خارطة طريق نحو ماذا؟
الاتحاد الأوروبي يُعيد تشكيل علاقته بالمجتمع المدني السوري
تُعدّ خارطة الطريق الجديدة للاتحاد الأوروبي لإشراك المجتمع المدني تحوّلاً في كيفية تعامل بروكسل مع المجتمع المدني السوري: من النظر إليه كحركة اجتماعية وقوة سياسية تشكّل بناء الدولة؛ إلى تأطيره كفاعل استقرار محلي يعمل كحلقة وصل بين المجتمعات وسلطات الدولة.
لطالما اتسم تعامل الاتحاد الأوروبي مع المجتمع المدني السوري بالغموض. فخلال الحرب، صوّر الاتحاد الأوروبي المجتمع المدني باعتباره الركيزة الأساسية للحياة العامة السورية، والذي يحتاج إلى الدعم ويستحقه لكي يتمكن من البقاء والازدهار رغم الدمار الذي ألحقه نظام الأسد. وفي الوقت نفسه، استمر الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء في الاعتراف بالأسد ممثلاً للدولة السورية، مانحين بذلك نظامه الاعتراف السياسي والمكانة التي كان بأمسّ الحاجة إليها.
تُخالف خارطة الطريق المُحدَّثة العلاقة الخاصة التي تربط الاتحاد الأوروبي بالمجتمع المدني السوري باعتباره قوةً مناهضة لشرعية الحكومة. وبما أن بروكسل تُقيم الآن علاقات ودية مع حكومة الرئيس أحمد الشرع، فإن الأنشطة الأوروبية في سوريا ستُصاغ على أنها «تكميلية» بحتة، في إشارة إلى سيادة الدولة كشرطٍ أساسي في رؤيتها. والهدف المعلن لخارطة الطريق هو تقديم توصيات عملية للاتحاد الأوروبي والجهات المانحة الأخرى والمجتمع المدني السوري حول كيفية تعزيز فعالية الأخير وكيفية توجيه الدعم الخارجي بشكل أفضل لتحقيق هذا الهدف.
تقليص الطموحات
في تحليلها السياقي، تشير خارطة الطريق الجديدة إلى أن منظمات المجتمع المدني السورية غالباً ما تقتصر أنشطتها على تقديم الخدمات، ولا تملك سوى فرص ضئيلة للتأثير في السياسات أو تمثيل أولويات المجتمع. وعليه، تؤكد الخارطة على أن «الاعتراف بمنظمات المجتمع المدني كجهات فاعلة في الحوكمة أمر بالغ الأهمية لعمليات صنع قرار أكثر شمولاً واستجابة». يبدو هذا نبأً ساراً لمنظمات المجتمع المدني المتحالفة مع الاتحاد الأوروبي، ولبرامج التوطين التي يدعمها المانحون والأمم المتحدة، والتي يُوجَّه من خلالها جزء كبير من دعم الاتحاد الأوروبي. كما يبدو متسقاً مع المفاهيم الأوروبية الحالية بشأن المجتمع المدني، والتي تصفه بأنه يُسهم في بناء «ديمقراطيات أكثر انفتاحاً وعمقاً»، والتي تشترط على المنظمات المدعومة الالتزام بالحرية والمساواة في الحقوق.
حددت خارطة الطريق لعام 2023 «الديمقراطية التداولية» كأولوية رئيسية، واصفة المجتمع المدني بأنه قوة هدفها هو «الدفع نحو الدمقرطة»، و«الترويج لأجندة السلام والعدالة»، والعمل التنظيمي «عبر الانقسامات السياسية» من أجل أن يصبحوا فاعلين اجتماعيين وسياسيين جماعيين. لكن هذا لم يعد موجوداً.
أما خارطة الطريق الجديدة فهي تُطبِّق فهماً أضيق بكثير لمفهوم «الجهة الفاعلة في الحوكمة»، مُختزلةً دور المجتمع المدني إلى حد كبير في العمل كحلقة وصل بين المستويات المحلية والمؤسسية. مع ذلك، يفتقر فهم الحوكمة وصنع القرار في الوثيقة إلى الاتساق. إذ أنها تتحدث عن «صنع القرار المشترك»، ما يُوحي بدرجة من السلطة المشتركة على السياسات أو البرامج. في المقابل، يصف قسم «المخرجات» مفهوماً أضعف بكثير، وهو وصول مدخلات المجتمع إلى صانعي القرار. وتترك خارطة الطريق الباب مفتوحاً لتحديد ما إذا كان «صنع القرار المشترك» يشمل شبكات منظمات المجتمع المدني، أو المجالس المحلية، أو البلديات، أو الوزارات، أو الجهات المانحة، أو جميعها.
ومع ذلك، فإن الخلاصة واضحة. لقد تراجعت رؤية الاتحاد الأوروبي السابقة للمجتمع المدني السوري باعتباره حركة اجتماعية وفاعلاً أساسياً في بناء الدولة، لصالح رؤية أخرى تقوم على الاستقرار المحلي والتشاور، والتي ستضع «الأساس لإصلاح ديمقراطي مستقبلي».
الاستجابات التقنيّة للقيود السياسية
تُبرِز خارطة الطريق دور منظمات المجتمع المدني كوسيط بين سلطات الدولة والمجتمعات المحلية، باعتبارها نقطة قوة أساسية للمجتمع المدني السوري. وتصف هذه المنظمات بأنها «نشطة، وقادرة على التكيف، وذات شرعية محلية». إلا أن البيانات النوعية والكميّة التي جُمعت للخارطة لا تدعم هذا الادعاء إلا جزئياً. فقد قيّم 18% فقط من أفراد المجتمع استجابة منظمات المجتمع المدني بأنها قوية، بينما وصفها 43% بأنها ضعيفة. وقال 39% فقط إنهم شعروا بأن أصواتهم تُنقل - تُنقل فقط، وليس بالضرورة تُؤخذ بعين الاعتبار - في عمليات صنع القرار (دون أي وضوح بشأن هوية صانعي القرار). ووصف المشاركون آليات التغذية الراجعة لمنظمات المجتمع المدني بأنها «مجرد كلام فارغ». وأشار أفراد المجتمع والمنظمات غير الحكومية الدولية التي شملها الاستطلاع إلى «مشاركات شكلية في منتديات الحوار»، وتفضيل الظهور الإعلامي، وتهميش النساء والشباب، مما يفضي لتصور أوسع بأن منظمات المجتمع المدني ليست «مساحات موثوقة لصنع القرار المشترك». وفي الوقت نفسه، يُعتَقد أن السلطات لا تتفاعل حقيقة مع المنظمات، وإنما تفعل ذلك من أجل المظاهر فقط.
يبدو أن الشرعية المحلية التي تمنحها خارطة الطريق للمجتمع المدني تُستمدّ أساساً من دوره في تقديم الخدمات. وهذا يتناقض مع التصوّر الذاتي لقادة منظمات المجتمع المدني الذين شملهم الاستطلاع، والذين يصفون منظماتهم بأنها أدوات للتمثيل والفاعلية المدنية والتعبير الجماعي. وبالتالي، تشير البيانات إلى فجوة كبيرة بين فهم منظمات المجتمع المدني لدورها من جهة، وكيفية نظر المجتمعات التي تدّعي تمثيلها إليها من جهة أخرى. في الواقع، لا يرى المُستطلَع آرائهم بالضرورة منظمات المجتمع المدني كأدوات لتحقيق «الحوكمة الشفافة والخاضعة للمساءلة» والتمكين المدني، اللذين تؤكّد عليهما تعريفات الاتحاد الأوروبي للمجتمع المدني. بل على العكس، تنقل خارطة الطريق عن المشاركين في المقابلات وصفهم للعمل المدني بأنه مقبول فقط طالما أنه لا يتجاوز حدوداً معينة تتعلق بالحقوق والمساءلة والمشاركة السياسية. كما تشير إلى «شعور متفشٍ بالخوف والرقابة الذاتية».
بالنظر إلى ما تشير إليه النتائج من وجود قيود سياسية جوهرية على العمل المدني، من المُستَغرب أن تستنتج خارطة الطريق أن «التحدي الأساسي لا يكمن في غياب العمل المدني، بل في هشاشة الأنظمة اللازمة لدعمه، والتي تتشكّل بفعل التفتّت، والمنافسة التي يقودها المانحون، وضعف الاستدامة على المدى الطويل». وتلاحظ خارطة الطريق، بحق، أن المشكلات التي تواجه المجتمع المدني السوري «تكمن في الأنظمة لا في التقنيات». ومع ذلك، تظل توصياتها ذات طبيعة تقنيّة، وتتماشى مع أبعاد ذات صلة بأجندات التوطين المحلي: تحسين آليات التمويل، وتعزيز آليات التنسيق، وزيادة المشاركة المحليّة في تصميم البرامج وتنفيذها. قد تكون هذه التدابير مفيدة، لكنها لا تُسهم إلا قليلاً في معالجة ظروف الأنظمة السياسية التي تصفها خارطة الطريق نفسها باعتبارها تُقيد فاعلية العمل المدني.
لا تزال المنظمات المدنية تعمل بدون إطار قانوني واضح يحدّد حقوقها وواجباتها، ضمن نظام سياسي يفتقر إلى الشرعية الديمقراطية، ودون وضوح لمساره المستقبلي، وتعاني فيه العديد من المنظمات من التهميش والخوف والرقابة الذاتية. إذا نجحت حكومة الشرع في تحقيق انتقال سلمي يوفر الحرية والحقوق، فقد يثبت التوافق الواسع بين الحكومة ومنظومة المجتمع المدني المدعومة من الاتحاد الأوروبي، والتي ترتبط بها خارطة الطريق، جدواه. أما إذا اتجهت سوريا نحو مزيد من الاستبداد، وهو ما لا يتوافق مع تطلعات شريحة كبيرة من منظمات المجتمع المدني، ولا مع التزامات ومعايير الاتحاد الأوروبي، فسيعود المجتمع المدني ليصبح خصماً للدولة. ولا تأخذ خارطة الطريق هذا الاحتمال في الحسبان.
سياسات المجتمع المدني
من بين أوجه القصور الأخرى في خارطة الطريق، تناولها الشكلي لمفهوم المجتمع المدني السوري، من حيث هويته ومضمونه. إذ تستند هذه الدراسة إلى شبكات مرتبطة بمنظمة «Search for Common Ground»، إحدى المنظمات التي كُلِّفت بإعداد خارطة الطريق. لذا، من المنطقي افتراض أن المنظمات التي شملها الاستطلاع تنتمي عموماً إلى شريحة المجتمع المدني السوري ذات الصلات الدولية. وهذا ما يُبقي موقف المنظمات التي لا تُعرّف نفسها بمصطلحات ليبرالية، ولكنها مع ذلك تُمثل شرائح اجتماعية مهمة، غير واضح. فقد تتّخذ بعض هذه المنظمات مواقف تتعارض مع توجهات الاتحاد الأوروبي ومعايير التمويل، لكنها تبقى جزءاً من المشهد المدني السوري. وهذا أمر بالغ الأهمية، لأن دعم المانحين ليس محايداً سياسياً أبداً. إذ يتعين على المانحين تحديد الجهات التي تتلقى التمويل وتلك التي لا تتلقى، مما يؤثر على موازين القوى المحلية. وتتطلب مثل هذه القرارات أهدافاً سياسية مُحددة، وهو ما تفتقر إليه خارطة الطريق.
تتجاهل خارطة الطريق أيضاً مسألة حساسة وبالغة الأهمية، وهي السلطة. فدراسة متعمقة للمنظمات السورية التي تُسيطر على تدفقات كبيرة من المساعدات والإعانات ستُظهر مدى تجذّرها في أهم هياكل التنظيم الاجتماعي في البلاد: الأسر والعشائر والقبائل. وبدلاً من النظر إلى منظمات المجتمع المدني من منظور التعبئة الشعبية المثالية، ينبغي أن يُقرّ التحليل أيضاً بأنها أدوات اقتصادية وسياسية تعمل ضمن هذه الأنظمة الاجتماعية الأوسع. وهذا من شأنه أن يُساعد في تفسير العديد من الظواهر التي تم تحديدها في مواضع أخرى من خارطة الطريق: احتكار السلطة، والفساد، واختلال موازين القوى الداخلية، والفجوة بين نظرة المجتمعات المحلية وقادة منظمات المجتمع المدني لهذه المنظمات. ولعلّ قسم التوصيات يُشير إلى فهمٍ ما لهذه المسألة عندما يقول إنه يجب معالجة «اختلالات موازين القوى داخل الشبكات»، وأن قاعدة الأدلة «غير كافية لفهم الديناميكيات المعقدة فهماً كاملاً»، بما في ذلك علاقات السلطة، بالإضافة إلى الشرعية المُتخيّلة. ومع ذلك، يُثير هذا التساؤل حول إمكانية تقديم خارطة طريق ذات مغزى دون هذه المعلومات الجوهرية.
وجهة غير واضحة
تعتمد خطة الطريق في رؤيتها البعيدة إلى أن سوريا تتجه نحو نظام سياسي ليبرالي تعددي، وأن دور المجتمع المدني هو دعم هذا المسار. قد يكون هذا الإطار، وتجنب الخطة لمسائل السلطة، جزءاً من لعبة ضمان الوصول والعمل في سوريا اليوم؛ لكن تاريخ التواصل الخارجي يجب أن يكون بمثابة تحذير. فقد تم تهميش القضايا السياسية الجوهرية للحرية والحقوق والكرامة بشكل منهجي بمجرد أن أصبحت أصوات دعاة التنمية هي المهيمنة. مع وضع ذلك في الاعتبار، فإن تحديد الخطة للانتعاش الاقتصادي كنقطة انطلاق رئيسية لمشاركة المجتمع المدني يثير مخاوف مألوفة. فهو يضاعف من دور منظمات المجتمع المدني في تقديم الخدمات، وتشير التجارب السابقة إلى أنه بمجرد بدء تدفق التمويل، يجري تجميد القضايا السياسية الأكثر تعقيداً. ومما يثير القلق أن الخطة لا تحدد تخفيف القيود السياسية المفروضة على المجتمع المدني كهدف استراتيجي مركزي، على الرغم من توثيقها بين صفحاتها للعديد من هذه القيود.
قامت علاقة الاتحاد الأوروبي السابقة مع المجتمع المدني السوري على أساس معياري سياسي واضح. فقد جمعت بين دور منظمات المجتمع المدني في تقديم المساعدات المنقذة للحياة والعمل كجهات فاعلة في تحقيق الاستقرار، ودورها السياسي في تعزيز حقوق الإنسان والتغيير الديمقراطي، على المستويين المحلي والوطني. أما خارطة الطريق الجديدة، فإنها تتراجع عن تلك الرؤية الطموحة، وربما غير الواقعية، دون أن تقدم بديلاً متماسكاً. ويبدو أن وجهتها الضمنية أبسط وأكثر تواضعاً: تحقيق الاستقرار اليوم، وربما الديمقراطية غداً. ويبقى السؤال مطروحاً حول ما إذا كان هذان الهدفان سيعززان بعضهما البعض في نهاية المطاف.