كلفة المعيشة ليست تفصيلاً

29. ديسمبر 2025

بعد سقوط نظام الأسد كان من المفترض أن تكون الحياة أخفّ وطأة.
ولكن بالنسبة لمعظم السوريين، لقد أصبحت أكثر كلفة.

لم يعد لاحتفالات النصر وإسقاط النظام السوري ذات التأثير في نفوس السوريين، فقد أُنهِكوا طوال عام كامل بخطابات الانتصار وشعاراته، حتى باتت عبارة عن تكرارات بلا أي تأثير على حياتهم اليومية. بعد أن تلاشى بريق نشوة اللحظة الأولى، وجد السوريون أنفسهم أمام سؤال مصيري لا يمكنهم تأجيله: ماذا تغيّر فعلياً في حياتنا؟ أين هي ثمار النصر التي وُعِدنا بها، وأين تحسين الحياة وضمان حدٍّ أدنى من الكرامة الاقتصادية؟

اليوم، يشعر معظم السوريين بالارتياح لزوال نظام الأسد، ومعه أجهزة المخابرات وسجن صيدنايا، ولكن ما يبحثون عنه الآن ليس مزيداً من الأناشيد في الساحات العامة، بل عن رغيف خبز بسعر معقول، ورعاية صحية معقولة، وكهرباء مستقرة، وفرصة عمل تحميه من ذل السؤال. النصر، وفق المفهوم الشعبي، يُقاس بمدى قدرة المواطن على تأمين احتياجات أسرته دون خوف من الغد.

التضخم يلتهم زيادة الأجور

في ظل التضخّم المتسارع الذي تعيشه سوريا، لم تعد محاولات بعض الخبراء الاقتصاديين لتقديم صورة إيجابية عن الوضع المعيشي مقنعة في ظل واقع يومي صعب. صحيح أن الرواتب ارتفعت اسميّاً من نحو 300 ألف ليرة سورية (أي ما يعادل حوالي 25 دولاراً) إلى نحو 1.2 مليون ليرة (نحو 100 دولار)، لكن هذه الزيادة لم تتجاوز كونها رقماً، سرعان ما ابتلعته موجة تضخّم غير مسبوقة.

يُقال للمواطن إن الرواتب تحسّنت، لكنه يردّ بحساب بسيط لا يحتاج إلى نظريات اقتصادية معقدة. ربطة الخبز كان ثمنها 400 ليرة سورية في زمن النظام السابق، وأصبح اليوم 4000، وإذا احتاج إلى ربطتين يومياً، فقد كان ينفق نحو 24 ألف ليرة شهرياً، أمّا اليوم فعليه دفع حوالي 240 ألف ليرة. أما سعر أسطوانة الغاز، فقد قفز من 18 ألف ليرة إلى حوالي 125 ألف، وتضاعفت أجور النقل إلى ثلاثة أضعاف، وهذا يعني أن الزيادة المقدّرة بمليون ليرة شهرياً لم تعوّض التضخّم، بل يحتاج المواطن إلى أكثر من ثلاثة ملايين ليرة لمجاراة ارتفاع الأسعار.

خلال نفس الفترة، ارتفعت أسعار السلع الأساسية إلى مستويات قياسية، وسجلت أسعار بعض المواد الغذائية زيادة تصل إلى عشرة أضعاف، كما شملت الزيادات أسعار الخضار، واللحوم، ومشتقات الألبان، بالإضافة إلى تكاليف النقل والكهرباء والاتصالات، وكل هذا جعل أي زيادة في الراتب بلا قيمة حقيقية.

وبالفعل أصبح هذا الفارق الكبير بين الأجور والأسعار عند الحديث عن «تحسن معيشي» إلى مادة للسخرية في الشارع، فالموظف الذي كان يعاني سابقاً لتغطية نفقات نصف شهر، بات عاجزاً اليوم عن تأمين احتياجات أسبوع واحد، ومع غياب أي سياسات فعّالة لضبط السوق، بقي المواطن الحلقة الأضعف.

الفلسفة الاقتصادية تحتاج مراجعة

المشكلة ليست بالأرقام وحدها، بل في الفلسفة الاقتصادية التي تُدار بها المرحلة، فرفع الرواتب دون معالجة جذرية لأسباب التضخّم لن يؤدي إلا إلى مزيد من ارتفاع الأسعار. ويجمع المختصون على أن الاقتصاد السوري يعاني من مشاكل عديدة، بدءاً بتراجع القطاعات الإنتاجية، وصولاً إلى ضعف الاستثمارات وغياب بيئة اقتصادية جاذبة.

من جهة أخرى، يشعر كثير من السوريين بأن الأولويات الحكومية لا تزال بعيدة عن أولوياتهم الحقيقية. بينما تُنظَّم الفعاليات ويسود حديث الانتصار، يزداد الضغط على الطبقات الفقيرة والمتوسطة، التي تمثل الغالبية العظمى من المجتمع، ويكثر استياء الأفراد  من استمرار الخطاب الاحتفالي في وقت أصبح فيه تأمين لقمة العيش هو تحدي حقيقي.

يواجه الشباب، الذين كانوا وقود التغيير وأمله، اليوم واقعاً لا يقل قسوة عن السنوات السابقة، فمعدلات البطالة لا تزال مرتفعة، والفرص محدودة، والأجور في القطاع الخاص لا تتماشى مع تكاليف المعيشة، وهذا الواقع أعاد إحياء حلم الهجرة لدى شريحة واسعة من الشباب الذين يرون في الخارج فرصة للنجاة الفردية، في ظل غياب آفاق اقتصادية واضحة.

فجوة تحتاج إلى علاج

إن أخطر ما في المشهد الحالي هو تصدّع الثقة بين المواطن والقرارات الاقتصادية المعلنة، وغياب الشفافية، وضعف التواصل الواضح مع الشارع، والاكتفاء بتبرير الأزمات بدلاً من الاعتراف بها. هذه كلها عوامل تُعمّق الفجوة بين الناس وصنّاع القرار. 

ماذا يحتاج المواطن السوري اليوم؟ يحتاج إلى مدرسة يعلّم فيها أولاده، ومشفى للعلاج، وخدمات مستقرّة مثل الماء والكهرباء والغاز، ودخل شهري يكفيه حد الكفاف، ومساحة من الأمن له ولعائلته. أمّا من يعمل في الشأن العام فيحتاج بالإضافة إلى ما سبق، مساحة معقولة من ضمان حرية التعبير في جميع القضايا، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وفق قانون يضمن عدم الاعتداء الجسدي أو النفسي على ما يمارسه من حريات. فهل كل ما سبق تحقق بعد عام من إسقاط النظام البائد؟

في النهاية، لم يعد السوري مهتماً بسردية النصر بقدر اهتمامه بنتائجها، فالنصر الحقيقي، في نظره، يشمل الأمان الاقتصادي، وعندما يصبح دخله كافياً لتأمين حياة كريمة، وعندما يرى أن تضحياته لم تتحوّل إلى مجرد مادة للخطاب السياسي. وبين واقع معيشي يزداد صعوبة وخطاب رسمي لا يزال أسيراً نشوة الانتصار، يقف المواطن السوري اليوم في انتظار ثقيل طويل، ترقباً لسياسات شجاعة تعيد ترتيب الأولويات وتضع المواطن في قلب المعادلة.

العودة إلى الأعلى
Cover image

سامر العاني

صحفي سوري

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني.

* يشير إلى الحقول المطلوبة
العربية