من يَعِش بالسيف..
الرئيس السوري يوحّد البلاد بالقوة. خطوة جريئة، لكنّها محفوفة بالمخاطر
تُعاد سوريا إلى ما يشبه الوحدة تحت فوهة البندقية. وقد ينجح رهان الرئيس أحمد الشرع في إعادة ترسيم حدود الدولة وبسط سيادتها، لكنّه قد يُفاقم في المقابل هواجس الأقلّيات، ويقفل البلاد في مستقبل تحكمه الإكراهات لا الرضى، والقسر لا القبول.
اختار أحمد الشرع الحسم بالقوة بدل الحوار. وبالتنسيق مع تركيا وروسيا والولايات المتحدة، يسعى الرئيس السوري إلى سحق قوات سوريا الديمقراطية وإعادة بسط سلطة دمشق على الشمال الشرقي، في رسالة لا لبس فيها مفادها أنّ السيادة الملتبسة لم تعد مقبولة. وفي هذه المرحلة، يتقدّم شعار: «دولة واحدة، جيش واحد، علم واحد». ويقوم رهان الشرع على أنّ استخدام القوة، بصورة حاسمة ونظيفة نسبياً، يمكن أن يُنجِز ما عجزت عن تحقيقه دبلوماسية بدت في معظمها استعراضية.
تبدو المقاربة بسماركية بامتياز. فأوتو فون بسمارك (1815-1898)، رجل الدولة البروسي الذي هندس توحيد ألمانيا، لم ينتظر توافق أمراء الولايات الألمانية، بل صنع وقائع على الأرض وفرضها بقوة الأمر الواقع. ويبدو أنّ الشرع يسلك المسار نفسه. ولو كانت سيادة الدولة وحدها هي المعيار، لَصَعُب الطعن في هذا المنطق. فلا حكومة تستطيع إلى ما لا نهاية القبول بوجود سلطة مسلّحة منافسة تسيطر على ثلث أراضي البلاد، بما في ذلك أغنى مناطقها بالموارد. ووفق منطق اللعبة الصفرية السائد في الشرق الأوسط، وبصورة متزايدة في العالم، غالباً ما يعامَل الجكم الذاتي المدعوم بالسلاح بوصفه تمهيداً للانفصال.
كسر الجمود
قرابة عام من المحادثات بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية أفضى إلى بيانات مبدئية، لكنّ التقدّم ظل بطيئاً في السؤال الجوهري المتعلّق بتقاسم السلطة، أي «الاندماج». وفي الأثناء، واصلت قوات سوريا الديمقراطية ترسيخ حضورها إدارياً وعسكرياً، واعتمدت في التفاوض سقوفاً مطلبية قصوى. فجاءت حملة عسكرية قصيرة وحاسمة لتضع حدّاً لهذا الجمود. فهي، من جهة، تُشكّل رادعاً لغيرها ممّن قد يفكّرون في مسار الانفصال، ومن جهة أخرى تُتيح لدمشق فرض شروطها لإعادة دمج المنطقة.
وإذا نجحت هذه المقاربة، فسيُنسب إلى الشرع أنّه أعاد لسوريا سلامة أراضيها على نحوٍ أخفق فيه بشار الأسد بوضوح بعد عام 2011. وسيُقابَل ذلك بترحيب في معظم العواصم.
غير أنّ التاريخ يقدّم أيضاً تحذيراً صارخاً. فعندما تُنجَز الوحدة عبر حرب داخلية، كما في سريلانكا أو الجزائر، تُستعاد سلامة الأراضي على حساب الثقة والاندماج. وقد وحّد بسمارك ألمانيا أساساً عبر حروب خارجية عزّزت التماسك الداخلي. أمّا الشرع، فيخوض حروباً داخلية ضدّ أقلّيات دينية وإثنية مدعومة من قوى خارجية. وغالباً ما يخلّف هذا النوع من الصراعات أحقاداً طويلة الأمد تبقى قابلة للاستثمار والاستغلال.
أمّا المخاطر المباشرة، فتكاد تكون بديهية. فالمضي في مواجهة حتى النهاية مع الأكراد قد يستدرج جيراناً غير ودودين، مثل إسرائيل والعراق، لا يرغبون في رؤية حكومة عربية سنّية قوية في سوريا. كما قد تتعرّض إعادة الإعمار للتهديد إذا مضى أعضاء مؤيّدون للأكراد في الكونغرس الأمريكي إلى فرض عقوبات خانقة، كما لوّحوا بذلك. ويبقى خطرٌ أشد خفاءً: ما الذي ستعنيه هزيمة الأكراد لطبيعة الدولة السورية الناشئة نفسها؟
انعدام ثقة مستدام
بالنسبة إلى أكراد سوريا، شكّلت قوات سوريا الديمقراطية ضمانة، وإن كانت ناقصة، ضدّ العودة إلى الإقصاء في ظل نظام قومي عربي شديد المركزية. غير أنّ هزيمتها العسكرية لن تُبدّد هذا الخوف، ولا تطلّع الأكراد إلى الاستقلال. ولن يقتصر انعدام الثقة بدمشق على الشمال الشرقي. فالأقلّيات الأخرى تراقب عن كثب، وبالنسبة إليها، قد يكون الرد العقلاني هو إبقاء الخيارات مفتوحة، بما في ذلك الحفاظ على ميليشيات قائمة، وتأمين داعمين خارجيين أقوياء. وتبدو إستراتيجيّة الدروز المتشدّدة، القائمة على قطيعة حاسمة مع دمشق ورفض أي مساومة، على نقيض واضح من المقاربة الكردية الأكثر ليونة؛ وربما تكون في نهاية المطاف أكثر قدرة على انتزاع حكم ذاتي فعلي.
وإذا فشلت كلّ محاولات الحكم الذاتي المحلّي، فقد تكون النتيجة بلداً موحّداً على الورق، لكنّه هش من الداخل. فالتوحيد القسري قد ينجح، لكن بثمن. إذ ستغدو «الدولة الشرسة» أقوى، فيما يضعف في المقابل الإحساس بالوطنية وحب البلد وروح التكاتف والعيش المشترك. وليس المقصود هنا الدفاع عن التشظّي الدائم، فسوريا مقسّمة إلى جيوب مسلّحة، لكلّ منها راعٍ خارجي، أمر غير مقبول. والسؤال ليس عمّا إذا كان على دمشق استعادة سلطتها، بل عمّا إذا كان في استطاعتها القيام بذلك من دون إلحاق ضرر لا رجعة فيه بالهوية الوطنية الجامعة وبالتعايش بين جميع مكوّنات المجتمع.
لم تكن حروب بسمارك من أجل التوحيد سوى الخطوات الأولى في مسار أطول لبناء الوطن. ما تلاها، من بناء مؤسّسات وتعليم وحرّيات ورعاية اجتماعية، هو الذي صنع عظمة ألمانيا. وقد يعتقد الشرع أنّه قادر على تكرار هذا التسلسل، وربما يستطيع. غير أنّه، باختياره القوّة أوّلاً لا بوصفها الخيار الأخير، ضيّق هامش المناورة أمامه. فإذا تبدّلت الظروف الإقليمية أو الدولية، وتكتّلت الخصومات في الداخل، فلن يكون أمامه من ملاذ إلّا السيف.