من القوتلي إلى الشرع: الخيط السوري– السعودي في حروب اليمن

30. تشرين الأول 2026

بعد تسعة عقود على مساهمة شخص -أصبح لاحقاً رئيساً لسوريا- في الوساطة لإحلال السلام في اليمن، يثير تقارب الرئيس أحمد الشرع مع الرياض احتمال أن تضطلع سوريا بدور مختلف تماماً.

أعلن الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود تأسيس المملكة السعودية (الثالثة) عام 1932، لكن هذا الإعلان لم يُنهِ معارك حدود الدولة الناشئة؛ فبعد سنتين تقريباً نشبت حرب مع المملكة المتوكلية في اليمن نتيجة صراع على منطقتي عسير ونجران.

الأمير سعود، وليّ العهد الذي سيصبح ملكاً عام 1953 خلفاً لوالده، قاد القوات بنفسه في مواجهة قوات نظيره، الأمير سيف الإسلام أحمد، ابن الإمام يحيى، وشاركه في قيادة القوات الأمير فيصل (الذي سيصبح ملكاً بدوره عام 1964 بعد عزل أخيه غير الشقيق). كان فيصل يتأهب للتقدم من الحديدة إلى صنعاء حين قرّر الملك السعودي الموافقة على إعلان الهدنة التي طلبها الإمام. وجاءت الموافقة لأسباب عديدة، بينها شكوك الحكومتين الإيطالية (صاحبة النفوذ القوي في المملكة المتوكلية) والفرنسية (التي كانت تفرض نفوذها عبر مستعمراتها في الصومال الفرنسي، جيبوتي حالياً)، فضلاً عن عدم تأكده من موقف الحكومة البريطانية التي كانت تسيطر على مدينة عدن وتسع محميّات وعدد من السلطنات والمشيخات والإمارات في الجنوب، وعلى جزر استراتيجية بينها جزيرة ميون عند مدخل باب المندب وجزيرة سقطرى قبالة مدينة المكلا.

الكونسروة والضباط العثمانيون!

بدأت حينها مفاوضات في الطائف تحت إشراف «لجنة الوساطة العربية» التي تكوّنت من ممثلين لسوريا ومصر ودول عربية أخرى، برئاسة كلٍّ من المصري محمد علي علوية باشا، وشكري القوتلي الذي سيصبح رئيساً لسوريا لاحقاً، والذي كان حينها قيادياً بارزاً في «الكتلة الوطنية»، ورئيساً لمجلس إدارة معمل الكونسروة الوطني بدمشق، الذي أسّسه وألقى في افتتاحه عام 1934 خطاباً شهيراً عن تعزيز الاقتصاد الوطني السوري.

راوغ الإمام يحيى في توقيع الاتفاق، واستدعى الفريق علي سعيد باشا، قائد الجيش التركي في اليمن خلال الحرب العالمية الأولى وفاتح مدينة لحج، فسافر على الفور إلى صعدة للانضمام إلى قوات سيف الإسلام أحمد، كما انضم إليهم الأمير ألاي علي فهمي بك، وهو من ضباط الجيش التركي السابق. أثارت هذه التصرفات شكوك الملك عبد العزيز، وحذّره القادة العسكريون من أن الإمام ينتهز فرصة الهدنة «لجلب السلاح والذخيرة من الخارج».

إثر استعراض عسكري نفّذه جيشه في الطائف، وإقامة مأدبة عشاء لوفد الوساطة العربية لشرح تطوّر الأوضاع، وجّه ابن سعود تحذيراً نهائياً إلى الإمام يحيى لتنفيذ جميع شروط الاتفاق بحلول نهاية يوم 29 أيار/ مايو 1934. فوافق الإمام على الشروط ووقّع المعاهدة، فتثبّتت الحدود النهائية للمملكة مع اليمن.

خط الحجاز والحكومة الفاجرة!

خلال زيارة حجّ لاحقة للقوتلي إلى السعودية عام 1937، عقد اتفاقاً مع الملك عبد العزيز لتسيير الخط الحجازي من دمشق إلى المدينة. كان القوتلي حينها وزيراً للدفاع والمالية، وكان هاشم الأتاسي رئيساً للجمهورية، وجميل مردم بك رئيساً للحكومة، وفارس الخوري رئيساً لمجلس النواب. وكانت فرنسا قد شهدت انتخابات فاز فيها الاشتراكيون، فسعوا إلى عقد معاهدة استقلال مع السوريين، ثم ما لبثوا أن تراجعوا عنها. كما استغل مردم بك غياب القوتلي ومرّر عقوداً اقتصادية معلّقة، منها عقود تنقيب عن النفط مع فرنسا، مما تسبّب في استقالة القوتلي، وفي مشاعر سخط عبّر عنها الشاعر عمر أبو ريشة في قصيدة «العروسة»، التي وصف فيها الحكومة بـ«المُطلّقة الفاجرة»!

ستستخدم حكومة أحمد الشرع، بعد 90 عاماً على تلك الواقعة، قصيدة أخرى لأبي ريشة، «في سبيل المجد والأوطان»، كنشيد وطني (من دون اعتماده رسمياً)، فيما سيشكّل تأسيس هذا الحكم الجديد في 8 كانون أول/ ديسمبر 2024 انقلاباً جذرياً على منظومة العداء والتوتّر التي ميّزت علاقات نظام بشار الأسد مع الدول العربية، ودول الخليج خصوصاً.

استكمل الانقلاب معناه مع استعادة «سوريا الجديدة» علاقاتها العربية مع دول الخليج والأردن وحتى العراق، بل جعل العلاقة مع السعودية حجر أساس في تلك العلاقات. وقد تضفي ولادة الشرع في الرياض عام 1982، أثناء عمل والده في قطاع النفط السعودي، طرافة وطابعاً شخصياً على الحدث الذي مثّل، عملياً، عودة سوريا إلى جغرافيتها السياسية «الطبيعية». وبذلك استعاد الشرع، بطريقة مذهلة تاريخياً، الخيط السوري– السعودي المفقود، الذي كان القوتلي أحد أهم رموزه.

قوات النخبة إلى اليمن؟

ساهمت السعودية في تطبيع علاقة الحكم الجديد، وشخص الشرع نفسه، مع المجتمع الدولي. وكان ترتيبها للقاء الأول، المرتبك ولكن الحماسي، مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فاتحةً أدت إلى تحرّك أحجار الدومينو وسقوط العقوبات، وصولاً إلى السماح لسوريا باستيراد الأسلحة الأمريكية.

تثير وقائع حرب اليمن عام 1934 مقارنات لافتة؛ منها المساعدات التي تلقاها ملك اليمن من ضباط أتراك، في مقابل التحالف الدفاعي الذي أعلنته تركيا وباكستان مع السعودية قبل أسابيع. كما أن النظام الأسدي السابق سمح للحوثيين باستخدام السفارة اليمنية في دمشق، فيما تداولت أنباء عن إمكانية نقل عشرات الآلاف من مقاتلي النخبة السوريين للقتال في اليمن إلى جانب حلفاء السعودية، بالتزامن مع لقاء الشرع الأخير بولي العهد السعودي محمد بن سلمان في الرياض.

أثار الكاتب الأردني هشام غانم نقطة مثيرة، إذ وجد أوجه تشابه بين الحوثيين و«هيئة تحرير الشام» التي قادت، مع فصائل المعارضة الإسلامية السورية، عملية إسقاط النظام (الذي يشبّهه بمنظومة الحكم اليمنية الموالية للسعودية). وهي مقارنة تقلب التصورات التقليدية عن الثورة والتمرد والشرعية، وتطرح على الباحثين السياسيين أسئلة مهمة، مثل: لماذا أصبح قائد حركة إسلامية مسلحة رئيساً معترفاً به دولياً وحليفاً للسعودية، بينما تواجه حركة إسلامية مسلحة أخرى حرباً تقودها السعودية وحلفاؤها، مع احتمال تدخّل حكومة الشرع عملياً ضدها عسكرياً؟

تستطيع أسئلة من هذا القبيل أن تحرّك بعض مسلّمات البحث السياسي، لكنها تتجاهل أن النظام السوري السابق لم يكن مجرد «دولة متوحشة» -على حد تعبير الباحث الفرنسي ميشيل سورا، الذي خطفه «حزب الله» وأعدمه عام 1986- بل كان نظاماً مضاداً بطبيعته للنظام العربي والإقليمي والعالمي. يستدعي هذا مقارنة أخيرة لطيفة بين القوتلي الذي أسس معمل الكونسروة الوطني، وقادة النظام الآفل الذين زرعوا مصانع المخدّرات في أرجاء سوريا، وخاضوا معارك مع الدول القريبة، بما فيها السعودية، لتمرير حبوب الكبتاغون!

العودة إلى الأعلى

كاتب سوري مقيم في لندن

رأي

نادرة بني

تأثير سترايساند في سوريا

يُطلق «تأثير سترايساند» على الظواهر الاجتماعية التي تتسبب فيها جهود إخفاء المعلومات في انتشارها على نطاق أوسع بكثير. وفي نفس السياق، من خلال تقييد وصول النساء إلى بعض البرامج الجامعية، أشعلت وزارة التعليم العالي السورية، من دون قصد، نقاشاً أوسع بكثير حول حقوق المرأة، وحول توقّعات السوريين المتزايدة بإمكان الطعن في قرارات الحكومة.

12. تشرين الأول 2026

حسام الدين محمد

سوريا نحو دور لا غنى عنه.. فهل يجني شعبها ثماره؟

تعيد الحرب واضطرابات المنطقة إبراز أهمية سوريا كبوابة إلى البحر المتوسط، لكن أنابيب النفط وطرق التجارة وحدها لن تنتشل السوريين من الفقر.

05. تشرين الأول 2026

هادون بارث

الأنقاض بوصفها «آلة لتعطيل السياسة»

لطالما كانت هذه الاستعارة عنصراً ثابتاً في الكتابات التي تتناول السياسات المتعلقة بسوريا، لكنها اكتسبت اليوم دلالة سياسية جديدة في ظل السلطة السورية الجديدة.

29. أيلول 2026

شفان إبراهيم

لم يُؤتِ السلام في الحسكة أُكُلَه بعد

مع اندماج المقاتلين الأكراد في مؤسسات الدولة السورية، يهدد الإقصاء السياسي وتدهور الظروف المعيشية بتقويض العملية الانتقالية.

24. أيلول 2026

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية