أشد. 

لذا نحن بحاجة لمراجعة عميقة لفكرة الدولة ومفهومها. من يُمثّل الدولة، ومن يصون رموزها، ومن يعرف ماهيتها؟ وهي أسئلة تتجاوز إطار الشعارات أو تجميل شكل الدولة عبر حملات العلاقات العامة.

الاعتراف بالآخر

وفقاً للفيلسوف الكندي تشارلز تايلور في مقالة «سياسات الاعتراف» فإن الهوية لا تُبنى من الداخل فقط. بل تتكوّن أيضاً من الاعتراف المتبادل. وتجاهل هوية جماعة معينة يعني إنكار قيمتها، وبالتالي توليد الغضب والانسحاب والعنف أحياناً. بمعنى أدق: الهوية الجامعة في بلد مُركب ومتعدد القوميات والجماعات السياسية، لا تُفرض مع إنكار الوجود التعددي لتلك القوميات والهويّات الفرعية. فالهوية تبدأ من الاعتراف، وليس من رسم شعار أو نشيد.

عادة ما تُبنى الهوية الفردية على ثلاث دوائر من الاعتراف وهي الأسرة، الحقوق، والتضامن، وعبر تضافر هذه العناصر بين مجموع الأفراد، فإنها تصل لتشكيل الهوية الأكبر. لكن المشكلة في الحالة السورية، هي غياب العنصر الثالث وهو التضامن، ويعني الاحترام المجتمعي، وغياب عنصر واحد كفيل بتشوه الهوية وسريان شعور الاغتراب. وعلى اعتبار أن المجتمع السوري لم يصل بعد للعنصر الثالث – التضامن والاحترام المجتمعي – للأخر وتقبل اختلافه، وضعف الاتفاق على الحقوق، أو فرضها من الأعلى، فلا استقرار ولا احترام بين السوريين.

وللأمانة التاريخية، فقد يكمن الفشل في تشكيل هدوء نفسي واستقرار داخلي للسوريين بدأ منذ فشل المعارضة السورية بكل أطيافها وتسمياتها، في بناء رموز بديلة جامعة، وذلك قبل قيام الإدارة الجديدة في دمشق. فسقوط الأسد برموزه من صوره وعبارات على الجدران، وعلمه وأناشيده، وسردياته، أحدث فراغاً عميقاً، توجب ملئه بما يشدّ السوريون لبعضهم البعض. لكن غياب السردية الموحدة حول المرحلة الماضية، والمقبلة، هي بحد ذاتها تشنج ويُنبئ بتوترات وربما مواجهات قادمة.

وأساس كُل الخلافات والتباغض بين المكونات السورية، و تفضيل السجال على العمل، هو غياب البحث في الإجابة عن سؤال مركزي مُحدد، يوضح إشكالية العيش المشترك الغائب حالياً عن سوريا والسوريين. والسؤال هو: هل سنعيش في سوريا القادمة بصراع الشعارات والهويات والهتافات، وعدم الاتفاق على سردية موحدة جامعة، أم سنكسر الطوق والخوف، ونجرؤ على كتابة عقد اجتماعي جديد جامع، يُزيل عن كاهل السوريين عبئ سنوات الثورة، ومخاوف العقود القادمة؟ خاصة وأن الدولة عقد اجتماعي تشاركي، يقوم على الاعتراف والعدالة والمواطنة، وليس كيان فوقي يُقهر به الناس.

فلسفة جديدة للدولة

نجحت الدولة الأمنية البائدة في تفريغ سوريا من معنى الدولة، ونقلها إلى الدولة الشعاراتية، ثم إلى دولة بلا معنى، فاقدة للأهمية والوجود. وتمكنت من اختراق العقل السوري عبر شعارات الأمة العربية الواحدة، بينما حوّلت سوريا إلى جسر للمشروع الإيراني لحصار الدول العربية عامة، ومحاولة إفشال الخليج خاصة. فهل كان كافٍ إسقاط المستبد؟ أم نحن بحاجة إلى نموذج بديل لدولة عادلة؟ إن الدولة السورية تاريخياً لم تُبنَ على تعاقد أو إرادة شعبية، بل على الغلبة والتوريث والعنف، لذلك فالمطلوب ليس مجرد تغيير رأس السلطة، بل تغيير فلسفة الدولة. أو كما بقول جان جاك روسو أن الدولة العادلة تُبنى على الإرادة العامة، لا على القوة. وما لم تُعبّر الدولة عن الشعب فهي مغتصِبة للسلطة.

وأيضاً تاريخياً، فهناك تجارب عدة نقلت إدارة واعية شعوبها من حالة الفوضى والقتل على الهوية، إلى الاستقرار وثقافة اللاعنف. ففي جنوب افريقيا وبعد انهاء عهد نظام الفصل العنصري، تشكلت هواجس لدى القواعد الاجتماعية بانزلاقها إلى حرب أهلية. لكن نيسلون مانديلا والقيادة السياسية في البلاد فضّلوا طريق المصالحة والمصارحة والاعتراف بالجرائم. وأسسوا لدستور يعترف بالتعدد القومي واللغوي والاثني. حينها فقط صارت رموز الدولة تُمثل الجميع وتحولت ألوان الشعارات إلى جسر للاندماج لا الإقصاء. 

ولعل تجربة البوسنة والهرسك هي الأخرى قريبة من الوضع السوري، فبعد انتهاء الحرب الأهلية باتفاق سياسي (اتفاق دايتون) ورغم هشاشة الاتفاق، فقد تضمّن اعترافاً بالتعددية القومية والدينية، وبحقوق المكونات في تمثيل أنفسها، مما مكّن البلاد من الحفاظ على حدٍّ أدنى من الاستقرار والتحول التدريجي لبناء شكل جديد من التعايش المشترك. أخطر التجارب القريبة هو ما حصل من إبادة جماعية في راوندا، والتي اختارت أن تبني هويتها الوطنية على قاعدة المواطنة، لا العرق. فحظرت التمايزات الإثنية في الخطاب العام، ونجحت في تحقيق عدالة مجتمعية عبر محاكم محلية، تلاها تطوير الهوية الوطنية الجامعة، وتنتهي كل تلك الخطوات إلى مفهوم «المواطن الراوندي» الجديد.

الجامع الوحيد

صحيح أن السياقات تختلف بين تلك التجارب، إلا أنها تتقاطع كلحظة مفصلية، تفرض الاعتراف المتبادل كأساس لأي سلام دائم. ويُمكن تأسيس رموز جديدة تُعبر عن التعددية ولا تُخفيه، والجامع الوحيد حالياً في سوريا هو العلم، علم الثورة الذي تحول إلى علم لكل السوريين، ورفعته كافة المكونات خلال سنوات الثورة.

من الواضح أن قيام سردية وطنية جامعة يتطلب استقراراً حقيقياً يحمي التوافق الثقافي والسياسي بين المكوّنات المختلفة، ويؤسس لعلاقة متوازنة بينها وبين السلطة. غير أن الواقع يكشف غياب اتفاق فعلي على مضمون سياسي وثقافي مشترك. ومن دون هذا التوافق، يبقى الحديث عن «الوحدة الوطنية» مجرد شعار لا أكثر.

العودة إلى الأعلى

باحث في الشأن الكردي والسوري

رأي

محمد خير الوزير

أيّ عدالة نريد؟

في سوريا ما بعد الأسد، يبقى السؤال: أيّ عدالة نريد؟ عدالة تُرمِّم المجتمع وتُعيد الثقة بالدولة، أم عدالةٌ انتقائية تُعيد إنتاج الخوف وتفتح أبواب الثأر؟

03. آذار 2026

منى عبود

ذاكرتنا الثورية ليست موضة رمضانية

في كل موسم رمضان، تعود بعض الأعمال الدرامية إلى نبش الثورة السورية سعياً وراء جذب المشاهدين. وهذا العام، يطلّ مسلسل جديد مستحوذاً على اسم «قيصر» ليُفرغه من معناه. أمّا بالنسبة لمن ذاقوا الاعتقال والتعذيب والاختفاء القسري، فذاكرتنا ليست مادةً للاستهلاك التلفزيوني.

01. آذار 2026

هبة عز الدين

ما سمعته في المسجد

في سوريا ما بعد الديكتاتورية، يثير أحمر الشفاه عاصفةً من الغضب تفوق تلك التي يثيرها الفساد نفسه. همسةٌ عابرة في مسجد كشفت لي بلداً يحاول أن يمسك بزمام مستقبله عبر فرض وصايته على وجوه النساء.

27. شباط 2026

كنان النحاس

بحثاً عن العدالة الانتقالية وتشويه التاريخ

 هل يمكن حقاً لتجربة ألمانيا بعد الحرب أن تشكّل نموذجاً يحتذى به في العدالة الانتقالية في سوريا؟ نظرة أدق تكشف واقعاً أكثر تعقيداً – وأكثر عنفاً – بكثير من الصورة المختزلة في محاكمات نورمبرغ. على سوريا أن تصوغ مسارها الخاص نحو العدالة، مساراً يرتكز إلى سيادة القانون والمساءلة وحقوق الضحايا.

25. شباط 2026

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية