اللحى والزعامة في سوريا
18. يناير 2026
في سوريا اليوم، يبدو أن الجميع قد وجد الله، حتى الماركسيون. لكن تحت أقنعة التديّن والمسرح الديني، تعقد جماعات من الأقليات لا يجمعها الكثير صفقاتٍ هادئة لإقصاء الإسلاميين والحفاظ على أسلوب حياة «منفتح».
أهاج سهيل الحسن، الشهير بلقب النمر، الشجون عندما ذكر في تسريب بُثّت منه مقاطع على قناة الجزيرة: «إنه عسكري وأمني وسياسي، ولكنه رجل دين قبل السياسة والأمن والعسكرة»!
كان الصراع بين البعث والإخوان المسلمين مقنّعاً إبان الثمانينيات، على الأقل من جهة العلويين الرفاق المنتسبين إلى البعث الاشتراكي، حتى لا يُهيِّج السنّة ضد العلويين، ولتصوير المعركة على أنها بين تقدميين ورجعيين، اشتراكيين وإقطاعيين، ومن هنا جاء الشعار: «لا حياة في هذا القطر إلا للتقدم والاشتراكية».
هذا التصريح ليس فريداً لسهيل النمر، فهو مؤسس فرقة الطراميح، واسمها مقتبس من اسم الشاعر الشيعي الطرماح، فقد كتب علي بن أبي طالب جواباً لمعاوية بن أبي سفيان، وحمله الطرماح إلى الشام، وعندما دخل إلى معاوية خاطبه بـ «السلام عليك يا أيها الملك»، فقال له: وما منعك أن تقول: يا أمير المؤمنين؟ قال الطرماح: نحن المؤمنون، فمن أمّرك علينا؟ وجرت بينهما مناظرة مشهورة.
الرؤى والمبشرات
أطلق سهيل الحسن لحيته مبكراً، ويقال إن له ثلاث نسخ، فصوره لا تتشابه مع بعضها، ويمكن أن نتذكر أن اللحية إبان صعود عهد البعث كانت تهمة، لأنها رمز إسلامي وسنّة مشهورة، بل هي واجب في أكثر المذاهب الإسلامية، إلى أن أعفى باسل الأسد لحية قصيرة، فأطلق كثير من الشباب لحاهم، زينة أو تقوى، وتذرعوا بتقليده.
وقد كان سهيل النمر ميّالاً إلى استلهام التاريخ بإنشائه فرقة الطراميح، وهو يلفظ الاسم ملحّناً كعادته، مخطئاً في نطقه، وكان قد وصف حافظ الأسد بالمقدّس، وهي ليست حالة خاصة مفردة؛ فثمّة ميل سوري معاصر لدى الزعامات إلى الدين، وجمع الدين والدنيا في عصمة واحدة، وفي الحروب يبرز الدين لتجييش الناس، فهم على مقربة من الآخرة.
وفُوجئ الناس برامي مخلوف، صيرفي النظام المسقوط، قبل فترة قصيرة، وهو يأمر الناس، مبلّغاً عن علي بن أبي طالب ، أن يتجنبوا الثورة حالياً، وأن يمكثوا أحلاس بيوتهم إذا أقبلت فتنة الشام، مقتبساً من كتب الجفر المنسوب لعلي ، فهو يظن أن الشيخ غزال وهيب غزال يستبق الغيب، وربما شعر بغيرة منه، وأن أمر الثورة لم يحن بعد حسب الإرهاصات والمبشّرات الغيبية، طالباً من العلويين أن يكفّوا عن أي نشاط، سلمي أو مسلح، خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام 2026، واعداً إياهم بالفرج بعد ذلك إذا التزموا بالتعليمات الغيبية التي تأتيه في الرؤى والمبشرات.
أما الشيخ غزال وهيب غزال، الذي يتزعم العلويين هذه الأيام، فقد صعد نجمه بسرعة، وجلس على عرش القيادة الروحية للعلويين، وأحرق متظاهرون صورة بشار الأسد الذي خان الطائفة وهرب بنفسه وماله، متبرئين منه لصالح القيادة الروحية الجديدة. وهو شيخ مهيب الهيئة، أبيض اللحية، دارس للشريعة، وحاصل على شهادات من دمشق ولندن، ومن أسرة علماء، شغل مناصب إفتاء في اللاذقية وسوريا، ويدعو إلى حكومة علمانية لا مركزية في سوريا.
الصعود إلى القمة
وبرز بعد انتصار الثورة اسم الشيخ حكمت الهجري لدى الدروز، الذي خلف أخاه أحمد الهجري الذي قضى في حادث سير يُشتبه في أنه جريمة قتل دبّرها النظام، وقد خفت بصعوده ذكر الشيخين حمود الحناوي ويوسف الجربوع. قد يُقال إن هذا ردّ على حكم السلفية السنيّة التي توصف بالوهابية، متمثلة بهيئة تحرير الشام، وهي فصيل إسلامي قاد الفصائل نحو الانتصار، ودحر نظام حكم سوريا نصف قرن بالحديد والنار.
ليس من بين الفصائل السورية المحررة فصيل واحد علماني؛ فالعلماني يريد العيش برغد وسلام، وتقلّ عنده التضحية بالنفس الغالية، في لحظة المعركة، حين يقترب الموت، يتذكر المرء مكانه في الآخرة. وكان النظام طائفياً مقنّعاً بالعلمانية والبعث، أما أحمد الشرع، قائد هيئة تحرير الشام، فيتخفف في ظهوره من كثافة التدين؛ كأن يحاول الظهور بمظهر الرئيس الرياضي الذي يلعب السلة، بل والبلياردو، وهي لعبة افرنجية وفردية، أو يظهر مع المذيعات من غير مصافحة.
سلالة صوفية
تبقى الحركة الأصولية الثالثة، هي الإدارة الذاتية الكردية، التي تقودها قوات سوريا الديمقراطية، وأصوليتها ماركسية متزمتة، قائدها حليق طفولي الوجه، تعظّم شأن قائدها عبد الله أوجلان في المناهج الدراسية تعظيماً يبلغ شأن التأليه، وترفع صوره على طريقة البعث وكوريا الشمالية، وتدرّس في مناهجها نظريات داروين في التطور وعشتار النسوية. بل إن قائد قوات سوريا الديمقراطية يتجنب المساجد، والدين حمداً أو ذماً، على خلاف عساكره الذين يسخرون من الدين؛ فلم يظهر في مسجد قط مباركاً للشعب عرباً أو كرداً في أعياده، كما يجدر بقائد يجامل شعبه، ولم تُسجّل له عبارات دينية قط. لكن شيخاً من آل الخزنوي هو مرشد معشوق الخزنوي تطوّع ليكسو وجه الإدارة الذاتية بلحية دينية، فهو يواليها ولاءً شديداً ويدافع عنها في المحافل الإعلامية، ووسائل التواصل الاجتماعي.
تحالف مفتوح
بين هذه الحركات الثلاث تحالف ظاهر، وكانت الـ «واشنطن بوست» قد سرّبت تقريراً عن تحويل إسرائيل إلى «قسد» ملايين الدولارات لتحويلها إلى جنود الهجري في السويداء. فكيف يمكن تفسير حلف بين متنافرين عقائدياً؟
الحق أن التشاكس ظاهري، فما يجمع الأطراف الثلاثة أمران؛ عداوة الفصائل الإسلامية الحاكمة، ويجمعها أيضاً الحرية الاجتماعية، ولباس المرأة، وإباحة كثيرة مما تحرمه الفصائل الإسلامية من الكبائر والمحرمات.