© syriaintransition.com

Cover image

شبّيحة بِحِلّة جديدة

بلدة سُنّية تخرج من عباءة النظام بعد سنواتٍ من كونها معقلاً لأنصاره

كانت بلدة قمحانة تُلقّب في الماضي بـ «قرداحة حماة»، وقد حرص أنصارُ نظام الأسد طويلاً على تقديمها دليلاً على قاعدة شعبية عابرة للطوائف مؤيدة للنظام. فهي بلدةٌ سُنّية يناهز عدد سكانها 30 ألف نسمة، تقع شمال مدينة حماة مباشرة. وعلى امتداد سنوات الحرب، دفعت قمحانة بأعدادٍ كبيرة من أبنائها إلى صفوف الجيش التابع للنظام وقواتِه الرديفة، مقدّمة مئاتٍ ممّن يُسمّيهم مؤيّدو النظام «شهداء»، سقطوا في المعارك وهم يقاتلون في صفوف تلك التشكيلات العسكرية. لكنّ المشهد اليوم يبدو مختلفاً: إذ تحاول البلدة طيّ صفحة ذلك الإرث الثقيل، والبحث عن مسارٍ جديد يتجاوز الماضي الذي التصق باسمها طويلاً بوصفها إحدى أبرز قلاع النظام في محيطٍ سُنّي.

لفهم علاقة قمحانة بنظام الأسد، لا بدّ من العودة إلى ثمانينات القرن الماضي، حين شهدت محافظة حماة تمرّداً مسلّحاً ذا طابع إسلامي. وفي تلك الفترة، برزت على نحو لافت عائلة سباهي، التي كانت تنتمي إلى الشرائح الفقيرة؛ إذ كوفئت بأموالٍ ومناصب مقابل مساعدتها النظام في سحق الإخوان المسلمين. وفي مقدّمة الأسماء، صعد نِبهان سباهي ليصبح رئيس جهاز أمن الدولة في محافظة إدلب خلال ذلك العقد. أمّا ابنه عصّام، فشغل لاحقاً مقعداً في مجلس الشعب خلال سنوات الحرب الأهلية.

وكان نِبهان قد أُوقِف عام 2025، قبل أن يُفرَج عنه لاحقاً لأسبابٍ صحّية، في خطوةٍ أثارت موجةَ غضبٍ لدى مناصري المعارضة، الذين يرون اليوم أنّه يجب أن يُحاسَب على ما يعتبرونه تواطؤاً ودوراً مباشراً فيما جرى.

في المقابل، تعرّض أفرادٌ من عائلاتٍ أخرى، مثل عجّاج وشهاب، للاعتقال والتعذيب، بعد أن ساعدوا أشخاصاً على الفرار من مجزرة حماة عام 1982، أو هرّبوا إمداداتٍ إلى المدينة المحاصَرة آنذاك.

وعلى الرغم من أنّ ذكريات القمع العنيف ربما ردعت كثيرين من سكّان قمحانة عن الانتفاض على النظام في عام 2011، فإنّ البلدة شهدت مع ذلك بعض الاحتجاجات في الأيام الأولى للثورة، وقد وثّقتها مقاطع فيديو متداولة آنذاك. وتشير المعطيات المتوافرة من تلك المرحلة إلى تعبئةٍ سريعة لأنصار النظام للتحرّك وقمع التظاهرات.

خطوطُ الصدع الثورية

قدّمَ معارضٌ من أبناء قمحانة، كان في منفى داخل إدلب وعاد عقب سقوط النظام، ويعمل اليوم ضمن الحكومة الجديدة، مجموعة تفسيراتٍ لمجلة سوريا المتجدّدة حول اتساع رقعة التأييد للنظام في البلدة، بعد قمعُ الاحتجاجات الأولى.

وقال إنّ بعض السكان ظلّوا على ولائهم لأسبابٍ أيديولوجية، انطلاقاً من قناعةٍ صادقة بأفكار حزب البعث القومية العربية. في المقابل، راقب آخرون كيف راكم أفرادٌ من عائلة سباهي ثروةً ونفوذاً، واعتقدوا أنّ بإمكانهم سلوك الطريق ذاته. أمّا الفئة الثالثة، بحسب روايته، فرأت في الحرب فرصةً لنهب ممتلكات المعارضين والمتمرّدين. وإلى جانب هؤلاء، كان هناك من اعتبر أنّ الوطن والسلطة وجهان لعملةٍ واحدة، وأنّ الولاء يجب أن يُمنَح لمن يحكم باسم الدولة. وأوضح أنّ المنطق ذاته دفع لاحقاً كثيرين، بعد سقوط النظام، إلى التحوّل نحو ما يُعرَف محلّياً بالمُكوِّعين (أي «الذين يجرون انعطافةً كاملة»)، في إشارةٍ إلى من غيّروا ولاءهم بسرعة مع تغيّر موازين القوة.

ومهما تباينت الدوافع، يتوافق أبناءُ البلدة من الطرفين، سواء من صفوف المعارضة (ومن بينهم عددٌ ضئيل جداً بقي في قمحانة طوال سنوات الحرب) أو من الذين ساندوا النظام، على حقيقةٍ واحدة: أنّ أنصار النظام في قمحانة ظلّوا، على نحوٍ ثابت، أكثر عدداً من المعارضين طوال الحرب. وفي حين رافقت مشاركةُ إيران والميليشيات الحليفة لها في كثيرٍ من مناطق سيطرة النظام تقاريرُ عن التشييع، فإنّ هذا الأمر لم يكن ذا شأنٍ يُذكَر في قمحانة، على الرغم من أنّ بعض سكانها عملوا خلال الحرب ضمن تشكيلاتٍ مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني. ذلك أنّ الوجود الشيعي في قمحانة كان سابقاً للحرب، وبقي في معظمه محصوراً ضمن عائلةٍ محلّية اعتنقت المذهب الشيعي في تسعينات القرن الماضي، بتأثيرٍ من نفوذٍ شيعي لبناني.

وتجمّعت شريحةٌ أوسع من موالي البلدة الذين حملوا السلاح على خطوط الجبهات حول القيادي حيدر نعسان، المرتبط اسمه باللواء سهيل الحسن، وقاد ميليشيا عُرفت باسم «فوج الطراميح». وقد عملت هذه المجموعة تحت مظلّة قوات النمر النخبوية التابعة للحسن، والتي أُعيدت تسميتها عام 2019 لتصبح الفرقة 25 قوات مهام خاصة، بدعمٍ روسي. ومع انهيار النظام، فرّ أحد أبرز قادتها الميدانيين، غسّان النعسان، خارج سوريا، قبل أن يُقتَل مؤخّراً في لبنان. ولم يقتصر تجنيد فوج الطراميح الذي نظّم تجمعاتٍ ومهرجاناتٍ مؤيّدة للنظام في قمحانة، على أبناء البلدة حصراً؛ إذ استقطب سُنّةً من بلداتٍ قريبة في ريف حماة، مثل طيبة الإمام، خصوصاً بين عامي 2016 و2020، حين بدا النظام في موقع التفوّق العسكري.

ومع بدء النظام بالتفكك في أواخر عام 2024، ظلّت قمحانة تبدو في العلن متمسّكة بولائها للأسد. وفي مقطع فيديو، ظهر أبو رضا (أحمد النبهان)، أحد مخاتير البلدة الذين اعتُقلوا بعد سقوط الأسد، واقفاً إلى جانب جنودٍ للنظام وهو يقود هتافاتٍ مؤيّدة للرئيس. وفي تلك الفترة، قال أحد أبناء قمحانة الذين عملوا مع الإيرانيين، لمجلّة سوريا المتجدّدة، إنّه لا يثق بعروض العفو التي قدّمها قادة هيئة تحرير الشام مقابل الاستسلام، مضيفاً: «هم يعذّبون ويقتلون من وقف ضدّهم»، محذّراً من أنّهم سيتحوّلون لاحقاً ضد «الدول الداعمة للإرهاب». وكان من الممكن آنذاك أن تتحوّل قمحانة إلى ساحةِ معركةٍ دامية بوصفها خطّ الدفاع الأخير للنظام شمال مدينة حماة. غير أنّ ما حدث جاء مختلفاً: إذ اكتفت قوات المعارضة بتطويق البلدة وفرض حصارٍ عليها، انتهى بإجبارها على الاستسلام.

شرطيٌّ جديد في البلدة

بعد انهيار النظام، انتقلت السيطرة على قمحانة بشكل حاسم إلى شخصياتٍ من صفوف المعارضة. ويتولّى رئاسة المكتب البلدي اليوم عيسى العلي القدور، عضو الإخوان المسلمين الذي أمضى ستة عشر عاماً في سجن تدمر على يد النظام. وفي موازاة ذلك، جرى إبعادُ أشخاصٍ اعتُبِروا موالين للنظام عن مواقع النفوذ والتأثير. كما قُتل عددٌ من الوجوه البارزة والمقاتلين المرتبطين بنظام الأسد في هجماتٍ انتقامية، بينما فرّ معظمُ المعرّضين للخطر إلى لبنان أو توارَوا عن الأنظار. أمّا الجنود العاديون والشبيحة السابقون، فقد أعاد كثيرون منهم، في المقابل، تقديم أنفسهم بوصفهم مُكوِّعين، وتكيّفوا مع النظام الجديد.

وعلى الرغم من أنّ قمحانة ما زالت تحمل سمعةً واسعة باعتبارها «بلدة الشبيحة»، فإنّ معارضين ومُكوِّعين على حدّ سواء بذلوا جهداً كبيراً لإعادة رسم صورتها. فمع أنّ المرء لا يزال يعثر على قبور «شهداء» قاتلوا في صفوف النظام وقواته، باتت تُشاهَد اليوم أيضاً جدارياتٌ تحمل علم سوريا الجديد، وتستعيد ذكرى يوم «تحرير» قمحانة في 5 كانون الأول/ ديسمبر 2024. وعلى امتداد أحد الطرق الرئيسية، تُعلَّق لافتةٌ كبيرة تسرد أسماء 108 أشخاص من قمحانة ومحيطها، كانوا قد تعرّضوا للاعتقال أو الاحتجاز أو الإخفاء القسري على يد النظام بين عام 2011 والنصف الأول من عام 2012. 

حربٌ أهلية حقيقية

إنّ قائمةَ المختفين، إلى جانب سجلّاتٍ لأبناء قمحانة الذين قاتلوا وقُتلوا في صفوف التمرّد، تُعيد التذكير بأنّ الصراع السوري كان حرباً أهلية بالمعنى الأكثر حرفية، إذ وُضِع الجيرانَ في مواجهة بعضهم بعضاً، وشرّخ الروابط بين الأقارب والعائلات الممتدّة. ولا تلوح في الأفق مصالحةٌ حقيقية وشيكة. فقد غدا الاعتزاز بالهوية السنية النبرة الاجتماعية الغالبة، غير أنّ السُنّة الذين ساندوا النظام يرون المشهد من زاوية مختلفة. وبالنسبة إلى كثيرين ممّن لا يرغبون أو لا يستطيعون الفرار أو التواري، بات التحوّل إلى مُكوِّع خياراً يكاد يبدو منطقياً، وإن كان مُنهِكاً نفسياً.

العودة إلى الأعلى

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية