نوروز والأم: حكاية رمزين في سوريا

21. آذار 2026

في 21 آذار، تحتفل سوريا بعيد النوروز وعيد الأم. كان الأول من المحظورات في ظل النظام السابق، فيما حظي الثاني باحتفاء رسمي واسع. وفي دلالة على تغيّر الزمن، انقلبت المعادلة اليوم. 

Newroz pîroz be، أي «نوروز سعيد». هكذا، دون تغليف أو مواربة، تُقال هذه الكلمات في بداية الربيع، في الحادي والعشرين من آذار، حين تُشعل النيران على التلال وترتفع الأغاني من عين العرب/كوباني إلى رأس العين/سري كانييه، احتفاءً بعيد النوروز. في المخيال الكردي يرتبط هذا العيد بحكاية كاوا الحداد الذي أشعل النار إيذاناً بانتهاء الطغيان. ومنذ ذلك الحين تحولت النار إلى رمز يتجاوز الاحتفال نفسه، ويذكّر بفكرة قديمة تقول إن نهاية الاستبداد ممكنة دائماً.

لكن أهمية نوروز بالنسبة للكرد لا تعود فقط إلى هذه الأسطورة. فخلال القرن العشرين، ومع تشكّل الدول القومية في المنطقة، أصبح العيد أحد أبرز الرموز الثقافية التي حافظت من خلالها الجماعات الكردية على هويتها. في تركيا وسوريا والعراق وإيران، حيث عاش الكرد فترات طويلة من إنكار الهوية أو التضييق على التعبير الثقافي، تحوّل نوروز إلى مناسبة تحمل بعداً سياسياً واجتماعياً في آن واحد.

فالاحتفال بنوروز هو الطريقة الأكثر وضوحاً للتعبير عن الانتماء الكردي في المجال العام. الأعياد الجماعية تمتلك قدرة خاصة على ترسيخ الهوية، لأنها تجمع بين الرمز والطقس والمشاركة العامة. وحين يجتمع آلاف الناس حول نار واحدة، ويرتدون الأزياء التقليدية ويغنون الأغاني الكردية، يصبح الاحتفال نفسه إعلاناً عن وجود جماعة لها تاريخ وثقافة مشتركة.

كيف تصنع السلطة رموزها

لكن الحادي والعشرين من آذار هو أيضاً عيد الأم في سوريا. ورغم أن هذا العيد ليس اختراعاً سورياً، فإن نظام الأسد كان شديد المهارة في استثمار المناسبات والرموز لترسيخ حكمه. فكل ما هو قائم يمكن أن يُعاد توظيفه ليصبح جزءاً من هندسة السلطة. وهذه إحدى سمات الأنظمة الشمولية: أنها لا تكتفي بصناعة الرموز الوطنية، بل تعيد أيضاً تأويل الأحداث لخدمة المعنى الذي تسعى إلى ترسيخه، حتى وإن كان الحدث في أصله مأساوياً. فانقلاب حافظ الأسد العسكري أصبح الحركة التصحيحية، وحرب تشرين عام 1973 ، والتي خسرت فيها سوريا الأرض والجند والعتاد، تحولت في الخطاب الرسمي إلى مناسبة بطولية سُمّيت «حرب تشرين التحريرية».

وعلى المنوال نفسه جرى توظيف عيد الأم داخل هذا البناء الرمزي. فالنظام لم يكتفِ بالتضييق الأمني والملاحقة لمنع احتفالات نوروز، لأنه كان يدرك أن المنع وحده لا يكفي. فحين تُمنع النار من الاشتعال علناً تبقى الحكاية حيّة، وربما تثير فضولاً أكبر لمعرفة سبب هذا الخوف من طقس احتفالي. لذلك لجأت السلطة إلى تكتيك آخر: ملء اليوم نفسه برمز مختلف. وكان عيد الأم مناسباً تماماً لهذا الدور، فالأمومة رمز دافئ وأخلاقي واسع القبول، لا يفتح باباً على سؤال قومي ولا يربك السردية الرسمية للسلطة.

ويكفي أن نعود إلى خطابات حافظ الأسد لنفهم كيف جرى استثمار صورة الأم سياسياً. ففي خطابات عيد الأم وخطابات الجيش كان يربط بين الأم والوطن: الأم التي تظهر بوصفها رمزاً للصبر والتضحية، وتتحمل فقدان ابنها لأنها قدمته للوطن، و تنجب المواطنين الصالحين وتربيهم على الطاعة والوفاء للدولة.

وفي هذا الإطار يتضح معنى المواطن الصالح كما صاغته السلطة في تلك المرحلة. فلم يكن المقصود مواطناً متعدد الهويات يعيش داخل مجتمع متنوع، بل فرداً يتماهى بالكامل مع السردية القومية الرسمية. في المدارس كان الأطفال يرددون كل صباح شعار «أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة»، داخل تصوّر يجعل العروبة الإطار الوحيد المقبول لتعريف الهوية الوطنية. وبشكل ضمني كان ذلك يعني أيضاً رفض أي هوية أخرى يمكن أن تظهر في المجال العام، وفي مقدمتها الهوية الكردية التي بقيت لسنوات طويلة خارج الاعتراف الرسمي.

لكن المشهد تغيّر اليوم. بعد سقوط النظام بدأ الكرد يستعيدون مساحة أوسع للتعبير عن هويتهم الثقافية في المجال العام. من يمشي اليوم في ساحة الأمويين في دمشق يلاحظ لافتات كبيرة عُلّقت باكراً تعلن الاحتفال بعيد نوروز، بينما يضطر أن يبحث مطولاً أملاً بالعثور على لوحة واحدة تتحدث عن عيد الأم. هذا الحضور الكثيف لنوروز في قلب العاصمة لا يخلو بدوره من دلالة سياسية. فإبراز هذا الرمز في المجال العام يسمح للسلطة الجديدة بأن تقدّم نفسها بوصفها سلطة مختلفة، أكثر انفتاحاً واعترافاً بالتنوع الثقافي الذي حُرم منه السوريون طويلاً.

من الرمز الخاص إلى الرمز العام

هذا يكشف لنا عن ثنائية الرموز: الرمز العام والرمز الخاص. فنوروز بطبيعته رمز ثقافي وسياسي عام، أما عيد الأم فهو رمز خاص يتحقق داخل البيت، في العلاقة بين الأم وأبنائها. ويبدو أن جميع السلطات المتعاقبة في سوريا تخاف من اللحظة التي يتحول فيها رمز خاص إلى رمز عام لا تستطيع تأطيره أو تطويقه. وهذا يمكن أن يحدث فعلاً، فالأم التي قُدّمت طويلاً كرمز للتضحية والصبر يمكن أن تتحول بسهولة إلى رمز مختلف تماماً: امرأة تبحث عن قبر ابنها وتطالب بعدالة انتقالية كاملة الأركان.

تبدو قضايا الناس في هذه البلاد كأزرار البيانو: زر يرتفع وآخر ينخفض تبعاً لكيفية العزف. اليوم تُرفع راية الهوية الثقافية، وغداً تعود المطالبة بالعدالة. لكن المجتمعات لا تبقى إلى الأبد مفاتيح في آلة يعزف عليها الآخرون. وربما تكمن المعجزة التي ينتظرها كثيرون في أن تتحول هذه الأزرار نفسها إلى آلة كاملة تعزف كل أوتارها معاً، فتخرج موسيقى يسمعها الجميع، بكل هوياتهم وبكل جراحهم أيضاً. موسيقى لا يُخفَّض فيها صوت قضية كي يرتفع صوت قضية أخرى، بل تصنع كلها لحناً واحداً أكثر صدقاً واتساعاً.

العودة إلى الأعلى

مدافعة عن حقوق الإنسان وكاتبة في مجال قضايا النساء

رأي

كنان النحاس

بين لعنة حمص ولعنة الأقصى: قدر نافذ وحذر واجب

جراح حمص لم تندمل بعد، ومع ذلك يبرز إغراء تصفية الحسابات في لبنان؛ غير أن الانخراط في هذا المسار قد يفتح على سوريا أبواب صراع إقليمي أوسع، في لحظة تحتاج فيها إلى التعافي لا المغامرة.

19. آذار 2026

منى عبود

مطابخنا التي حملت الثورة

لسنوات طويلة، خرجت النساء السوريات من مطابخهن بحثاً في السجون ومطالبةً بمعرفة مصير مفقوديهم. واليوم، بعد سقوط النظام، يُطلب من كثيرات منهن العودة إلى المطبخ. لماذا؟

18. آذار 2026

ألكساندر ماكيفر

ما مستقبل حزب الاتحاد الديمقراطي؟

بعد سنواتٍ حرص خلالها حزب الاتحاد الديمقراطي على تقديم سلطته في شمال شرق سوريا بوصفها تجربة حكم متعددة المكوّنات، عاد الحزب اليوم إلى خطابٍ سياسي كردي أكثر صراحة. ويضع هذا التحوّل الحزب في موقع جديد بين دمشق وقاعدته الاجتماعية الكردية، بما يحمله ذلك من تحديات سياسية لا يُستهان بها.

16. آذار 2026

محمد خير الوزير

تسليم، أم ترحيل، أم اختطاف؟

تسعى الحكومة السورية الجديدة إلى ملاحقة جرائم حقبة الأسد عبر آليات القانون الدولي. لكن قضية معارض إماراتي محتجز في دمشق تطرح سؤالاً مقلقاً: هل يمكن أن تتحول أدوات العدالة إلى أدوات للقمع؟

15. آذار 2026

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية