© syriaintransition.com

Cover image
العدالة والحقوق والمجتمع المدني

استمرار حالة المقايضة بين الدولة والمشايخ

أعاد الحكم بالسجن المؤبد على المفتي السابق فتح ملف استقطاب الحكم للدين، فهل يُطوى هذا الملف، أم يبدأ فصل جديد منه؟

حين حُكم على أحمد حسون بالسجن المؤبد، استند القضاة إلى اتهامه بالتحريض على العنف واستغلال منصبه لتحقيق مكاسب شخصية. لكن حسون لم يكن حالة استثنائية؛ بل كان جزءاً من منظومة متشابكة ربطت قطاعات من المؤسسة الدينية السنيّة بنظام الأسد، قبل أن تجد شبكات عديدة منها لاحقاً ملاذاً آمناً لدى حكّام سوريا الجدد.

تُمثّل محاكمة أحمد حسون، المفتي العام السابق، وإدانته أبرز خطوة حتى الآن نحو محاسبة أفراد من المؤسسة الدينية السنيّة في سوريا على أدوارهم خلال عهد الأسد. فبعد تمرّد جماعة الإخوان المسلمين في ثمانينيات القرن الماضي، رسّخ النظام نموذجاً من «الإسلام الرسمي» الخاضع لرقابة مشددة، واستعان بشخصيات دينية مختارة للوصول إلى شرائح اجتماعية استطاع قمعها، لكنه لم يتمكن من اختراقها بالكامل بخطابه البعثي. وفي 24 آب/ أغسطس، أصدرت المحكمة الجنائية الرابعة في دمشق حكماً بالسجن المؤبد على حسون بتهمتي استغلال المنصب والتحريض على العنف. ولم تُنشر سجلات مفصلة للأدلة أو لمرافعات الدفاع. ومع ذلك، يبدو أن أحد أخطر الاتهامات الموجهة إليه لم يُناقش أصلاً؛ إذ سبق لمنظمة العفو الدولية أن أفادت بمشاركته في بيروقراطية القتل داخل سجن صيدنايا، من خلال المصادقة على أحكام الإعدام. وفي بيان لمنصة التحقق من الحقائق «تأكّد» في حزيران/ يونيو، نفت وزارة العدل مزاعم ناشطون تفيد بأن تحقيقات رسمية قد أكدت تلك الاتهامات. وهكذا تبقى أسئلة جوهرية بلا إجابة، ما يعزز المخاوف من أن فتح تحقيق أوسع في مكتب المفتي السابق ومسؤولياته ليس مدرجاً على جدول أعمال القضاء والحكومة.

وقال أكاديمي سوري وممثل سابق لجماعة إسلامية مسلحة لموقع «سوريا المتجددة»: «المفارقة الأكثر إيلاماً تكمن في تفاوت المعاملة؛ إذ يُحكم على حسون بالسجن المؤبد وتُصادر ممتلكاته، بينما لا يزال مئات ممن وقّعوا البيانات نفسها، وألقوا الخطب ذاتها، وباركوا اتفاقيات المصالحة التي أفرغت المدن، وشهدوا زوراً ضد شعبهم، يتحدثون من المنابر نفسها».

من النفوذ الديني إلى المال والسلطة

بحسب مصادر مطّلعة، لا تزال آليات الاستقطاب والمساومة السلطوية قائمة، بما يسمح بتحويل النفوذ الديني إلى أموال وأشكال أخرى من السلطة. وتتقدم الأوقاف الدينية هذه البوابات، بما تضمه من عقارات وإيرادات ومناصب وتعيينات إدارية، فضلاً عن عقود الترميم وإعادة الإعمار. ففي بلد دُمِّر فيه نحو نصف المساجد، تلوح فرص واسعة للثراء. أما البوابة الثانية، والأقل وضوحاً، فتتمثل في العمل الخيري والإغاثي، عبر شيوخ يتحكمون في الميزانيات والتوظيف والوصول إلى المانحين الأجانب. وتتمثل الثالثة في التعليم الديني، من المعاهد المحلية إلى البعثات الدراسية والاعتمادات الأجنبية. أما الرابعة، والأشد حساسية، فهي الوساطة؛ إذ يضطلع الشيوخ بدور الوسطاء في النزاعات المحلية والعقارية وغيرها من التسويات، مستفيدين من علاقاتهم المباشرة بالأجهزة الأمنية.

ويصعب تتبع استمرارية هذا النهج السلطوي، ولا سيما أن المشهد الديني اليوم أكثر تشتتاً وأشد اعتماداً على التمويل الأجنبي من النموذج المركزي الهرمي الذي أرساه أحمد كفتارو، سلف حسون. فقد دخلت الإمارات العربية المتحدة، مثلاً، المجال الديني من خلال التعاون مع المفتي الجديد أسامة الرفاعي تحت شعار «الفتاوى المعتدلة»، وتمويل ترميم المسجد الأموي ومدارس دينية تاريخية. وفي سابقة نادرة، زار وزير الأوقاف السوري محمد أبو الخير شكري -الذي كان أحمد الشرع يحضر خُطَبه في مطلع شبابه- الإمارات، حيث استقبله رئيس الدولة. وإلى جانب ذلك، تؤدي الشبكات التركية وجاليات الشتات السوري في أوروبا والولايات المتحدة أدواراً مؤثرة.

تطهير رمزي

لم تشمل الإقالات الإدارية حتى الآن سوى عدد محدود من الأفراد، بينهم محمود عكام، مفتي حلب السابق، وعبد الله محمد أديب حسون، شقيق المفتي العام السابق. كما أُعيد تشكيل مجالس الأمناء والإدارة في مجمع الشيخ أحمد كفتارو، وأُبعد أفراد من عائلة فرفور عن مجمع الفتح الإسلامي. ومع ذلك، تواصل الغالبية العظمى من شيوخ المؤسسة الدينية القديمة نشاطها؛ بل إن بعضهم، مثل الشيخ نعيم عرقسوسي وعبد الفتاح البزم، انتقل إلى مواقع مؤثرة داخل مؤسسات الدولة الجديدة.

وقال مصدر مُطّلع من داخل المؤسسة الدينية لموقع «سوريا المتجددة»: «نشهد عملية تطهير رمزية تستهدف قلة بوصفهم أكباش فداء. ولا صلة لها بالعدالة؛ بل قد تفضي إلى شعور بالإفلات من العقاب أعمق مما كان عليه الحال سابقاً».

تركزت النقاشات العامة والتغطية الإعلامية حتى الآن على بعض الصفقات التي عقدتها الحكومة مع أفراد من النخبة التجارية التي ازدهرت في عهد الأسد، وكان كثير منهم وثيق الصلة بالمؤسسة الدينية. ولا يعود ذلك إلى أن التجارة أقل حساسية من الدين فحسب، بل أيضاً إلى أن الصفقات مع المشايخ تتعلق بنوع مختلف من رأس المال. فالمال حاضر دائماً، لكن رأس مال الشيخ رمزي في جوهره: منبره، ودائرة طلابه، وجمعياته الخيرية، ومكانته العامة. ومثل هذه التسويات لا تترك عادةً وثائق مكتوبة. وقد تكون المقايضة بين الولاء والإفلات من العقاب صريحة، عبر خطب تدعو إلى الاستقرار أو فتاوى تحث على طاعة الحاكم، وقد تتخذ أيضاً صورة الصمت عن تجاوزات السلطات.

الانقسامات في المؤسسة الدينية

وقال متحدث من الأوساط الدينية السنية لموقع «سوريا المتجددة»: «بعد فرار الأسد، انصبّ اهتمام هيئة تحرير الشام على التوصل إلى تسويات مع السلطات الدينية التي عارضته، بدلاً من التواصل مع المقربين من نظامه، في مسعى إلى ترسيخ سيطرتها على المجال الديني». واللافت أن خطوط الانقسام ليست عقائدية في المقام الأول. فعلى الرغم من التاريخ الطويل للخلافات الجوهرية بين الصوفية والسلفية، تبدو هذه الخلافات مستقرة نسبياً. أما الصراع الراهن فيدور حول السيطرة على المنابر والأوقاف والمناهج وإصدار الفتاوى والتعليم الديني والمنح والوصول إلى التمويل الأجنبي؛ أي حول الموارد والمؤسسات التي تشكل، مجتمعةً، القدرة على تمثيل سنّة سوريا. وقد يُستدعى الخطاب العقائدي لتأطير هذه الصراعات وحشد الجمهور حولها.

وأضاف الأكاديمي السوري والممثل السابق لجماعة إسلامية: «في نهاية المطاف، يدور الانقسام حول الشرعية. فالخط الفاصل الحقيقي داخل المؤسسة الدينية هو بين من بقوا في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام وأدّوا أدوارهم الدينية تحت سلطة الأسد، وبين من انتقلوا إلى مناطق المعارضة أو إلى المنفى. لذلك قد يجد صوفي منتمٍ إلى المجلس الإسلامي السوري المناهض للأسد نفسه أقرب إلى سلفي من الشمال منه إلى صوفي دمشقي عمل في ظل حكم الأسد».

يتجلى غياب المساءلة المؤسسية في السلوك العلني لرجال الدين الذين عملوا في عهد الأسد. ففي عام 2025، ورداً على نقاش محدود بشأن تورط شيوخ صوفيين في حكم النظام، حثّ الشيخ عبد العزيز الخطيب، وهو من الموالين السابقين للنظام، وزارة الأوقاف على اتخاذ إجراءات ضد ما وصفه بتشويه سمعة التصوف. ولدى قطاعات واسعة من المجتمع، يُفهم نقد الشيخ بوصفه نقداً للدين نفسه؛ وهو ما تدركه السلطات الدينية جيداً.

ومن منظور حكومة دمشق، وكما في ملف العدالة الانتقالية عموماً، لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت هناك إرادة لمحاسبة أعمق. وقد يُعزى بعض التردد إلى انشغال بلد منهك بالإصلاحات الأولية اللازمة للحفاظ على تماسكه. لكن ثمة أيضاً دوافع سياسية لإبقاء هذا العمل الدقيق مُعلّقاً. فقد أنشأ نظام الأسد هياكل حوّلت أجزاء من المؤسسة الدينية إلى أدوات للحكم؛ فلماذا تُفكك هياكل يمكن توظيفها في بناء نظام جديد؟ فضلاً عن ذلك، كان كثير ممن يُفترض أن يقودوا عملية البحث عن الحقيقة والإصلاح جزءاً من المؤسسة الدينية القديمة.

مدخل إلى الإصلاح أم إقفال للملف؟

مع ذلك، حدث تحول لا يمكن تجاهله. فالنقاش حول المسؤوليات السياسية للمؤسسة الدينية، الذي كان محصوراً سابقاً في وسائل التواصل الاجتماعي، اكتسب الآن بُعداً قانونياً. لقد نقلت محاكمة أحمد حسون القضية من دائرة اللوم الأخلاقي إلى نطاق المسؤولية القانونية، وذُكر مكتب المفتي العام نفسه بوصفه مؤسسة خدمت نظام الأسد. ويبقى السؤال: هل تُمثّل المحاكمة بداية بحث مؤسسي عن الحقيقة، أم ستقتصر على إرغام عدد من الشخصيات البارزة على الدفاع عن نظام لم يخضع بعد لمساءلة كافية؟

تقدم التجارب الدولية بعض الإضاءة. فمراجعة الكنائس المسيحية في ألمانيا لأدوارها في ظل النازية تبين أن المراجعة الذاتية المؤسسية المنهجية قد تحتاج إلى عقود حتى تتبلور. غير أن سوريا ليست مضطرة إلى سلوك مسار التهرب نفسه؛ إذ يمكنها الاستفادة من الأصوات الإصلاحية داخل مجالها الديني لتشجيع نقاش مفتوح، لم يكن متاحاً آنذاك داخل الكنائس الألمانية ذات البنية الهرمية.

ومع مرور الوقت، قد تكتسب فكرة إنشاء لجنة لتقصي الحقائق في الشؤون الدينية زخماً. ويمكن لهذه اللجنة إنشاء سجل وأرشيف، وجمع الشهادات، وتوثيق آليات التعاون والاستمالة والتبعية، بما يوفّر ضمانة ضد تكرارها. وعندئذ قد يتخذ الإصلاح المؤسسي أشكالاً عدة. فمن الممكن، مثلاً، فصل منصب المفتي العام عن السلطة التنفيذية، باشتراط انتخابه من هيئة من نظرائه بدلاً من تعيينه بمرسوم رئاسي. وكان إنشاء المجلس الأعلى للإفتاء، المؤلف من 14 عضواً والمعلن بقرار رئاسي في آذار/مارس 2025، يهدف إلى إضفاء طابع جماعي على إصدار الفتاوى، مع مراعاة التوازن بين السلفيين والصوفيين. ويمكن أن يشكّل المجلس نظيراً سنياً لمجمع الكرادلة الناخبين في الكنيسة الكاثوليكية. وثمة خيار آخر يتمثل في إلغاء منصب المفتي بوصفه هيئة سيادية للدولة؛ فالدولة التي يحكمها قانون مدني قد لا تحتاج إلى فتاوى رسمية.

ويمكن لوزارة الأوقاف أن تتخلى عن التوجيه العقائدي، وأن تركّز على إدارة الممتلكات والخدمات. وقد أيّد عدد من الخبراء الذين تحدثت إليهم «سوريا المتجددة» تحويل الوزارة إلى هيئة مستقلة يرأسها خبير تقني غير ديني. والحجة بسيطة: إذا كانت المهمة الأساسية للوزارة تأمين الإيرادات اللازمة لصيانة المدارس والمساجد، فلا ينبغي أن تُترك في يد رجل دين قد يفضّل شبكاته أو جماعته العقائدية. كما يمكن إلغاء الخطب الموحدة وصيغ الولاء الديني التي أسهمت في تشويه صورة رجال الدين السنة، بما يفسح المجال أمام تعددية دينية أوسع، مع الحفاظ على حدود معقولة تمنع التحريض. غير أن رسم هذه الحدود يحتاج إلى حساسية عالية؛ لأنه جزء من السؤال الأوسع الذي تواجهه سوريا اليوم: أين تنتهي حرية التعبير، وأين يبدأ التحريض؟

ويرى بعضهم أن فصل المؤسسة الدينية عن الدولة ضرورة لحماية الدين نفسه. فنجاح سوريا الجديدة لا يُقاس بقدرتها على إنتاج شيوخ مطيعين؛ فهذا أسهل ما يمكن فعله، وقد أتقنته الحكومات السابقة. بل يُقاس بقدرتها على تقبّل شيخ يقول لها: «لا».

العودة إلى الأعلى

العدالة والحقوق والمجتمع المدني

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية