شراء قميص في سوريا درس في الحساب الذهني
6. نيسان 2026
ما كان يُفترض أن تكون رحلة سريعة لشراء قميص لطفلة، تتحوّل إلى تجربة محبطة من فوضى العملات. هذه هي الحياة اليومية في سوريا، حيث كل شيء أصبح أكثر تعقيداً مما ينبغي.
نزلتُ أنا وابنة أخي إلى السوق لشراء قميص. كان المحل يضع تسعيرته بالدولار وكأننا في تكساس. الدولار أصبح العملة التي أصبحت منتشرة حتى على بسطات الخضرة… رحم الله الأيام التي كان مجرد ذكر اسمها يُعدّ جريمة.
في السوق لا شيء يبدو ثابتاً، أصوات الباعة تتداخل مع أصوات الزبائن وحركة الناس لا تتوقف وكل شخص يحاول أن ينهي ما جاء من أجله بأسرع وقت ممكن، وكأن السوق نفسه أصبح مساحة للتوتر أكثر من كونه مكاناً للشراء.
بعد أن اختارت الصغيرة قميصها وجدتُ نفسي أمام معضلة حقيقية: السعر مكتوب بالدولار وعليّ أن أحوّله إلى الليرة السورية ثم أعود لأفهم قيمته بعد كل التغيرات التي طرأت على العملة، ثم أجد نفسي أحاول فهمه مرة أخرى بالليرة السورية الجديدة بعد أن تم حذف صفرين من العملة.
وقفتُ في منتصف المحل أحرك يدي في الهواء كما يفعل عباقرة الحساب الذهني… أكرر الأرقام بصوت منخفض محاولةً أن أستوعب، لكنني في النهاية لم أصل إلى نتيجة واضحة. لم يكن السبب ضعفاً في الحساب بل أن المعادلة نفسها لم تعد منطقية.
سألتُ البائع عن السعر بالليرة فأجاب باختصار بالدولار، لم يعد هناك مجال للنقاش وكأن السوق قد حسم أمره وفرض عملته الخاصة.
تعددت العملات والوطن واحد
لم تعد المشكلة في هذا القميص وحده بل في كل ما يحيط به. الأسعار تختلف من منطقة إلى أخرى ومن محل إلى آخر دون وجود معيار واضح أو رقابة حقيقية تضبط السوق، وكأن كل بائع يضع قوانينه الخاصة وكل منطقة تعيش واقعاً اقتصادياً مختلفاً.
وإذا اتجهنا إلى الشمال السوري سنجد عملة مختلفة تماماً حيث يستخدم السكان هناك الليرة التركية. فهل هناك مبرر واضح لاستخدام عملات دول أخرى بعد أكثر من سنة على سقوط النظام وتوحد الأرض السورية.
والغريب في الأمر أن بعض المحلات التي تفتح لها أفرع في المحافظات السورية تضع أسعارها في دمشق بالدولار وفي عفرين بالليرة التركية وكأننا في أسواق مختلفة داخل وطن واحد.
ورغم ذلك، لم يلتفت الكثيرون إلى حقيقة بسيطة: أن المواطن السوري ما زال يتقاضى راتبه بالليرة السورية، ورغم الزيادات التي يفرح بها الموظف أحياناً إلا أنها في كثير من الأحيان لا تتجاوز مئة وخمسين دولاراً بل أقل من ذلك.
وهنا تبدأ المعادلة الحقيقية: دخل محدود مقابل أسعار تُقاس بعملة لا علاقة لها بهذا الدخل.
لم يعد الأمر مجرد حساب مالي بل أصبح أسلوب حياة قبل أن يقرر أي شخص شراء سلعة بسيطة عليه أن يمر بسلسلة طويلة من الأسئلة: هل أستطيع؟ هل هذا السعر مناسب؟ ماذا عن باقي الشهر؟ هل أؤجل هذا الشراء؟ هل أستطيع تعويضه لاحقاً؟
كانت ابنة أخي تنظر إليّ باستغراب، وهو غريب حقاً، فشراء قميص يجب أن يكون أمراً بسيطاً بالنسبة لها، فهي تختار وتدفع وتنتهي القصة، لكنها شاهدت شيئاً مختلفاً. رأتني أحاول حل معادلة لا يُفترض أن تكون معقدة، لكن الواقع جعلها كذلك.
لا شيء ثابت
ليس غريباً أن تمر دول بأزمات اقتصادية وتلجأ إلى استخدام عملة أخرى كما حدث في دول عديدة، مثل لبنان بعد حروبها الأهلية وأزمة البنوك اللبنانية عام 2019 وفقدان الثقة بالعملة بشكل كبير، لكننا في سوريا لم تصل عملتنا الى انهيار يوصل التجار والمواطنين الى فقدان الثقة بها. ربما يمكن الاستيراد والتصدير بالعملة الأجنبية، لكن ما الحكمة من التسعير الداخلي بها في البيع والشراء؟
فنحن هنا نعيش واقعاً مختلفاً، عملة ما زالت قائمة لكنها فقدت جزءاً كبيراً من قدرتها على التعبير عن قيمة الأشياء. أنا لستُ خبيرة في الاقتصاد أو الاقتصاد السياسي، ولكني مواطنة سورية عادت إلى وطنها بعد سنوات غربة طويلة، وسؤالي الأهم هنا: هل يمكننا دعم عملتنا المحلية إذا قمنا بالتعاملات المالية الداخلية بها؟ إن كان الجواب نعم، فيجب محاسبة التجار الذين يضعون رمز الدولار في وجوهنا في كل مرة.
المشكلة لا تتوقف عند العملة بل تمتد إلى الشعور العام. لم يعد هناك معيار ثابت يمكن الاعتماد عليه. كل شيء قابل للتغير: السعر، الدخل، وحتى التوقعات، وهذا يخلق حالة من عدم الاستقرار تجعل الإنسان يعيش في حالة حساب آني دائم حتى في أبسط تفاصيل يومه.
والأصعب من ذلك أن هذا الشعور يتسلل بهدوء إلى تفاصيل الحياة كلها. والقلق لم يعد مرتبطاً فقط بالأمور الكبيرة بل أصبح حاضراً في كل قرار بسيط من شراء قميص إلى تأمين احتياجات البيت إلى التخطيط لليوم التالي.
في النهاية لم أعد أفكر في القميص الذي خرجنا لشرائه بقدر ما فكرت في السؤال الذي بقي عالقاً في ذهني:
كيف أصبحنا نحسب كل شيء بالدولار… ونعيش بالليرة؟
خرجتُ من المحل وأنا أحمل القميص… وأحمل معه شعوراً آخر بأننا لم نعد فقط نشتري بل نحاول أن نفهم هذا الواقع، دون أن نجد له إجابة واضحة.
وفي النهاية، ربما لم تكن المشكلة في القميص الذي لم أستطع حساب سعره، بل في واقع جعل أبسط الأشياء تحتاج إلى كل هذا الجهد، بينما كان يفترض أن تكون واضحة وبسيطة وبعيدة عن كل هذا التعقيد.