البحث عن أم كامل

26. أيار 2026

لماذا لا يزال السوريون يعشقون امرأةً خياليةً أدّاها رجل

اجتماع لإحدى القنوات الإعلامية السورية، تحتفل بمرور عام على تأسيسها، قاعة ممتلئة، بدلات رسمية، ابتسامات عريضة فرحاً بالإنجاز، وحديث عن المهنية وتصدر القناة للواجهة في الإعلام العربي. ثلاثون رجلاً، دون امرأة إعلامية واحدة، يتحاورون ويحتفون ويخططون. لقاء آخر، في محافظة سورية أخرى، بعنوان دور المرأة في المجتمع، تجلس النساء جميعهن مستمعات لرجل، يحاورهن وأحياناً يلقنهن حول أدوارهن.

مشهد متكرر لغياب النساء

بدايةً، لا أجد في نفسي الحاجة لأعيد دائماً أن انتقاد هذا الوضع المتردي لتمثيل النساء في الدولة السورية الجديدة، لا يعني التقليل من شأن الرجل، أو وضعه بخانة الطرف الآخر المعادي، رغم أنه حُكماً يحمل جزءاً من الوزر، ألا يلاحظ عدم وجود زميلاته؟ ألا يعلم أن السكوت أيضاً هو تواطؤ ضمني أوصلنا إلى ما نحن عليه؟

حاولت تحليل المشهد، ووضعه ضمن سياقه، وفهم أسبابه، وإيجاد حلول للخروج من حالة «دولة الزلم» كما يقال بالعامية، لكن الشقيقة غلبتني، فلم أقوَ على المتابعة. نمت وكأني أترنح بين طرفي كماشة، فألم الرأس لازمني حتى في النوم. ثمة امرأة ترتدي المنديل الشامي، حاولت أن تجذبني وتخلصني من ذاك التأرجح.

التفتُّ إليها بدهشة. أيعقل أن تكون هي؟ تلك التي كانت جدتي تحبها، وتنتظر ظهورها على شاشة التلفزيون الأبيض والأسود، وتحدثني عنها طويلاً؟ فعلاً إنها هي أم كامل!

السوريات وتشكّل الدولة بعد الاستقلال

أم كامل هي شخصية فنية ابتكرها الممثل السوري أنور البابا في أربعينيات القرن الماضي. ظهرت أولاً في الإذاعة، حينما اجتاحت الكوليرا سوريا، وكان لا بدّ من حملات توعية للأمهات خصوصاً، فابتكر أنور البابا شخصية أم كامل، كمثال عن المرأة السورية خفيفة الظل، سريعة البديهة، لتمرر رسائل التوعية بسلاسة للنساء، ثم تحولت إلى واحدة من أشهر الشخصيات في المسرح والتلفزيون السوري.

أم كامل، يلعب دورها أنور البابا

لكن الأهم أن فترة ظهور شخصية أم كامل، كانت في مرحلة دقيقة بتاريخ سوريا، فقد كان ذلك بعد الاستقلال من الاحتلال الفرنسي، وتشكل الدولة السورية، في وسط محافظ شديد التعقيد اجتماعياً، في حالة مشابهة طباقاً لما نحن عليه اليوم.

في ذلك الوقت أيضاً، لم يكن حضور المرأة في المجال العام أمراً بديهياً، ولم يكن متاحاً لها أن تقف على المسرح، أو أن تخاطب الجمهور مباشرة، أو أن تكون جزءاً من الفضاء الإعلامي كما هو اليوم. ومع ذلك، كان هناك وعي ولو جزئي بأن المرأة يجب أن تكون حاضرة، وأن الوصول إليها يتطلب لغة مختلفة، وأدوات مختلفة، واحتراماً لخصوصيتها الاجتماعية.

الأستذة

يتردد صوت في نومي، كأن مكبر صوت يجثم فوق رأسي، ويتحدث بطريقة «أستذة الرجال»، أو mansplaining. ورغم أن المصطلح بحد ذاته حديث نسبياً، وظهر لأول مرة بشكل واضح عام ٢٠٠٨ بعد مقال للكاتبة الأمريكية ريبيكا سولنيت، بعنوان «الرجال يشرحون لي الأمور»، حيث تحدثت الكاتبة عن تجربة متكررة بأن الرجال حولها يشرحون لها مواضيع هي أصلاً خبيرة فيها، وأحياناً كتاب هي نفسها كتبته دون أن يعرفوا ذلك، وبثقة كاملة، إلا أني أعتقد بأنه نشأ منذ خُلقت أم كامل، مجسداً وضوحاً على شاشاتنا ومسارحنا ومدارسنا ومؤسساتنا ومجالسنا، حين بدأ الرجل دائماً يتقمص دور الوصي الذي يمتلك كل أسرار المعرفة، ويحاضر بالنساء حوله عن كيف يجب أن يتحدثن، ماذا يجب أن يلبسن، ما الوظائف التي تليق بالنساء، ويستطرد بالحديث لعقود حتى يصل به الأمر ليتحدث عن كينونة المرأة.

بين الأستذة وفرد العضلات

هذه الحالة أنتجت نموذجاً لا يقل تشوهاً عن الأستذة بحد ذاتها، وهو ما أسميه «فرد العضلات»، أي أن يتحول أي نقاش طرفه الآخر رجل إلى ساحة معركة لإثبات الذات، فنجد مثلاً الكثير من النساء مضطرات للحديث بلغة حادة، أو لاستعراض معرفي مبالغ فيه، أو للدخول في سباقات لإثبات الكفاءة، تجنباً لأن يُأستذ عليهن، أو نتيجة التشكيك الدائم بقدراتهن. والمفارقة الساخرة، أن النساء يُنتقدن لاحقاً على هذه الحدة نفسها، دون الانتباه إلى أن هذا السلوك ليس طبعاً أو سمة جينية، بل آلية نجاة طويلة الأمد داخل فضاء لا يمنحهن الاعتراف بسهولة.

سحبتني أم كامل بكل قوتها، حتى سقطت على الأرض، وارتطم رأسي بحجر صغير مدبب، فاستفقت، نظرت حولي، واستعذت من الشيطان الرجيم، وقلت في نفسي: الحمد لله أنه في المنام!

لكن، يا فرحة ما تمت، هذا ليس مناماً عزيزي، عزيزتي، هذا كابوس تعيشه النساء منذ الأربعينيات حتى اليوم، وتجدن بأن التطور يتناسب عكسياً مع وجودهن، أو أن عجلة القطار الذي يقلهن إلى المستقبل معطلة دائماً.

لكن من يعلم، ربما تتغير الأمور، ويحتفى بالعام القادم بتجديد التراث اللامادي السوري، عبر تقديم أم كامل مرة أخرى، ونجد مئات المقالات التي تتحدث عن إبداع الإعلام بتجديد الذاكرة السورية، أو ربما نجد تمثالاً لأم كامل في ساحة الحجاز، ابتهاجاً بهذا الابتكار الوطني وامتثالاً لرغبات المجتمع الذي استطاع أن يحب أم كامل، ويضحك معها، ويحفظ عباراتها، لكنه لم يستطع حتى اليوم أن يتقبل بسهولة امرأة حقيقية تجلس على الطاولة نفسها كشريكة كاملة، تحاور وتخطط لبناء سوريا.

لهذا تبدو أم كامل حاضرة اليوم أكثر من أي يوم آخر، ربما لأنها شخصية خيالية كتبها رجل وأداها رجل، فهي امرأة من تصميم الرجال، هكذا كما يراد للنساء أن يكن. ولهذا أيضاً، من المؤكد أن أم كامل لم تظهر في منامي صدفة، بل ربما جاءت لتسألنا جميعاً؛ كيف يمكن لشخصية خيالية من أربعينيات القرن الماضي أن تكون أكثر حضوراً من نساء حقيقيات، نساء رفعن الثورة على أكتافهن وناضلن وما زلن يقاومن؟ 

العودة إلى الأعلى

مدافعة عن حقوق الإنسان وكاتبة في مجال قضايا النساء

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية