العب بقسوة.. ولا تثق بأحد
دروس من المؤتمر السوريّ العام (1919-1920)
كانت المحاولة السوريّة الأولى لتأسيس دولةٍ مستقلّةٍ جادةٍ في نواياها، دستورية في مقاربتها، لكنّها أخطأت التقدير على نحوٍ قاتل. فقد راهن المؤتمر السوريّ العام على قوة المبادئ لتعويض غياب القوّة الصلبة. وبعد مرور قرن كامل، تُقرأ تلك التجربة كصرخة تحذير كيف يمكن لدولٍ أن تفشل عند لحظة ولادتها.
في عامي 1919–1920، حاولت سوريا للمرة الأولى أن تخرج إلى الوجود بوصفها دولة وطنية. في ذلك الوقت، لم تكن «سوريا» سوى تعبير جغرافي يبحث عن صيغةٍ سياسية، إذ كانت تشمل رقعةً واسعةً تضم ما يُعرف اليوم بـ: سوريا والأردن وفلسطين ولبنان. وقد انطلقت الطموحات لتوحيد هذه الأقاليم ضمن كيانٍ سياسيٍّ واحد بدفعٍ من الأمير، الملك لاحقاً، فيصل ابن الملك الذي نصّبته بريطانيا على الحجاز، الشريف حسين بن علي، والذي كان له دورٌ محوريٌ في تقويض الإمبراطورية العثمانية عبر إطلاق الثورة العربية الكبرى.
كان فيصل يسعى إلى اعتلاء العرش السوريّ، وقد حظي بدعم الجنود والسياسيين والأعيان السوريين، ومعظمهم من العرب السنّة. غير أنّ طموحه اصطدم بدبلوماسية القوى العظمى، من اتفاقية سايكس بيكو إلى مقرّرات سان ريمو ومعاهدة سيفر، إلى جانب تفاهمات أخرى شملت اليهود والأتراك والموارنة والسعوديين، وأغلقت مجتمعةً الباب أمام قيام دولة بهذا الاتّساع. وهكذا جرى تقليص سوريا إلى نسخةٍ مبتورةٍ من سوريا الكبرى، منزوعة الأطراف الغربية والجنوبية، وخاضعة للاحتلال الفرنسي.
غير أنّ السوريين لم يستسلموا لهذا الواقع بصمت. فمحاولة مقاومة التسوية المفروضة، والاستعمار على نحوٍ أوسع، وإن كانت قصيرة الأمد وغير ناجحة، شكّلت بداية الكفاح السياسيّ السوريّ من أجل الخروج إلى الوجود كدولة وطنية. وفي قلب هذا الكفاح برز المؤتمر السوريّ العام، وهو جمعية تأسيسية دعا فيصل إليها في دمشق، وضمّت ممثّلين مدنيين من مختلف أرجاء سوريا الكبرى، أوكلت إليها مهمّة تعريف الأمّة، وتحديد من يحكمها، وصيغة الحكم. كانت تلك المرة الأولى التي يجتمع فيها السوريون، بوصفهم سوريين، لرسم ملامح مستقبلهم. ولا تزال ولادة المؤتمر، ومسار تطوّره، والدستور الذي أقرّه، ذات صدى لافت في سوريا المعاصرة، بما تحمله من دروس ثمينة عمّا ينبغي فعله، وما يجب تجنّبه، في مسارات بناء الدول.
مخاطبة الحلفاء
كان المؤتمر السوريّ العام، في بداياته، مُصمَّماً ليكون أداة ترويج لطموحات فيصل السياسية. إذ كان يدرك تماماً أنّ مصير سوريا سيتحدّد أساساً على يد الحلفاء المنتصرين، بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة، ولذلك جرى تصوّر المؤتمر بوصفه استعراضاً للدعم الذي يحظى به فيصل من نخب سوريا. وقد جاءت فكرة المؤتمر من رضا الركابي، الدمشقـي الذي كان سابقاً ضابطاً في الجيش العثماني، والحاكم العسكري لفيصل في سوريا آنذاك (والذي أصبح لاحقاً أول رئيس وزراء لها). وكان الركابي قد تنبّه إلى أنّ نظام ما بعد الحرب يفرض توفير ركائز دستورية تدعم الادعاءات بالشرعيّة: هيئات مُنتخبة، وعرائض، و«برامج» سياسيّة، وقوانين أساسية.
انعقد المؤتمر السوريّ العام للمرة الأولى في 3 يونيو/حزيران 1919 في مقر «النادي العربي» بدمشق، تزامناً مع وصول لجنة كينغ–كراين، بعثة تقصّي الحقائق الأمريكية إلى الولايات العثمانية السابقة، لاستطلاع الآراء بشأن حقّ تقرير المصير. وقد افتتح فيصل أعمال المؤتمر ببيان نوايا واضح، حدّد فيه أنّ واجب المندوبين الحاضرين، بالغ عددهم 107، يتمثّل في تمثيل البلاد أمام الأمريكيين، وصياغة قانون أساسي، وإقرار ضمانات صريحة لحماية الأقلّيات. وكان هذا النداء، في جوهره، خطاباً «ويلسونياً» خالصاً.
وجرى اعتماد المُخرَج الأوّلي لأعمال المؤتمر، الذي عُرف لاحقاً باسم «برنامج دمشق»، في 2 يوليو/تموز 1919، وأُحيل إلى لجنة كينغ–كراين. ودعا البرنامج إلى استقلال سوريا الكبرى، ووحدة أراضيها (بما في ذلك فلسطين ولبنان)، وإقامة حكم يقوم «على مبادئ اللامركزية الواسعة». وقد تركت المادة الخامسة من البرنامج الباب موارباً أمام قبول انتداب أمريكي أو بريطاني، إذ نصّت على أنّه: «إذا لم تتمكّن الولايات المتحدة من قبول طلبنا هذه المساعدة منها، فإنّنا نطلب أن تكون هذه المساعدة من دولة بريطانيا العظمى، على أن لا تُمسّ باستقلال بلادنا السياسي التام ووحدتها.» وبعبارة أخرى: أيّ طرف، باستثناء فرنسا.
على مستوى معيّن، بدا هذا النهج سياسةً ذكية. فقد سعى المؤتمر إلى توظيف المثالية الأمريكية المتمثلة بمبادئ الرئيس الأمريكي ويدرو ويسلون بوصفها ثقلاً موازناً للاستعمار الأوروبي، وحرص على تقديم سوريا ككيان تعدّدي يحتضن «المسلمين والمسيحيين واليهود»، على حدّ ما ورد في رسالته إلى لجنة كينغ–كراين، وذلك استباقاً للذريعة الفرنسية التقليدية القائلة إنّ حماية الأقليات لا تتحقّق إلّا عبر الوصاية الأوروبية. ولكن على مستوى آخر، أخطأ هذا النهج بالحسابات خطأً فادحاً. فالاهتمام الأمريكي، كما هو الحال اليوم، كان عابراً وسريع التبدّد. فكان التعامل مع خلاصات اللجنة بطيئاً، ولم يكن لدى الولايات المتحدة شهيّة لمواجهة فرنسا. وعندما بلغ المسار الدستوري السوريّ ذروته بإعلان الاستقلال رسمياً في 8 مارس/آذار 1920، جاء الرد الفرنسي حاسماً بإنذار صارم: التراجع عن الإعلان، أو مواجهة العواقب.
الواقعية السياسيّة في مواجهة المثاليات
تدهورت فرص سوريا في البقاء كدولةٍ مستقلة قابلة للحياة على نحوٍ سريع مع انسحاب بريطانيا من أراضيها في يوليو/تموز 1919، تنفيذاً للتفاهمات الأنجلوفرنسية. ومع رحيل القوّات البريطانية عن سوريا، وتمركز القوّات الفرنسية في لبنان وعلى امتداد الساحل، بدت السردية الويلسونية للمؤتمر ونداءاته الموجّهة إلى الولايات المتحدة وبريطانيا ساذجة. علاوةً على ذلك، فقد نهج فيصل المعتدل، القائم على السعي إلى التسويات، وهو في جوهره رهان على ضبط النفس الاستعماري، كثيراً من مصداقيته داخلياً، ولا سيما بعد صدور قرار مؤتمر سان ريمو في 25 أبريل/نيسان 1920، الذي وضع سوريا رسمياً تحت الانتداب الفرنسي.
وبناءً على طلب المؤتمر، ولا سيما مندوبي شمال سوريا، سعى فيصل إلى طلب العون من الزعيم التركي مصطفى كمال، غير أنّ الأخير كان يواجه بدوره صراعاً مع الفرنسيين في جنوبي الأناضول، ولم يقدّم دعماً مباشراً. وسرعان ما اندلع تمرّد مسلّح على الساحل السوريّ ضد القوّات الفرنسية، أعقبه تقدّم فرنسي نحو الداخل السوريّ. وفي 24 يوليو/تموز، مُنِّيَت القوّات السورية بهزيمةٍ حاسمة في معركة ميسلون، شمال دمشق. وقد لقي وزير الحربية في حكومة فيصل، يوسف العظمة، مصرعه في المعركة بعد أن قطع على نفسه عهداً بألّا يسمح للقوّات الغازية بدخول العاصمة من دون قتال. كانت لحظة بطولية، لكنّها انتهت بفشلٍ ذريع.
الخلاصة التحذيرية هنا واضحة: التمسّك بالمبادئ حين لا تسندها قوّة أو أوراق ضغط بديلة، تكون في الغالب بلا قيمة تُذكر، ومصير قوّات سوريا الديمقراطية خير دليل على ذلك. فكما كان حال فيصل آنذاك، يبدو أنّ الرئيس أحمد الشرع اليوم يعتقد أنّ مصير سوريا سيتقرّر أساساً بفعل العوامل الخارجية لا بإرادة شعبها، وأنّ مصلحته الفضلى تكمن في التحالف مع الولايات المتحدة وبريطانيا. وبالفعل، أمضى الشرع عامه الأول في الحكم ساعياً إلى ترتيبات إقليمية وصفقات دولية، تُوِّجت بزياراته إلى واشنطن وموسكو.
ملكية مقيَّدة
يُروى أنّ فيصل لم يكن متحمّساً في البداية لفكرة انعقاد المؤتمر السوريّ العام، إذ خشي أن يتحوّل إلى ما يشبه برلماناً ناشئاً يقيّد هامش المناورة لديه. ومع تطوّر الأحداث، لم يكن هذا التخوّف بعيداً عن الواقع. فقد ضمّ المؤتمر في عضويته عدداً كبيراً من القوميين العرب البرجوازيين، وكان كثيرون منهم من قدامى أعضاء «جمعية العربية الفتاة» السرّية المناهضة للحكم العثماني من ذوي التوجّهات المثالية الذين يفتقرون إلى الرغبة، أو الاستعداد، لعقد تسويات أو مهادنات مع مصالح القوى الكبرى.
ضمّ الجناح البراغماتي داخل المؤتمر شخصيات مقرّبة من فيصل، ارتبطت مساراتها السياسية بمصيره، إلى جانب أقليّة محدودة من المندوبين المعروفين بميلهم الصريح إلى فرنسا. غير أنّ دفّة المؤتمر مالت، مع مرور الوقت، على نحوٍ حاسم بعيداً عن البراغماتية. فقد تراجعت الأصوات الداعية إلى التسوية مع فرنسا، وهو خيار كان فيصل يسعى إليه بهدوء بدفع من بريطانيا، إلى أن جرى إسكاتها تدريجياً تحت ضغط التيّار الغالب.
وكان لهذا التحوّل أثرٌ بالغ. فقد كان فيصل منخرطاً في محادثات مع رئيس الوزراء الفرنسي جورج كليمنصو، الذي كان يشعر، إلى حدّ ما، بالتزام أخلاقي تجاهه، تقديراً لمساهمته الفعّالة في الجهود الحربية لقوات الحلفاء. ولو أُتيح لفيصل هامشٌ سياسيٌّ كافٍ لمتابعة مسارٍ تدريجيّ نحو الاستقلال تحت الوصاية الفرنسية، على غرار الصيغة التي تجسّدت لاحقاً في المعاهدة الفرنسية السورية لعام 1936، لربما اتخذ المسار التاريخي لسوريا منحىً مختلفاً جذرياً، وربما كانت أقرب، في تجربتها، إلى دول مثل الأردن أو المغرب التي نالت استقلالها رسمياً، وارتبطت بالغرب، وتمتّعت بدرجة من الاستقرار.
وفي الواقع، كان المؤتمر ينظر إلى نفسه بوصفه كابحاً لسلطة فيصل. وقد واجهه رئيسه الثاني، الشيخ رشيد رضا، في مايو/أيار 1920، بعدما حاول فيصل انتزاع السيطرة على الحكومة. وقد توجّه العالم السلفي القادم من طرابلس إليه بلهجة حادّة قائلاً: «هو [المؤتمر] الذي أوجدك، فقد كنت قائداً من قواد الحلفاء تحت قيادة الجنرال اللنبي، فجعلك [المؤتمر] ملكاً على سوريا».
في 3 مايو/أيار 1920، صوّت المؤتمر على سحب الثقة من رئيس الوزراء رضا الركابي، أحد حلفاء فيصل، واستبداله بهاشم الأتاسي. وبحلول 19 يونيو/حزيران 1920، كان فيصل قد ضاق ذرعاً. فدعا المؤتمر إلى الكفّ عن التدخّل في سياسات الحكومة، وأبلغ الجنرال غورو، الحاكم العسكري الفرنسي في بيروت، استعداده للتفاوض على شروط ترضى بها فرنسا. وفي اليوم ذاته، أصدر المؤتمر بياناً شديد اللهجة جاء فيه: «لا يحق لأية حكومة كانت أن تقبل باسم الأمة السورية أي شرط من الشروط التي تخالف قرار المؤتمر التاريخي». بعد ستة أيام، دخلت القوات الفرنسية دمشق.
أخفق المؤتمر في منح فيصل هامش المناورة الذي كان بأمسّ الحاجة إليه. صحيح أنه شكّل، إلى حدّ ما، واجهة ضرورية للوفود الأمريكية الزائرة، وربما منصة مفيدة لتبادل الآراء، لكنّه لم يمكّن فيصل من ممارسة ضغوط سياسية أكثر جدوى. بل إنّ المؤتمر حال، في إحدى المرات، دون ترؤس فيصل نفسه لبعثة دبلوماسية. كما أنّ الضغط المتواصل الذي مارسه المؤتمر على الحكومة في ما يخصّ التعبئة العسكرية لم يؤدِّ إلّا إلى استفزاز الفرنسيين وزيادة تصلّبهم. وإذا ما انتقلنا سريعاً إلى الحاضر، يمكن التساؤل عمّا كان سيحدث لو أنّ الشرع أنشأ هيئة تأسيسية حقيقية وشاملة، تتمتّع بصلاحيات الرقابة على الحكومة وصياغة دستور جديد. على الورق، تبدو الفكرة جيدة، لكنّها، على الأرجح، كانت ستعقّد الجهود الدبلوماسية.
اللامركزية بوصفها مبدأً تأسيسياً
أثبت المؤتمر السوريّ العام براعةً ملحوظة في صياغة «القانون الأساسي»، وهو ما قد يعكس، ربما، كثرة المحامين بين صفوف أعضائه. فقد جرى انتخاب لجنة من عشرة أعضاء لتولي مهمة إعداد الدستور، وبحلول 7 مارس/آذار 1920 أُقِرّ دستور مؤلّف من 148 مادة، هو الأول في تاريخ سوريا.
ونصّت المادة الثانية على أن: «المملكة السورية تتألف من مقاطعات، ذات وحدة سياسية لا تقبل التجزئة»، فيما أكدت المادة الثالثة أن: «المقاطعات مستقلة استقلالاً إدارياً بمقتضى هذا القانون، ويسن المؤتمر قانوناً خاصاً، يبين فيه حدود هذه المقاطعات».
وشدّد القانون الأساسي على أهمية اللامركزية الإدارية في المحافظات. فقد أّكدت المادة 123 أنّ: «المقاطعات تدار على أصول اللامركزية الواسعة في إدارتها الداخلية». ونصّت المادة 124 على أنّ: «لكل مقاطعة مجلس نيابي يدقق ميزانية المقاطعة، ويسن قوانينها ونظاماتها المحلية وفقاً لحاجاتها، ويراقب أعمال حكومتها».
كما حدّدت المادة 127 مدّة ولاية المجلس: «مدة أعضاء مجلس المقاطعة النيابي سنتان»، ونصّت المادة 128 على: «يُنتَخب نواب مجالس المقاطعات بنسبة نائب واحد عن عشرين ألفاً من نفوس المقاطعة.»
وتذهب المواد اللاحقة أبعد من ذلك، إذ ترسم منظومة دقيقة من الضوابط والتوازنات بين السلطة المركزية والسلطة الإقليمية. فقد نصّت:
المادة 132: «القوانين التي تسنّها مجالس المقاطعات النيابية ترفع بواسطة الحاكم العام إلى الملك، للمصادقة عليها، والأمر بإجرائها، على أن يصدّق عليها، وتعاد إلى المقاطعات خلال شهر واحد.».
المادة 133: «إذا أُعيدت القوانين المرفوعة من قبل المقاطعات، دون تصديق من الملك، بدعوى مخالفتها للقانون الأساسي أو القوانين العامة، نظر مجلس نواب المقاطعة فيها مرة أخرى، فإذا أصرّ على الشكل الأول ولم يصادق عليه الملك في المرة الثانية، حكم مجلس الشيوخ، وكان حكمه هو النافذ. ويشترط تصديقه في المرة الثانية، أو إيداعه في مجلس الشيوخ خلال أسبوعين.».
بالنسبة إلى الكثير من العرب في سوريا اليوم، لا يزال مصطلح «اللامركزية» مُثقلاً بالريبة والشكّ. فمَنح الأقاليم أو الأقليات قدراً من الحكم الذاتي يُنظر إليه غالباً بوصفه دعوة مفتوحة لتصاعد المطالب الموجهة إلى المركز، بما يفضي إلى توتّرات داخلية مزمنة، ويعرّض البلاد لتدخّلات خارجية. غير أنّ اللامركزية، عند لحظة ولادة سوريا، لم تكن تحمل هذه الوصمة. على العكس تماماً، فقد كان يُنظر إليها على نطاقٍ واسعٍ باعتبارها سمة من سمات الحكم الرشيد، ووسيلةً عملية للحفاظ على تماسك كيانٍ سياسيٍ متنوّع، حتّى أنّه جرى تكريسها في أول دستور للبلاد بوصفها مبدأً تأسيسياً من مبادئ الدولة.
كل ذلك يوحي بأنّ الآباء المؤسسين لسوريا تصوّروا الدولة أقرب إلى «اتحاد ولايات» يتماسك تحت مظلّة حكومة مركزية تحتفظ بصلاحيات واسعة في مجالات الدفاع والمالية والسياسة الخارجية، فيما تترك جانباً كبيراً من الشؤون اليومية لحكومات محلّية خاضعة للمساءلة أمام المجالس المنتخبة في كل مقاطعة. وهو نموذج قد يكون في طور التبلور مجدّداً في سوريا اليوم، ولا سيما في المناطق ذات الغالبية الكردية، وفي السويداء، وربما في مناطق أخرى تتمتّع بـ«خصوصية»، وهذا الطرح لا يبدو سابقةً جديدة، إذ ورد في دستور عام 1920.
مهارات من نوعٍ مختلف
يميل الليبراليون بطبيعتهم إلى الترحيب بالهيئات التأسيسية. فهي ترمز إلى التوافق والحوار والشمول، وتُعدّ أداة ملائمة لصياغة الدساتير وإضفاء الشرعية. وقد قام المؤتمر السوريّ العام بكل ذلك، وأدّاه بجدّية واضحة. فقد كان مؤسسة «ديمقراطية» حقيقية من الممكن أن تؤدّي دورها بكفاءة لو لم تكن الدولة الوليدة تواجه تهديداً وجودياً. غير أنّه في اللحظات التي كانت تتطلّب سرعة في القرار، وقدراً من الكتمان، وتسويات قاسية، فرض المؤتمر الإبطاء، والعلنية، والحدّ الأقصى من المطالب. تشير التجربة السورية الأولى في بناء الدولة إلى أن إقامة دولة في بيئة صعبة تتطلب قراءة أدق لموازين القوى ومجموعة مهارات أكثر حدّة مما امتلكه السادة الموقرون الذين اجتمعوا في النادي العربي في حزيران/يونيو 1919.