حرِّروا سجناء صيدنايا!
3. يناير 2026
حين فُتحت أبواب صيدنايا، ظنّ كثيرون أن القصة انتهت. لكن ما تلا الحرية كان عقاباً آخر: إهمال، مرض، وصمت دولة تركت الناجين يواجهون مصيرهم وحدهم.
حين فُتحت أبواب سجن صيدنايا، جرى التعامل مع اللحظة بوصفها نهاية القصة. كان تحرير سجناء صيدنايا هو أبرز ما حدث في أوائل أيام تحرير دمشق: معتقلون يخرجون وسط الأهازيج والاحتفالات، وعدسات تلتقط المشهد وتنشر على النت. ولكن في الواقع، لم يكن ذلك سوى بداية مرحلة جديدة لهم من العقاب، أقل صخباً، وأكثر صمتاً: مرحلة ما بعد السجن، حيث يُترك الناجون وحدهم في مواجهة المرض، والذاكرة، وانعدام أي سياسة عامة للإنصاف.
مضى عام على التحرير وخروج المعتقلين من السجن، التقيت بعدد من هؤلاء المعتقلين السابقين، وخلى كلامهم من أي إحساس بالانتصار. على العكس، كان هناك إدراك قاسٍ بأنهم خسروا سنوات كاملة من أعمارهم، وصحتهم، وقدرتهم على العمل، دون أي اعتراف رسمي بأن ما تعرضوا له جريمة دولة تستوجب المحاسبة وجبر الضرر.
مرض جماعي.. وتخلٍّ جماعي
كان معظم من التقيتهم قد خرجوا من السجن مصابين بمرض السل، وهو مرض خطير ومعدٍ يتطلب استجابة صحية عاجلة ومنظمة، لكن الصادم أن أي من المشافي لم يكن مستعداً لاستقبالهم. لم تُعلن حالة طوارئ صحية، ولم تُخصص أقسام علاج خاصة بهم على نفقة الدولة، ولم تُوضع أي خطة تدخل. عوضاً عن ذلك، تُرك هؤلاء الشبان ليعالجوا أنفسهم على نفقتهم الشخصية، بأجساد خرجت لتوها من سنوات من التعذيب وسوء التغذية.
ليس هذا الإهمال تفصيلاً إدارياً، بل فشل أخلاقي وسياسي واضح.
حين يصبح الألم مادة إعلامية
جهة وحيدة بقيت على تواصل مع الناجين بحسب كلامهم، إذ بحثت وسائل الإعلام وصحفيين عن شهادات وعن قصص صادمة وصور قابلة للتداول. لكن مع مرور الوقت، أدرك المعتقلون السابقون أن ما يُطلب منهم ليس بهدف العدالة، بل التكرار: إعادة سرد الألم ذاته، مراراً وتكراراً، دون أي أثر عملي.
ولذا تحوّلت معاناتهم إلى محتوى إعلامي عابر، يُستهلك ثم يُستبدل، لا حماية، لا دعم نفسي، لا متابعة، ولا ضغط سياسي حقيقي ناتج عن هذه الشهادات. وهكذا يُفرَّغ الألم من معناه، ويُستخدم دون أن يُنقَذ أصحابه.
من سياسة التجويع إلى سياسة الإقصاء
قال لي أحدهم: «في الزنزانة كنت أفكر فقط بكأس الرز الصغيرة التي تصلني يومياً.. هل ستُبقيني حياً؟ اليوم، عليّ أن أفكر بكل شيء وحدي».
لا توجد برامج تأهيل حقيقية، ولا دعم نفسي مستدام، ولا سياسات إدماج جادة وفي المقابل، تُفرض عليهم شروط سوق العمل كما لو أنهم لم يُعتقلوا: العمر، الخبرة، الصحة التامة. كيف يمكن لمن قضى أكثر من عشر سنوات في الاعتقال أن يملك خبرة مهنية؟ وكيف يُطلب «الكمال الصحي» ممن خرج من السجن مريضاً في جسده وذاكرته؟
هذه ليست شروطاً محايدة، بل آليات إقصاء ناعمة، تُبقي الناجين خارج الحياة العامة، دون الحاجة إلى سجنهم مرة أخرى.
الحرية ليست حدثاً.. بل التزاماً
لا يطالب هؤلاء الشبان بامتيازات خاصة، وإنما بالحد الأدنى من العدالة: الاعتراف بأن ما تعرضوا له جريمة ممنهجة، وجبر ضرر حقيقي، وسياسات عامة تعترف بأن الحرية لا تبدأ عند باب الزنزانة.
ليس السؤال هو ماذا عليهم أن يفعلوا ليخرجوا من السجن فعلياً؟ وإنما السؤال الحقيقي هو: لماذا تُركوا وحدهم بعد أن دفعوا الثمن الأكبر؟ فالحرية التي لا تتبعها عدالة، ولا رعاية، ولا مساءلة، ليست بحرية، وإنما شكل آخر من أشكال العقاب، أقل وضوحاً، لكنه أكثر ديمومة.
ما المطلوب الآن؟
ما يحتاجه الناجون من صيدنايا هو إجراءات واضحة وبسيطة في جوهرها، لكنها حاسمة في معناها السياسي.
أولها اعتراف رسمي وصريح بأن ما جرى في صيدنايا وباقي السجون جريمة ممنهجة تستوجب المساءلة، لا مجرد «انتهاكات» عابرة.
ثانيها توفير رعاية صحية عاجلة ومجانية للناجين، تشمل العلاج من الأمراض المزمنة والدعم النفسي طويل الأمد، باعتباره حقاً لا منّة ثالثها فتح المجال أمامهم للتنظيم الذاتي وتوثيق أسمائهم وتجاربهم دون تجريم أو تهديد، لأن العدالة تبدأ من حق الضحايا في أن يُسمَعوا جماعياً
وأخيراً، إدماجهم في الحياة العامة والعمل عبر استثناءات عادلة تراعي سنوات الاعتقال وما خلّفته، بدل استخدام شروط العمر والخبرة والصحة كأدوات إقصاء جديدة.