حرب البكالوريا
25. حزيران 2026
تحوّلت البكالوريا في سوريا إلى محنة سنوية للطلاب والأهل، ولمنظومة تعليمية لا تزال محكومة بالحفظ وخيارات مهنية ضيّقة.
أعادت مشاهد العائدين من زحف موقعة البكالوريا، الساهرين على تخوم المستقبل -والتي بثَّت على وسائل التواصل الاجتماعي- ذكريات حرب البكالوريا السنوية؛ وتذمر الطلاب وشكواهم من الأسئلة التعجيزية. ثمة مقطع شهير لطالب يقول: سألونا عن آيات من خارج القرآن (يقصد من خارج المنهاج). شهدنا إغماءات، ودموعاً، ورأينا آباء يعانقون أبناءهم كأنهم عائدون من رحلة ملحمية، وأمهات ينتظرن على ثغور الثكنات الامتحانية لمواساة الجرحى، وشد أزر المحاربين. شاع مقطع لآباء مصريين وهم يضربون مراقبة امتحانات لأنها تشدّدت في منع الغش في الفصل. ثمة دول مثل الصين تستنفر سيارات الإسعاف والمستشفيات بحذاء الامتحانات، فلا بد من البكالوريا والاختبار، الاختبار قطعة عذاب دنيوية من يوم الحساب.
حيواتنا كلها اختبارات
في المملكة المتحدة امتحانات خشنة تشبه البكالوريا السورية اسمها A-levels، تركز على عددٍ أقل من المواد، لكن بعناية أكبر. ألمانيا فيها Abitur ، وهو امتحان مؤهل للجامعة، مع تقييمات مدرسية وامتحانات نهائية، على سنتين. الولايات المتحدة لا يوجد فيها نظام بكالوريا وطني مُوَحّد؛ القبول يعتمد على سجل الطالب الطويل، وليس على ثورة دراسيّة، وأحياناً اختبارات مثل SAT أو ACT.
أما الثانويّة العامّة في فرنسا، فاسمها البكالوريا، وهو اصطلاح عربي اقتبس من جامعات الأندلس يوم كانت عاصمة العلم في العالم، حسب بحث للمستشرق البريطاني «ألفريد غيوم»، والتي أرجع فيها أصل المصطلح إلى العبارة العربية التحقيقيّة: «بحق الرواية».
إن عبور مضيق البكالوريا يشبه عبور الصراط الممدود على حافتي الجحيم، المعلومات تُحفَظ من أجل الامتحان، لمرة واحدة فقط. غالباً ما تتحول أبواب المراكز إلى مهرجانات لإتلاف الكتب والأوراق والملخصات فرحاً بنهاية الحرب. لقد استُبدل اسم وزارة التربية والتعليم في سوريا بوزارة المعارف قبل نصف قرن، لكن الآثار تشهد أنَّ التربية ضعيفة، والمعارف هشّة.
لا تسع الجامعات كل الطلاب، فلا بد من الاصطفاء وفق قانون يشبه قانون دارون في الانتخاب الطبيعي، والبقاء للأحفظ. الحفظ ليس شراً كله، لكن مدارسنا تخلط الغثَّ بالسمين. لقد أحسنت الحكومة السورية الجديدة بحذف كتاب القومية، لكن أمامها عمل كثير. أولّه: تيسير السبل أمام الطالب لاختيار الكلية المناسبة لميوله لا الأنفع لجيبه.
«قفا نضحك»
لا يعني هجاء أساليب التعلم العربية بعد عهود جلاء المستعمر، مديح أساليب الغرب، فنحن ما نزال دولاً تحت الانتداب الثقافي، فالمغلوب يتبع الغالب، وأساليب التعليم الغربية لا تخلو من العوار، إلا أنَّ تطور البلاد الغريبة يدلُّ على أنَّ التعليم فيها أفضل، فحشو المعارف عند طلابهم أقل.
ولا مراء في أنَّ طلابنا يدرسون علوماً لا يحتاجون إليها، فينسونها بسرعة، وأنَّ سلم الترقي في العلم قد صُنع لتجهيل الأجيال في الدول العربية، برفع قيمة مدرسي اللغات الأجنبية، وتحبيب الناس في امتهان الطب والهندسة، وهي مقابر للعقول العربية، فأطباؤنا ومهندسونا أُميّون، لا يعرفون من العلوم الإنسانية إلّا اليسير، ويجهلون على سبيل المثال اسم روبنسون كروزو، ولا يعرفون من أسماء العشرة المبشرين بالجنة سوى أربعة فقط، لكنهم يحفظون نكات مدرسة المشاغبين غيباً، خاصةً منها: «بعد 14 سنة خدمة ثانوي تقول لي أقوم أقف».
كانت تلك المسرحية، إيذاناً بتقويض عرش العلم المنكوب. فمنزلة المسرحية (المقتبسة عن أصل غربي) في التربية هي منزلة «قفا نبكِ» في الشعر العربي، وهي تحضّ من طرف خفي على تأنيث التعليم، وهو تعليم له عيوب كثيرة.
من الاستيعاب الجامعي إلى التصحير الجامعي
بدأ عصر البعث الاشتراكي بالترغيب في العلم، والشعب السوري محبُّ للعلم والتعلم، ومردّ حبه للتعلم إلى أمرين: إمّا لأنه وريث حضارة أوغاريت ورأس شمرا التي اكتشفت فيها الكتابة، أو لثناء المأثورات النبوية على أهل الشام موئلاً للعلم، وكونها أرضاً للمحشر والمنشر.
وقد اتبع حزب البعث سياسة تعليمية هي سياسة الاستيعاب، فحشر آلاف الطلاب في غرف وقاعات لا تسعهم، ووحّد اللباس من غير إعداد للقياسات، حتى اضطر الطالب إلى حمل جاكيت لا يناسب جسمه، مثل سيزيف في الأسطورة اليونانية، ودارت الأيام إلى أن صرح آخر وزير تعليم عالٍ بعثي أنه سيجعل دراسة الجامعة حلماً في سوريا!
تجرُّ خوارزميات اختبارات البكالوريا صوراً من مختلف البلاد؛ الهند، والصين، ونيوزيلندا، التي يُمدَح فيها نظام التعليم كثيراً، فنرى صوراً محزنة لطلاب هنود يمتحنون قاعدين على الأرض لندرة المقاعد، أو يخترعون طرقاً للغش بتسلق الجدران في بعض الولايات، أو يبثّون الأجوبة بمكبرات الصوت.
التعليم الصحيح
إن أهم أسس التعليم هو تأهيل المعلم، وتحسين أجره، وتعلية قدره، واختياره عبر طرق صحيحة، فلا يصلح كل خريج جامعي معلماً. الطعام مهم أثناء التعليم الطويل، واللهو أيضاً. الرياضة مادة أساسية في الغرب، وهي مهملة في البلاد العربية.
ثم تكثير فرص العمل؛ والفرص لا تكثر إلا بوسائل إنتاج جديدة، فالتعليم تابع للاقتصاد في بلاد منهوبة أو منكوبة بالحروب. ثم تصغير الفجوة بين أجور خريجي الكليات، حتى لا تصير كليات التعليم طبقية مثل طبقات الهند: كليات من رأس الإله وأخرى من قدم الإله.
وتوزيع البكالوريا على سنوات الثانوية كما في الغرب، والأهم إطلاق عمر شهادة البكالوريا وصلاحيتها التي لا تجاوز سنة واحدة فقط، على النقيض من بيعة الرئيس الانتخابية التي غالباً ما تكون للأبد.