الإعلام السوري: ضجيج «الإنجازات» وصمت الملفات الساخنة

12. يناير 2026

كان من المفترض أن يلعب الإعلام السوري بعد الثورة دور الرقيب على السلطة ويحاسبها. لكنّه، بدلاً من ذلك، همّش الصحفيين ذوي الخبرة، وتجنّب القضايا الحسّاسة، ولم يعلُ صوته إلا عند ترديد الخطاب الرسمي.

بعد انتصار الثورة السورية، شهدت البلاد تحولات سياسية كبيرة، كان من أبرزها دخول الإعلام السوري مرحلة «ما بعد التحرير»، وسط توقعات عالية لدى الشارع السوري والعالم العربي بأن يتجاوز الإعلام إرثه السلبي، ويتحوّل إلى مساحة حقيقية للنقد والمساءلة، ومرآة تعكس نبض الشارع وهمومه وتطلعاته المستقبلية.

إلا أن الواقع حتى اليوم، يبدو بعيداً عن هذا الطموح؛ إذ يظهر الإعلام السوري في حالة لا ترضي الكثيرين نتيجة ضعف أدائه، وتعثره في تغطية قضايا تمس الواقع السياسي السوري والمعيشي والخدمي للمواطنين، وغياب شبه كامل للتحقيقات الاستقصائية، والتحليلات السياسية للملفات الساخنة.

صحيفة الثورة نموذجاً

يُعدّ نقص الخبرات الميدانية والتحريرية من أبرز مشكلات المرحلة الحالية، إذ إن عدداً من الصحفيين والإعلاميين الجدد الذين جرى توظيفهم تحت شعارات «التجديد» لا يمتلكون الخبرة الكافية في مجالات التحقيق الصحفي، والتغطية الميدانية الدقيقة، وفهم السياقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المعقدة، ويسهم هذا النقص في إبقاء الإعلام حبيس الخبر السطحي والمكرر، بدل أن يكون أداة فاعلة في مساءلة الواقع، وتحليل أسبابه.

رغم تاريخها الطويل، تُظهر صحيفة «الثورة السورية»، التي أعادت وزارة الإعلام إصدارها ورقياً منذ نحو شهر بعد أن صدرت إلكترونيا منذ أشهر، ضعفاً واضحاً في التحرير والتحليل الصحفي الجاد. إذ غالباً ما تكتفي الصحيفة بإعادة صياغة بيانات الجهات الرسمية، دون تفكيك للأحداث أو بحث في خلفياتها ومعانيها أو إبداء الرأي في مضمونها، ما يجعل محتواها أقرب إلى النشرة الرسمية منه إلى العمل الصحفي.

ولا يبدو هذا الضعف مفاجئاً، بل هو نتيجة تراكم سنوات من السيطرة المؤسسية على الصحافة زمن النظام البائد، وغياب ثقافة النقد والتحقيق الاستقصائي، والاعتماد على أنماط تقليدية في الكتابة. ولولا ما يقدمه بعض الكُتّاب المستكتبين في زوايا الرأي من مقالات متنوعة وجاذبة، لما حظيت الصحيفة باهتمام يُذكر من القراء.

أداء وزارة الإعلام: إدارة تقليدية لمرحلة جديدة

كان من المتوقع أن تقود وزارة الإعلام، برئاسة وزيرها، عملية إصلاح حقيقية في بنية الإعلام، بما يجعله أكثر مهنية وانفتاحاً. إلا أن الأداء الحالي يشير إلى إدارة جامدة، لا تزال مرتبطة بمركزية القرار.  

فما نلاحظه من صمت في الإعلام حيال قضايا سياسية هامة كملف اتفاق العاشر من آذار بين قسد والقيادة السورية، وهو من أهم الملفات السياسية حالياً ، يؤكد عل هذا الضعف، إذ أنه لا يذكر هذا الملف إلا كخبر سريع، مما يترك المواطن ضحية للتكهنات و الإشاعات وتحليلات بعض القنوات التي تقلقه بدل أن تطمئنه، ولتغدو المصدر الرئيس لمعلوماته. 

بينما نلاحظ أن قسد ورغم محدودية إعلامها فإنها تعلق على مجريات مباحثاتها بينها وبين السلطة السورية من خلال تصريحات مسؤوليها، وهذا ما يفتقر إليه إعلامنا، وكذلك الأمر يحصل في تعامل الإعلام الوطني مع ملف المفاوضات السورية الإسرائيلية ، فنرى أن ما تلقاه السوريون بشأنها فمصادرها إما وكالات او صحف أجنبية أو قنوات فضائية تابعة لدول عربية، أما إعلامنا فلا يورّد عنها سوى خبراً عادياً، وكأن الأمر لا يعنيه.

وعلى الرغم من تأكيد الوزير وجود تقدم في الإعلام السوري، إلا أن هذا الخطاب لا يواكبه تحرّك حاسم لمعالجة إقصاء الصحفيين المخضرمين، أو سدّ فجوة الخبرة المهنية لدى الكوادر الإدارية والإعلامية، التي يبدو أنها تعتمد في الغالب على معارف نظرية حديثة، دون رصيد عملي كافٍ، أو الاعتماد على مرجعيات إعلامية تمتلك الخبرات الكافية في هذه المؤسسة.

غياب النقد الحقيقي لأداء الحكومة

يعكس غياب النقد البنّاء مشكلة عميقة في الإعلام السوري بعد التحرير، إذ لا يزال الإعلام عاجزاً عن تسليط الضوء على الأخطاء أو التجاوزات الحكومية، ما يحوّله إلى قناة ترويج للقرارات السياسية، بدل أن يكون منصة تحليل وتقييم موضوعي ليُشعر الحكومة أنها مُراقبة من أجل دفعها إلى تحسين الأداء والرقي بها في مؤسساتها.

فالإعلام الوطني يُفترض أن يكون مرآة للمجتمع وصوتاً للناس، وأداة للمساءلة والتغيير. وعندما يتحول إلى مجرد ذراع للحكومة، يفقد المجتمع قدرته على فهم القضايا الوطنية بعمق، وهو ما يعكس ضعفاً واضحاً في الدور الوظيفي للإعلام.

العودة إلى الأعلى
Cover image

ياسر الظاهر

كاتب وناقد سوري

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية