تعافي حلب الاقتصادي يتوقف على أمر واحد: الأمن
8. يناير 2026
مع رفع العقوبات وعودة قنوات التجارة، تبدو حلب أمام فرصة اقتصادية نادرة. لكن هذه الفرصة ستظل معلّقة ما دامت المدينة تعيش تحت معادلة أمنية هشة تسمح بوجود جيوب مسلّحة خارج سيطرة الدولة.
دخلَت حلب، نظرياً على الأقل، مرحلة جديدة من الإمكانات الاقتصادية بعد تحولات إقليمية ودولية متسارعة على رأسها رفع العقوبات المرتبطة بقانون «قيصر»، وبدء إعادة تشغيل بعض قنوات النقل والتجارة مع الجوار، وفي المقدمة تركيا. لكن هذه الفرصة، بكل ما تحمله من وعود لإعادة تشغيل الصناعة والتجارة وإعادة تدوير رأسمال الشتات الحلبي، لن تتحول إلى واقع طالما بقيت المدينة محكومة بمعادلة أمنية تسبب قلاقل أمنية وعسكرية بوجود جيوب مسلّحة للميليشيات الكردية خارج سيطرة الدولة وداخل النسيج الحضري.
دوّامة أمنية
الاقتصاد عموماً يكره «المخاطر غير القابلة للتسعير». وحين تصبح مدينة بحجم حلب خاضعة لتهديد أمني وعسكري بداخل المدينة، فإن المستثمر يواجه سؤالاً بسيطاً: من يضمن؟ ومن يحاسب؟ ومن يوقف دورة التصعيد التالية؟ لهذا، لا يكفي الحديث عن رفع العقوبات أو تفعيل المعابر أو اتفاقات الترانزيت؛ فهذه كلها أدوات، بينما الشرط التأسيسي هو احتكار الدولة للعنف المنظم داخل المدينة وفي البلاد عموماً.
من هنا، فإن التعامل مع ملف الشيخ مقصود والأشرفية باعتباره ملف سيادة حضرية، لا ملف مجرد ملف خدمات أو حتى «مكوّنات». فالخطاب الذي يحاول تحويل المسألة إلى صراع كردي–عربي يُضلّل النقاش ويؤخر الحلول الجذرية. القضية ليست ضد الأكراد كمكوّن سوري أصيل، بل ضد نموذج ميليشياوي يمسك بأحياء داخل مدينة مركزية كحلب ويستخدمها كورقة ضغط سياسية وأمنية، بما يرفع علاوة المخاطر على كامل المدنية، لا على الأحياء التي تسيطر عليها تلك الميليشات فقط.
التاريخ القريب لحلب يشرح كيف تتصرف هذه الجيوب في لحظات التحول. عام 2016 لعبت القوات الكردية/وحدات حماية الشعب YPG (باعتبار أن قسد تقول لا علاقة لنا وليس لدينا قوات هناك) دوراً مساعداً لنظام الأسد في خنق المعارضة داخل المدينة عبر الضغط الناري على طريق الكاستيلو، والسيطرة عسكرياً على حيي بني زيد والسكن الشبابي، وهو ما ساهم عملياً في إعادة تشكيل خطوط الإمداد لصالح قوات النظام في تلك المرحلة وساهمت في إحكام نظام الأسد على المدنية وإخراج المعارضة منها.
لاحقاً، في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 وبعد تحرير حلب ضمن معركة ردع العدوان تكرر المنطق ذاته؛ إذ حاوت الميليشيات الكردية التوسع داخل المدينة واستولت على مواقع حساسة بينها مطار حلب الدولي قبل أن يتم الضغط عليهم للانسحاب، والمعنى السياسي هنا ليس تفاصيل من «أخذ وردّ»، بل نمط ثابت هو استثمار خلق التوترات الأمنية، ثم تحويله إلى ورقة تفاوض أو ابتزاز.
الأخطر أن هذا النمط اقترن بانتهاكات موثقة. قتلت هذه الميليشيات أكثر من 65 مدنياً خلال شهرين فقط ما بين التحرير ونهاية شهر كانون الثاني 2025، أتبعته لاحقاً عدة استهدافات لأحياء المدينة بشكل متكرر في عدة مناسبات في تشرين الأول وفي كانون الأول 2025 أدى أيضاً لمقتل عدد من المدنيين والعسكريين من الجيش على حد سواء، وسقوط العشرات من الجرحى. ناهيك عن نزوح عشرات الآلاف. وهذه الحوادث تخلق زعزعة أمنية مستمرة. كما أن هذا النوع من العنف لا يُنتج فقط ضحايا؛ بل يُنتج كراهية طويلة الأمد وتلحق شرخاً إضافياً بين مكونات المجتمع السوري كما يهدم أي إمكانية لبناء ثقة مدنية–أمنية تُعد شرطاً لعودة الاستثمار، ولعودة مدينة حلب بوصفها عقدة صناعة وخدمات.
مع التصعيد الأخير مطلع كانون الثاني 2026، بدا واضحاً أن الكلفة الإنسانية تقع على المدنيين عند خطوط التماس وعلى جانبيها؛ ومعنى ذلك أن استمرار الجيوب لا ينتج أمناً ذاتياً بقدر ما ينتج دورة تصعيد قابلة للتكرار، كل مرة بذرائع جديدة، وكل مرة على حساب المدنيين. وفي اقتصاد المدن، لا يوجد شيء أكثر تدميراً من التصعيد الدوري لأنه يمنع أي تخطيط استثماري متوسط الأجل، ويعيد إنتاج الهجرة الداخلية، ويضغط على الأسواق والخدمات ويحوّلها إلى رهينة للسياسة.
إجراء حاسم
وعلى هذا الأساس فإن الحكومة السورية قررت التدخل عسكرياً لإزاحة هذه الجيوب والتخلص من هذه الميليشيات المتمركزة في حيي الأشرفية والشيخ مقصود والأحياء الأخرى التي تسيطر عليها، ولهذا افتتحت الحكومة السورية ممرات إنسانية لخروج المدنيين، مع وضع مهلة لبدء عمل عسكري مباشر ضد هذه الميليشيات. والذي يبدو أنها لن تتراجع عن حسم هذا الملف لمرة واحدة وبشكل نهائي وإلا فإن أي كلفة أي حل آخر هو أكثر من كلفة هذا الحل.
على جانب آخر، يصبح الحديث عن دمج قسد داخل الجيش السوري، بصيغته الفضفاضة، حديثاً مضللاً إذا لم يبدأ من شرطين، الأول: التفريق بين اتفاقات الشرق واتفاقات حلب. ما يُناقَش في المحافظات الشرقية له سياقه وترتيباته، لكنه لا يبرر إبقاء جيوب مسلّحة داخل حلب. بل يمكن القول إن «سعر» أي مرونة حكومية في ملف الدمج الوطني يجب أن يبدأ من حلب: خروج التشكيلات المسلحة من الشيخ مقصود والأشرفية وما حولهما، وتسليم الملف الأمني حصراً لوزارة الداخلية ومؤسسات الدولة وفق اتفاق 1 نيسان 2025.
دمج قسد بعد حسم ملف حلب
الثاني: استحالة الدمج المؤسسي لمن تورط في استهداف المدنيين دون مسار عدالة/فرز (Vetting) وبرامج، (DDR) ، وهي نزع السلاح وتسريح الجنود وإعادة الاندماج، لتضمين من مارس القنص أو الاستهداف المتعمد أو الاختفاء القسري داخل منظومة الجيش والأمن لا ينتج «جيشاً وطنياً»، بل يزرع منطق الميليشيا داخل المؤسسات، ويحوّلها إلى بنية قابلة للانقسام والابتزاز من الداخل. هذا ليس موقفاً أخلاقياً فقط، بل ضرورة أمنية: الدولة التي تريد الاستقرار لا تستورد إلى مؤسساتها عناصر عليها شبهات انتهاكات جسيمة، أو من لهم ارتباطات مع جهات غير سورية تأتمر بأمرها، ثم تتوقع أن يبقى الجهاز الأمني موحداً ومحكوماً بالقانون.
وهنا تحديداً تبرز أهمية برامج نزع السلاح والتسريح والإدماج «DDR» وإصلاح القطاع الأمني«SSR» بوصفها الحلقة المفقودة لأي استقرار بعد النزاعات، لأنها تسمح بتفكيك البنى المسلحة وإعادة توطين الأفراد وفق معايير مهنية وقانونية، وتفتح مساراً للفصل بين من يمكن استيعابه ومن يجب محاسبته.
مدينة على أعتاب النهوض ولكن..
خلاصة القول: حلب اليوم أمام نافذة اقتصادية حقيقية، لكن نافذة الاقتصاد لا تُفتح بالمراسيم ولا بالمؤتمرات ولا بحملات التبرع وحدها. تُفتح أولاً بإجابة أمنية واحدة: لا جيوب خارج سيطرة الدولة داخل المدينة. وحين تُحسم هذه المعادلة بضوابط تحفظ المدنيين وتطمئن المكوّن الكردي، عندها فقط يمكن أن يصبح رفع العقوبات والتجارة الدولية أدوات نمو فعلي، لا مجرد «فرصة ضائعة» أخرى في سجل مدينة دفعت ما يكفي من أثمان الانقسام.