من يستطيع شراء البرغر في سوريا الجديدة؟
تقييم لمطعم كالي في دمشق
ضمن فريقنا، يتميّز ناقد المطاعم، نديم السفرة (والذي يفضل عدم الكشف عن هويته!) بفهمٍ عميق للناس وذائقةٍ رفيعة في فنون الطهي، ورؤيةٍ نقدية صريحة لكليهما.
قضيتُ يوماً طويلاً أتسكّع مع صديقٍ زائر في أزقة دمشق القديمة المتشعّبة، على خُطى السوريين العائدين لرؤية بلادهم للمرة الأولى منذ سنوات، بعد سقوط نظام الأسد. لا يكاد المرء يرتوي من سحر المدينة القديمة، غير أن قضاء المرء يوماً كاملاً بين حاراتها تحت قيظ تموز كفيل بأن يستنزف طاقته. لذلك، حين اقترح صديقي أن نتناول العشاء في مطعم كالي، وافقتُ من دون تردّد.
كالي من تلك الأماكن التي قد تدفع المرء إلى الابتسام ساخراً: مطعم يستعير اسمه من ولاية كاليفورنيا الأميركية، ويقدّم نفسه بوصفه إيطالياً ويابانياً، فيما تمتد قائمته لتضم طيفاً من الأطباق العالمية المألوفة. وفي مؤخرة شرفته الأنيقة تستقر حافلة فولكس فاجن زرقاء وبيضاء من سبعينيات القرن الماضي، حُوّلت إلى مقهى للماتشا، يقدّم ما لا يقل عن ثمانية أصناف من ذلك الشراب الذي اجتاح العالم، حتى بلغ هذا البلد الذي عاش زمناً في العزلة ومزّقته الحرب.
ومع ذلك، يظل كالي سوريّاً بامتياز. فهو من الأماكن التي تميل إليها كثير من العائلات السورية المنتمية إلى الطبقتين الوسطى والميسورة لقضاء أوقات فراغها، أكثر مما تميل إلى مطعم أقيم في بيت دمشقي قديم، تحيط غرفه بفناء في قلب المدينة العتيقة. أما نحن، وبعد أن أدّينا في ساعات النهار ما يكفي من فروض الوفاء للتراث، فكان مكان مثل كالي هو ما نحتاج إليه تماماً.
أنزَلنا سائق «يلا جو» أمام المطعم. وما إن صعدنا الدرجات الثلاث المؤدية إلى الشرفة، وظهورنا إلى مجمّع السفارة السعودية في الجهة المقابلة من الشارع، حتى ارتفعت رؤوس عشرات الجالسين في تناغم يكاد يكون تاماً. أخضعنا أصحاب تلك الرؤوس لتقييم سريع ودقيق؛ وهي مهارة يتقنها أهل دمشق على نحو لافت. كان في عيونهم فضول شيرلوك هولمز لمعرفة مَن نكون، وفضول آخر لتقصّي من أين أتينا، جغرافياً، ونوع عوائلنا وأقربائنا. وحين اطمأنوا إلى خلاصاتهم الأولية، عاد معظمهم إلى رفاق المائدة، يتمتمون بعبارات ربما ردّدت صدى أسلافهم: لم نعد نعرف أحداً في هذه المدينة.
قادنا نادل مهذّب، يزيّن وجهه شارب أنيق، إلى الطاولة الخارجية الوحيدة التي بقيت شاغرة لشخصين بلا حجز؛ ففي أشهر الصيف تكاد الصالة الداخلية تخلو من روّادها. وبعد أن تبادلنا التحية مع اثنين من معارفنا، استقررنا في مقعدينا، وكان ظهري إلى ركن الماتشا المنصوب داخل سيارة فولكس فاغن. وإلى جوارنا، التفّ أكثر من اثني عشر فتى وفتاة من أبناء العائلات السورية الميسورة حول مائدة عشاء صاخبة، يتنقل حديثهم بخفة بين العربية والإنجليزية؛ وعلى الجانب الآخر من طاولتهم كان يجلس رجل أعمال تركي مع رفيقه على العشاء.
في كالي يكاد كل مساء يقدّم شخصيته اللافتة: وجهاً مثيراً للاهتمام بما يكفي ليجذب العيون، لكنه ليس مألوفاً إلى الحد الذي يذوب معه في المشهد
أما بقية رواد المطعم فكانوا من أثرياء دمشق: أناس لم يغادر بعضهم البلاد قط في سنوات الحرب، وآخرون ظلّوا مقيمين فيها وإن كثرت أسفارهم إلى الخارج. بينهم رجال أعمال يخوضون بثقة في السياسة والاقتصاد، وعائلات تنساب بينها الأحاديث الودودة، ومن حين إلى آخر أجنبي يعمل لدى الأمم المتحدة أو في سفارة ما. وفي كالي يكاد كل مساء يقدّم شخصيته اللافتة: وجهاً مثيراً للاهتمام بما يكفي ليجذب العيون، لكنه ليس مألوفاً إلى الحد الذي يذوب معه في المشهد. في تلك الليلة كان هذا الوجه لعضو عُيّن حديثاً في مجلس الشعب، إحدى أحدث ابتكارات سوريا التي لا تثير مناصبها حسداً في الداخل أو الخارج. لم يتعرّف إليه سوى قلة من الحاضرين؛ فكأن برنامج التعرّف إلى الوجوه لديهم لم يتلقَّ تحديثه الأخير بعد.
عدتُ إلى كالي مرات عدة منذ رجوعي إلى سوريا. افتُتح المطعم عام ٢٠١٩، قبل سقوط الأسد بنحو خمس سنوات. لا أعرف على وجه اليقين من كانوا رواده يومذاك، لكنني أشك في أن المشهد كان بعيداً عمّا أراه اليوم: سوريون بقوا في البلاد ونجوا، على نحو أو آخر، من الفقر المدقع الذي أطبق على معظم السكان؛ وآخرون شيدوا حيواتهم في الخارج، من غير أن تنقطع خيوط عودتهم إلى دمشق، حتى قبل سقوط النظام بسنوات.
ثم جاء وقت الطلب. أحب طعام كالي، لكنني لا أزعم أنه استثنائي. يقول الأمير هال في مسرحية شكسبير «هنري الرابع، الجزء الأول»: «لو كان العام كله عطلة، لأصبح اللهو مملاً كالعمل». وللطعام في سوريا نصيب من هذه الحكمة؛ فحتى موائد المقبلات الشهية، بباردها وساخنها، وما يعقبها من لحوم مشوية ومتبّلة، قد تتشابه مذاقاتها بمرور الأيام حتى يفتر بريقها. ومع ذلك، يظل كالي يقدّم المشروبات الكحولية، رغم وقوعه في حي ذي أغلبية مسلمة، وفي بلد يعبر مرحلة انتقالية دقيقة لا تبدو فيها الحريات الشخصية حقاً مضموناً على الدوام. لا كوكتيلات في القائمة، بل نبيذ وبيرة محلية ولبنانية. أما نحن فطلبنا بعض المقبلات لنتشاركها، ثم طبق شنيتزل وبرغر كأطباق رئيسية. وقد دخّن صديقي الأركيلة.
للأطباق العالمية عندي ميزان يتبدّل بتبدّل المدن؛ فما يدهشني في دمشق قد يمرّ عابراً في نيويورك أو شيكاغو. ومع ذلك، وصل البرغر إلى المائدة في هيئة أنيقة وشهية: قطعة لحم سميكة تتدثّر بجبنة شيدر ذائبة وشرائح من اللحم المقدد المقرمش، يحتضنها خبز بريوش لماع، وتجاورها أصابع البطاطا ومخلل الخيار. كان مذاقه متوازناً، وفي دمشق تحديداً لم أذق، حتى الآن، برغراً يضاهيه. أما الشنيتزل، فجاء في قطعتين كبيرتين من فيليه الدجاج، تكسوهما قشرة ذهبية هشة من فتات الخبز، وإلى جانبهما شرائح بطاطا غليظة، وحفنة جرجير، وحبات طماطم كرزية، وشريحة ليمون تضفي على الطبق لمسة من الضوء. وراق لي أن تختار القائمة اسم «شنيتزل» بدلًا من «اسكالوب»، ذلك المصطلح الفرنسي الشائع في سوريا ولبنان.
مطعم كالي بعيد عن متناول غالبية السوريين، وهو لا يدّعي خلاف ذلك
وبينما كنّا منهمكين في الطعام، نهض رجل الأعمال التركي واتجه نحو طاولات المراهقين. قدّم نفسه بشيء من الاستعراض، ثم سألهم عن الأمكنة التي تسهر فيها دمشق. اقترح أحدهم، وكان ألينهم جانباً، «زد بار» فوق سطح فندق الأمويين. حاول الرجل أن يمدّ خيط الحديث، مرة بعد أخرى، لكنه ظلّ ينقطع سريعاً؛ فعاد أخيراً إلى طاولته.
بعد أن فرغنا من الطعام، لم نطلب الحلوى أو القهوة، وحان وقت تسديد الحساب. بلغت حصة الفرد نحو 35.30 دولاراً، وهو مبلغ لا يُستهان به؛ إذ كان في وسعنا تناول وجبة سورية فاخرة في مطاعم عدة أخرى بسعر أقل. وكما هي الحال في معظم المطاعم السورية، تضمنت الفاتورة الضرائب ورسوماً إضافية مقابل أصناف قد لا يطلبها الزبائن صراحةً، مثل زجاجات المياه. وأضفنا إكرامية بنحو 10%، دفعتها مباشرةً للعاملين في المطعم، بعدما أخبرني عدد منهم أن الإكراميات المضافة إلى الفاتورة لا تُوزَّع دائماً بينهم بعدالة.
من الواضح أن مطعم كالي بعيد عن متناول غالبية السوريين، وهو لا يدّعي خلاف ذلك. فقد صُمم أساساً للعائلات المحلية الميسورة ولغيرها ممن ينسجمون مع أجوائه، كما تخاطب صفحته على إنستغرام جمهورها باللغة الإنجليزية وحدها. ورغم أن نخبة دمشق لا تملك نوادي خاصة بالأعضاء على غرار نظيرتها في حلب، فإنها ما تزال تسعى إلى الاحتفاظ بمعاقل تستعيد فيها شعور الألفة خلال مرحلة انتقالية أخرى، حتى وإن باتت تلك الألفة مرهونة بالقدرة الشرائية.
إذا لم يكن المرء مستعداً لإنفاق مبلغ كبير على تجربة كهذه، فأرى أن الخيار الأفضل هو زيارة مقهى كالي لتناول القهوة صباحاً -إذ يفتح أبوابه نحو الساعة التاسعة والنصف- أو لقضاء فترة بعد الظهر في احتساء القهوة أو شرب عصير طازج، بدلاً من تناول وجبة كاملة. ومع أنه يمكن العثور على طعام أفضل في أماكن أخرى بتكلفة أقل، يظل مقهى كالي مكاناً ممتعاً؛ فقليل من مقاهي دمشق يتيح إطلالة أفضل لمراقبة ما يتغير -والأهم، ما لا يتغير- في سوريا الجديدة.
كالي كافيه، شارع نزار قباني، أبو رمانة، مقابل السفارة السعودية، دمشق.
للحجز:
رقم الهاتف: 4086 335 11 963+ / 138 777 957 963+
إنستغرام: @calicafe.sy