حكمة تدمرية
كيف حولّت إحدى المدن الغضب من شبيحة الأسد إلى تجربة محلية في العدالة الانتقالية
في الخامس عشر من يونيو، خرجت مدينة تدمر، المعروفة بتاريخها العريق، إلى الشوارع. طالب السكان العائدون إلى أحيائهم التي مزقتها الحرب بمحاسبة من يسمونهم بــ «الشبيحة»، وتحقيق قدر من العدالة بعد سنوات من النزوح والفقر. وكان هتاف المحتجين واضحاً: «تدمر حرة حرة، والشبيحة تطلع برا».
قبل عشر سنوات، وخلال المعارك الضارية بين جيش النظام السوري وتنظيم داعش بين عامي 2014 و2016، فرّ معظم سكان المدينة، وتوجه بعضهم إلى الشمال الخاضع لسيطرة المعارضة، ومن هناك إلى تركيا؛ بينما استقر آخرون، ممن لم يحالفهم الحظ، في مخيم الركبان الصحراوي البائس. وعند عودتهم بأعداد كبيرة بعد سقوط الأسد، وجد هؤلاء اللاجئون منازلهم ومتاجرهم منهوبة أو مدمّرة، أو محتلة من قبل آخرين.
إلا أن هناك فئة صغيرة لم تهرب من تدمر، أغلبها من الميسورين. وهؤلاء هم من تعاونوا مع جهاز أمن النظام السابق، وتجسّسوا على أبناء تدمر لكسب النفوذ. جمع بعضهم ثروات طائلة بدفع الرشاوى لمسؤولي الأمن للسماح لهم باستغلال أراضي وممتلكات اللاجئين الغائبين، والذين ظنوا أنهم لن يعودوا أبداً.
مدينة تحترق
كان لدى العائدين أسباب وجيهة وكثيرة للسخط على الأوضاع الراهنة، لكن الإفلات الظاهر من العقاب الذي يتمتع به الشبيحة كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير. وتفاقم الإحباط بسبب روايات انتشرت في المدينة تفيد بأن متعاونين أثرياء مع النظام السابق دفعوا «غرامات» لرؤساء الأمن الجدد، ولشهور، لتجنب السجن. بالنسبة للعديد من العائدين، بدا أن أولئك الذين استفادوا في ظل النظام القديم بات بإمكانهم شراء طريقهم للأمان مرة أخرى، بينما يضطر أولئك الذين نزحوا ثم عادوا إلى البدء من الصفر، والاعتماد على أنفسهم فقط.
في 14 يونيو/حزيران، اندلعت احتجاجات وأعمال عنف مناهضة للشبيحة في محافظات إدلب وحلب ودمشق. وبينما كثرت التكهنات حول الجهة التي نسقت الاحتجاجات المتزامنة والغاية منها، نظم العائدون إلى تدمر في اليوم التالي احتجاجاً مماثلاً. وكان الهدف، بحسب أحد المشاركين، «إسماع صوت الشارع الثوري». أما المطلب الفعلي، الذي رُدد ونوقش علناً، فكان عقاباً عشائرياً: نفي عائلات الشبيحة من المدينة.
مع اقتراب الحشد السائر من منزل إحدى هذه العائلات، وهي عائلة الفريح، تصاعدت الأمور إلى العنف. تحولت الإهانات إلى رشق بالحجارة، ثم إلى تبادل لإطلاق النار. أُلقي القبض لاحقاً على اثنين من أفراد عائلة الفريح وصودرت بنادقهما. واعتُبر تجرؤ عائلة موالية للأسد على إطلاق النار على العائدين وتحدي مطالبهم المشروعة بالعدالة، عملاً استفزازياً خطيراً. قال أحد العائدين: «كان الاحتجاج ضرورياً. لقد تجاوز الشبيحة حدودهم وكان علينا أن نرصهم».
كما حضر المظاهرة عناصر لا تُعنى بالعدالة. فالمُكَوِّعون، أو المُتراجعون عن مواقفهم، يستغلون مثل هذه الأحداث عادةً لتبييض صفحتهم التي شابها دعمهم السابق للنظام القديم من خلال إظهار ولاء مُبالغ فيه للنظام الجديد. وبحسب روايات محلية ومراقبين، كان هناك آخرون من عناصر تنظيم الدولة الإسلامية رأوا في أيّ اضطراب فرصةً لإحراج السلطات الجديدة.
اتسعت رقعة الاحتجاجات: فأُضرمت النيران في متجر للأدوات المنزلية تابع لعائلة الفريح. وتعرضت للهجوم استراحة تابعة لشريك تجاري لرئيس فرع أمني في عهد الأسد. كما أُحرقت سيارة تابعة لشخص آخر من المشيرفة. وكافحت قوات الأمن لاحتواء الحشود، التي لم تعد تضمّ في ذلك الوقت محاربين قدامى وعائدين في منتصف العمر، بل أغلبها من الشباب الذين لم يبلغوا من العمر ما يكفي ليشهدوا الثورة مباشرة، وليس لديهم أي سجل في النشاط المناهض للأسد. وامتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بالادعاءات والادعاءات المضادة والتهديدات. وفي إحدى المرات، استخدمت عشيرة البوسراي في دير الزور موقع فيسبوك للتهديد بالزحف على المدينة بمئات السيارات في حال إحراق متجر في المدينة يملك أحد أفرادها نصفه.
مخالفة القانون
لقد أثبتت تدمر بالفعل قدرتها على تحقيق أمر نادر، الا وهو توافق محلي حقيقي. وفي الواقع، كانت هي الدائرة الانتخابية الوحيدة في البلاد التي اتفق فيها جميع أعضاء الهيئة الانتخابية بالإجماع على انتخاب مرشح واحد لتمثيل المدينة في مجلس الشعب: محمود مادون الأسعد. لا شك أن كونه محامياً مرموقاً من عائلة مثقفة ساعده في ذلك؛ ولكن ما ساعده حقاً هو الدعم من قبل صوت فاعل ومؤثر في المجتمع المدني، وربما كان الأكثر تأثيراً، ألا وهو صوت «الوجهاء»، أو «الأعيان»، وهؤلاء كبار القوم من أعمام وأجداد، وهم حُماة العادات والتقاليد المحلية.
ما حدث ليلة 15 يونيو/حزيران هدد بانتهاك عرفٍ هام: وهو عدم السعي للانتقام أو التعويض مباشرةً من الشخص المسؤول عن الجريمة. إذ جرت العادة على التوجه إلى شيوخ العشيرة أو العائلة، وعرض القضية عليهم، فيستدعون المتهم إما للدفاع عنه ضد التهم الموجهة إليه، أو - وهو الأكثر شيوعاً - للتوسط في تسوية تُجنّبه الأذى الجسدي. ولأن الشكوى المتعلقة بالربح غير المشروع وغيره من الأنشطة المشبوهة خلال الحرب لم تُرفع رسمياً إلى سلطات العشيرة المختصة، فإن أولئك الذين هاجموا واعتدوا على ممتلكات الشبيحة المزعومة ليلة 15 يونيو/حزيران قد خالفوا العرف ولم يتّبعوا الإجراءات الواجبة. بدا أن حرباً عشائرية باتت وشيكة، وأن هناك بوادر فوضى قد تُستغَل من قبل جهات ماكرة مثل تنظيم الدولة.
في 18 يونيو، عقد الوجهاء اجتماعاً عاجلاً في متحف تدمر مع السلطات الأمنية الرئيسية، وهم الأمن الداخلي (المعروف أيضاً بالأمن العام)، والفرقة 42 من الجيش السوري (الوحدة المحلية)، للبحث عن حل دائم. وبطبيعة الحال، كان نفي المتهمين على رأس جدول الأعمال، وكان الاقتراح الأولي هو طرد عشرة من الشبيحة مع عائلاتهم. إلا أن هذا الاقتراح سرعان ما انهار عند النظر في تبعاته العملية: من سيختار الأسماء العشرة؟ ولماذا هم دون غيرهم؟ ماذا عن أولئك الذين جمعوا المال والنفوذ ثم غادروا المدينة؟ ماذا عن النساء والأطفال؟ هل ستقبل تدمر بنفي عائلاتها، ثم ترفض استقبال عائلات منفية من أماكن أخرى إذا أُرسلت إليها؟
ولادة لجنة
لم يكن بالإمكان حل المسألة في جلسة واحدة. وقد أسفر الاجتماع عن تشكيل لجنة مؤلفة من عشرة أعضاء من الشخصيات البارزة ورجال الأمن والجنود، وكُلفت بإيجاد حل عملي. ولشرح عمل اللجنة لمجموعة واتساب تضم مواطنين مهتمين، كتب أحد الوجهاء:
تحت إشراف مكتب الأمن الداخلي، ستقوم اللجنة المكونة من عشرة أعضاء، بمن فيهم ممثل عن الفرقة 42، بدراسة قضايا الشبيحة والمتهمين بدعم النظام السابق، وفقاً لقواعد وإجراءات محددة.
ثم أصبح تركيز اجتماعات اللجنة ينحو نحو غرامات وتسويات مالية تفرض على أولئك الذين جمعوا ثروة من خلال أنشطة الشبيحة: وهو أمر لا يختلف كثيراً عما حدث لرجل الأعمال محمد حمشو. وقد عرض أحد أعضاء اللجنة الحجة على النحو التالي:
الاستفادة من أموال شبيحة المال سياسة تتبعها الدولة كما هو مشاهد، ثم إنّ عقوبة من نهب من خيرات البلد أن يغرم بمبالغ توضع في مصالح البلد وبذلك تنهض هذه المدينة المنكوبة التي لا تستطيع الدولة على وضعها الراهن تمويل أية مشاريع فيها. سيتم تشكيل صندوق مالي مرتبطٌ باللجنة للنهوض بواقع المدينة المأساوي .. وهذه فكرة فيها من الخير الكثير ولم يسبق لها في غير منطقتنا، ومنافعها كبيرة.
العدالة التوزيعية
يُعدّ التعويض الفردي شبه مستحيل في مكان مثل تدمر، حيث تتداخل مطالبات الملكية وتتفاقم الأضرار. ويُمكن تحويل جزء من الأموال المتراكمة خلال الحرب إلى منفعة عامة من خلال إيداع الغرامات في صندوق محلي للخدمات والبنية التحتية. ويقوم هذا المبدأ على أن من انحازوا إلى الأسد وأثروا أنفسهم على حساب المدينة يجب أن يساهموا في تمويل ترميمها، على أن يُتركوا وشأنهم بعد تسوية مستحقاتهم بشفافية وعبر القنوات الرسمية. إلا أن هذه الترتيبات لا تنطبق إلا على المتهمين بالتربح ودعم نظام الأسد مالياً، ولا تشمل القتل، أو التعذيب، أو الاغتصاب، أو التبليغ المؤدي إلى اعتقال شخص أو إساءة معاملته أو وفاته.
قررت اللجنة إحالة المتورطين في إراقة الدماء إلى «مكتب خاص» تم إنشاؤه حديثاً داخل الأمن الداخلي. لا يُفتح تحقيق إلا عند تقديم شكوى محددة وأدلة داعمة. وقد يؤدي ذلك إلى اتخاذ إجراءات قانونية. مع ذلك، غالباً ما تتردد العائلات والعشائر في توجيه الاتهامات رسمياً لبعضها البعض، خشية أن تتصاعد الأمور إلى نزاع عنيف. في الوقت نفسه، تُكبّد الإجراءات القانونية كلا الطرفين تكاليف باهظة، وقد تتحول إلى معركة تستمر لسنوات.
ما يقوله سكان تدمر هو: إذا عجزت الدولة عن تحقيق العدالة الانتقالية عبر المحاكم، فسيلجأ العائدون والمحاربون القدامى إلى سبل أخرى. ويفضّل معظمهم تسوية مالية يتم التوصل إليها عبر وساطة محلية تشرف عليها سلطات الدولة المختصة (الداخلية والدفاع)، على اللجوء إلى إجراءات قانونية معقدة ذات نتائج غير مضمونة، يشارك فيها قضاة من عهد الأسد.
الطريق السليم؟
حتى 12 تموز، كانت لجنة تدمر تضمّ الوجهاء محمد القشعم وأبو بلال قنبر ونادر الشعيل وجمعة المديحة، فيما لم تكن أسماء أربعة وجهاء آخرين قد أُعلنت بعد. وكان عمر جمعة، رئيس أركان اللواء الأول، ممثلاً للفرقة 42 في اللجنة. أما سفيان أبو جابر، مدير الأمن الداخلي في تدمر، فكان متوقعاً أن يعيّن ممثلاً عنه ليكون العضو العاشر في اللجنة. وقال أحد المقاتلين العائدين: «من المتوقع عقد اجتماع خلال الأيام المقبلة مع مدير الأمن الداخلي لمناقشة هيكلية اللجنة، واستكمال أعضائها، ووضع آليات عمل رسمية».
يرى بعض الأهالي أن الأمن الداخلي يتعامل مع اللجنة ببطء وبيروقراطية، ويعتبرون ذلك محاولة لـ«تهدئة الشارع وتأخير الوصول إلى حل نهائي»، على حد تعبير أحد العائدين المتشككين. وربما كان هذا الحذر مبرراً. فالمبادرة تتطلب تنسيقاً مع مؤسسات الدولة، والأهم من ذلك، تعريفاً عملياً ودقيقاً لمن ينطبق عليه وصف «الشبيح». فهناك قتلة ومخبرون ولصوص ومموّلون، لكن هناك أيضاً موظفون سابقون في الدولة، وتجار تكيّفوا مع موازين القوى القائمة، وأقارب حموا أفراداً من عائلاتهم. وترك هذه التمييزات للشارع ولغوغاء وسائل التواصل الاجتماعي لن يفضي إلى العدالة، بل إلى الانتقام.
ومع ذلك، تقدم لجنة تدمر بديلاً، مهما كان ناقصاً. فهي تجمع بين الوجهاء والمقاتلين السابقين — أي ما يشبه المجتمع المدني عملياً — وبين ممثلين عن الأجهزة الأمنية والجيش، بهدف إنشاء آلية محلية للعدالة الانتقالية تقوم، في حدها الأدنى، على إجراءات واضحة ورقابة متبادلة. وفي بلد ما تزال فيه عملية العدالة الانتقالية الرسمية بطيئة، فيما تظل مصداقيتها موضع شك، قد تساعد مثل هذه الترتيبات الارتجالية في احتواء التوترات الاجتماعية وإتاحة قدر من المصالحة.
لكن هذه التجربة تكشف أيضاً عن معضلة جوهرية. فالاعتماد على الوساطة العرفية والتسويات المالية يصب في مصلحة من يملكون ما يكفي من المال لشراء مخرج لهم من المساءلة الجدية. كما قد يضعف الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، التي ما تزال جديتها وفاعليتها موضع تساؤل.
غير أن أبناء تدمر لا يستطيعون الانتظار إلى ما لا نهاية ريثما تُحسم هذه الأسئلة. ففي مواجهة غضب العائدين، وخطر اندلاع عنف مجتمعي، وعجز منظومة العدالة الرسمية عن تقديم إجابات في الوقت المناسب، يعملون على بناء مسارهم الخاص للعدالة الانتقالية، بمشاركة مؤسسات الأمن والجيش التابعة للدولة. وبذلك، لا تكتفي دمشق بالتغاضي عن حل محلي مرتجل يتجاوز المؤسسات القضائية الرسمية، بل ربما تكون بصدد اختبار نموذج للعدالة الانتقالية يمكن تعميمه في مناطق أخرى.