بين «النسوي» و«النسائي»: الباب ما زال مغلقاً
10. آذار 2026
لسنواتٍ طويلة، ناقشت السوريات ما إذا كان الخطاب النسوي أو اللغة الأكثر محافظة حول «قضايا المرأة» هو الطريق الأفضل للوصول إلى المشاركة السياسية. لكن بعد نتائج انتخابات مجلس الشعب الأخيرة، باتت حقيقة واحدة لا يمكن تجاهلها: بغضّ النظر عن اللغة التي يستخدمنها، ما زالت النساء مُستبعَدات من مراكز السلطة.
منذ أشهر، وفي أحد الاجتماعات النسائية بعد إعلان نتائج انتخابات مجلس الشعب، كانت القاعة مليئة بالنقاشات والتحليلات. بعض الحاضرات كنّ يتحدثن عن ضعف الحملات الانتخابية للنساء، وأخريات عن غياب الدعم الحزبي، وأخريات كن يشكين تخلي الإخوة الذكور عنهن بعد مئات الوعود التي أبرموها لدعمهن، بينما انشغل عدد منهن بمراجعة الأرقام: كم امرأة وصلت إلى البرلمان؟ ومن أي المحافظات؟ غير أن الحقيقة التي ظهرت مع إعلان النتائج بأنه في بعض المحافظات لم تصل امرأة واحدة إلى البرلمان. عند تلك اللحظة تحديداً، قالت سيدة محافظة كانت تجلس في الجهة المقابلة من القاعة جملة قصيرة أوقفت النقاش المحتدّ للحظة: «يبدو أن المشكلة ليست بيننا نحن النساء، المشكلة أن المجتمع نفسه ذكوري». كانت الجملة مفاجئة، فهذه السيدة نفسها كانت في نقاشات سابقة، من أشد المنتقدات لهذا الطرح. كانت ترى أن الحديث عن مجتمع ذكوري هو جزء من خطاب نسوي متشدّد، وأن المشكلة ليست في المجتمع بل في طريقة طرح القضية.
صراع الخطابين: النسوي أم النسائي؟
لسنوات طويلة، بدا النقاش حول قضايا النساء في سوريا وكأنه يدور حول صراع واضح بين خطابين: النسوي والنسائي. فالنسويات كنّ يتحدثن عن مجتمع ذكوري يعيد إنتاج نفسه عبر المؤسسات السياسية والاجتماعية، ويُقصي النساء من مواقع القرار. بالنسبة لهن، المشكلة بنيوية متمثلة بقوانين غير عادلة، بتمثيل سياسي ضعيف، وبثقافة عامة تنظر إلى السياسة باعتبارها مجالاً للرجال فقط. في المقابل، كانت كثير من النساء المحافظات تتحفظ على هذا الطرح، فبالنسبة لكثيرات منهن، لم تكن فكرة المجتمع الذكوري توصيفاً دقيقاً بقدر ما كانت خطاباً صدامياً مع المجتمع. المشكلة في نظرهن، ليست في المجتمع نفسه بل في الخطاب النسوي الذي لا يحترم الثقافة الاجتماعية أو يستورد مفاهيم غربية لا تنتمي إلى السياق المحلي.
من المجتمع المدني إلى اختبار السياسة
هذا الخلاف لم يكن نظرياً فقط، ففي المجتمع المدني السوري، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، وحتى داخل المبادرات التي تقودها النساء نفسها، بدا أحياناً وكأن النقاش حول قضايا النساء يتحول إلى صراع وجودي بين النساء أنفسهن. ولطالما تكررت ذات الأسئلة: من يملك شرعية تمثيل النساء؟ ومن يحدد طبيعة القضايا التي يجب الدفاع عنها؟ هل يجب أن يكون الخطاب النسوي صريحاً في المطالبة بالمساواة الكاملة في الحقوق والسلطة، أم أن الدفاع عن النساء يمكن أن يتم أيضاً ضمن إطار اجتماعي محافظ لا يرى تعارضاً بين تمكين المرأة والحفاظ على دورها في الأسرة؟ وفي كثير من الأحيان، تم تقديم هذا الخلاف على أنه المعركة الأساسية أو مربط الفرس، غير أن التحولات السياسية غيرت مجرى النقاش، ووضعته أمام اختبار مختلف تماماً.
انتخابات كشفت ما وراء الخلاف
بعد سقوط النظام، اعتقد الكثير من النساء أن تاريخ سوري جديد يُخَط اليوم، وأنهن سَيَكُنّ حتماً جزءاً أساسياً منه، فخلال سنوات الثورة، لعبت النساء السوريات أدواراً أساسية في المجتمع، دخلن غمار السياسة رغم كل الضغوط التي تعرضن لها، قدن مبادرات إنسانية، وأدرن شبكات دعم اجتماعي، وأسسن مساحات للحوار الأهلي في وقت كانت فيه مؤسسات الدولة تتآكل. وفي كثير من المناطق، كانت النساء أيضاً من تولين مسؤوليات اجتماعية واقتصادية لم يكنّ يشغلنها سابقاً. لذلك بدا من الطبيعي أن ينعكس هذا الحضور في شكل الدولة الجديدة.
غير أن الواقع السياسي لم يعكس هذا الحضور. عندما تشكلت الحكومة، أتت النتيجة، بوزيرة واحدة فقط، في بلد يشكل النساء فيه أكثر من نصف السكان. هذه إشارة واضحة إلى أن المجال السياسي ما زال، إلى حد بعيد، مجالاً أحادياً يسيطر عليه الذكور.
رغم ذلك، لم تفقد النساء السوريات الأمل، واعتقدن بأن الانتخابات البرلمانية قد تفتح المجال أمام تمثيل أوسع للنساء. ففي كثير من التجارب السياسية، تكون الانتخابات فرصة لدخول وجوه جديدة إلى الحياة العامة. كما أن كثيراً من الناشطات والفاعلات المجتمعيات كنّ يعتقدن أن حضور النساء في المجتمع المدني قد يتحول إلى رصيد سياسي يمكن البناء عليه في صناديق الاقتراع. لكن نتائج الانتخابات كانت مخيبة للآمال، فلم يكن التمثيل النسائي ضعيفاً فحسب، بل غائباً تماماً في بعض المناطق. محافظات كاملة لم تصل منها امرأة واحدة إلى البرلمان.
اكتشاف متأخر: الباب مغلق أمامهن جميعاً
عند تلك اللحظة تحديداً، بدا أن النقاش القديم بين النسوي والنسائي أقل حدة، فالنساء اللواتي أمضين سنوات في النقاش حول الخطاب الأنسب للدفاع عن حقوق النساء اكتشفن فجأة أن المشكلة أعمق بكثير من مجرد اختلاف في اللغة أو المرجعية الفكرية. المشكلة أن المجال السياسي نفسه ما زال مغلقاً أمام النساء، ومن كان يجابه خطاب حقوق النساء بسردية أن الناس يموتون نتيجة القصف، وملايين منهم في المخيمات، فلا وقت للحديث عن حقوق نخبوية (أي حقوق النساء) أصبح اليوم يقول بأنها مرحلة انتقالية، والأهم هو الأمن والاستقرار الاقتصادي.
المفارقة أن هذا التأجيل سواء جاء من خصوم الخطاب النسوي، أو من حلفاء مُفترضين لقضايا النساء، أتى بذات النهاية: الانتظار. انتظار اكتمال بناء الدولة، وانتظار انتهاء الحرب على إيران، وانتظار وجود حل لثقب الأوزون والتغير المناخي، وكأن مشاركة النساء في السياسة رفاهية، يمكن تأجيلها والتفكير بها لاحقاً، بعد أن تُحل القضايا الأكثر إلحاحاً.
بالحقيقة، الأكثر إلحاحاً اليوم، هو إجابة صادقة على أسئلة عديدة: هل ستنتظر النساء السوريات، نسويات كنّ أم محافظات، حتى يقرر شركاء الثورة الوقت المناسب لمشاركتهن؟ وهل سيتحول النقاش الآن إلى جدل جديد حول من الذي يغلق الباب، ومن الذي سيفتحه؟