الأنقاض بوصفها «آلة لتعطيل السياسة»

29. أيلول 2026

لطالما كانت هذه الاستعارة عنصراً ثابتاً في الكتابات التي تتناول السياسات المتعلقة بسوريا، لكنها اكتسبت اليوم دلالة سياسية جديدة في ظل السلطة السورية الجديدة.

إذا طالعتَ أيّ تعليق عن إعادة إعمار سوريا، فمن المرجح أن تصادف تعبير «الأنقاض». ففي «المجلس الأطلسي» (Atlantic Council)، ثمة خطة للانتقال «من الأنقاض إلى الانبعاث من جديد»؛ وفي صحيفة «الغارديان» (The Guardian)، يبرز الحديث عن «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الذي يخرج من أنقاض شمال شرق سوريا»؛ وفي مجلة «فورين بوليسي» (Foreign Policy)، نجد «أبراجاً شاهقة» تنتصب «وسط الأنقاض في سوريا». وحتى مجلة «جاكوبين» (Jacobin) -التي قد يتوقع المرء منها تمحيص مثل هذه المفاهيم- تنشر مقالاً عن شخص «يعصر الماء من أنقاض سوريا».

قد لا يكون كثير ممن يكتبون بهذه الطريقة قد زاروا سوريا قط، لكن ذلك لا يهم؛ فهذه الصورة لا تصلها بالبلد، بوصفه واقعاً مادياً ملموساً، إلا صلة واهية؛ بل تنتمي، بالأحرى، إلى قاموس سياسي. فكما يمثل «الجهادي» المشهد الأمني في سوريا، ويمثل «اللاجئ» سكانها، تمثل «الأنقاض» اقتصادها. وتجعل كل صورة من هذه الصور البلاد أكثر قابلية للفهم لدى صنّاع القرار، بما يساعدهم على رسم ملامح مستقبل سوريا الاقتصادي من دون الحاجة إلى التعامل المباشر مع الناس والممتلكات والتاريخ القائم بالفعل هناك.

لنأخذ، على سبيل المثال، الخطاب الاستثماري الذي قدمه أحمد الشرع بنفسه؛ إذ صرّح أمام مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» في الرياض، في أكتوبر/تشرين الأول 2025، قائلاً: «كل كارثة عانت منها سوريا في الماضي تمثل فرصة استثمارية»، واعداً بأن السوريين سيعيدون البناء «من العدم».

إن هذه الصورة المبسّطة -التي توحي بتدفق الأموال الخارجية إلى سوريا و«إعادة بنائها من العدم»- لا تمت إلى الواقع إلا بصلة ضئيلة؛ فالعديد من الصفقات الضخمة المعلن عنها يعتمد على ترتيبات غامضة تُنقل بموجبها ملكية الأراضي إلى المطورين العقاريين. وتشمل هذه الأراضي إما أراضي عامة استُردت من مقربين من النظام في عهد الأسد، سواء أكانوا مقربين فعليين أم مزعومين، ووُضعت تحت تصرف «الصندوق السيادي السوري»؛ وإما ممتلكات جُمعت عبر مخططات إعادة إعمار فُرضت قسراً على صغار ملاك الأراضي. وعلاوة على ذلك، فإن الإعفاءات الدائمة من ضريبة الدخل تعني، عملياً، أن عامة الناس يسهمون بإيرادات مستقبلية قررت الدولة التنازل عن تحصيلها. باختصار، لا يستطيع رأس المال الأجنبي «إعادة بناء» سوريا من دون الاستيلاء على الأراضي السورية ومصادرة الإيرادات العامة المستقبلية.

ومن ثم، فالقرارات التي تُتخذ اليوم سياسية بامتياز؛ لأنها تتصل بتوزيع الأراضي والثروة والمخاطر والسلطة. لكن إذا تخيلت البلاد صفحةً بيضاء خالية -كما تريد السلطات منك أن تفعل- بدت سوريا وكأنها لا تملك شيئاً جديراً بالحفاظ عليه؛ إذ تُمحى صناعاتها القائمة، وأصولها العامة، ومطالبات الملكية، وأشكال الرعاية الاجتماعية، وكأنها لم تكن موجودة قط.

ومع اختفاء هذه العناصر، يختفي أيضاً الحيز المتاح للسياسة. فلا يمكن نقل الثروة بعيداً عن عامة الناس إذا صُوِّروا على أنهم لا يملكون شيئاً؛ إذ يبدو بيع الأراضي العامة والموارد الطبيعية وعائدات الضرائب المستقبلية، أو منحها، وكأنه عملية «خلق» للقيمة، لا مجرد إعادة توزيع لها.

وبمجرد اختفاء أصول سوريا القائمة، يختفي ماضيها أيضاً. فالتحول الحالي نحو اقتصاد السوق في سوريا يمتد إلى جذور واضحة في سياسة «اقتصاد السوق الاجتماعي» التي انتهجها بشار الأسد؛ وهي سياسة أدت، عبر تحرير التجارة وتعديل سياسات الدعم، إلى إثراء طبقة من رجال الأعمال ذوي النفوذ السياسي وتعميق المظالم التي سبقت عام 2011. لكن حين تصبح الأنقاض نقطة الانطلاق للتحليل، تتحول المشكلات الاقتصادية في سوريا إلى مجرد تبعات للحرب، بدلاً من أن تُفهم بوصفها نتاجاً للخيارات السياسية التي سبقتها. وهكذا تدخل سوريا مرحلة «العام صفر»، حيث يُختزل تاريخها الاقتصادي في مرحلة «ما قبل» غير محددة المعالم، تليها الحرب، ثم إعادة الإعمار. وتتيح الأنقاض لهذه السياسات أن تعود مجدداً، مجردةً من تاريخها المثير للجدل، فيما تتلاشى من الأذهان ذكريات التحول النيوليبرالي السابق في البلاد- ودور صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في الدعوة إليه وإضفاء الشرعية عليه.

كما تتجاهل أسطورة «الصفحة البيضاء» البشر الذين يملكون تلك الأصول ويستخدمونها ويطالبون بحقوق فيها. ففي الخطاب الإنساني، تصبح الأنقاض رمزاً لحالة من «تعطّل الفاعلية»؛ إذ تتحدث منظمة اليونيسف عن مساعدة المجتمع السوري على «النهوض من بين الأنقاض»، وتروّج لمشروع بعنوان «مدارس تنهض من بين الأنقاض». وفي المقابل، يملأ الخطاب الأمني المشهد ذاته بالتهديدات؛ إذ يظهر تنظيم الدولة الإسلامية «من بين الأنقاض» في تقرير لصحيفة «الغارديان»، وتبرز «مخاطر جديدة من بين الأنقاض في الرقة»، وفقاً لصحيفة «واشنطن بوست». ففي الرواية الأولى، يظهر السوريون كضحايا ينتظرون الإنقاذ؛ وفي الثانية، يظهرون كجماعات إرهابية ومصادر تهديد أمني. وفي كلتا الحالتين، لا يبقى سوى حيز ضئيل لظهور السوريين كمواطنين لهم حقوق ومطالب تجاه الدولة.

وفي الحالتين، تنجح الأنقاض في استبدال السياسة بمجموعة من المشكلات الفنية والتقنية. ففي أدبيات المستثمرين والمنظمات الإنسانية ودراسات الأمن، تتمحور الأسئلة حول تكلفة إعادة الإعمار، وعدد الأشخاص المحتاجين إلى المساعدة، والأماكن التي قد يعود فيها التطرف، وكيفية احتوائه. وتتحول قضايا الملكية والضرائب والخدمات الاجتماعية إلى عوائق أمام عملية إعادة الإعمار، بدلاً من أن تشكل جزءاً من القرارات المتعلقة بمن يُفترض أن تخدمه هذه العملية.

وهكذا، تؤدي صورة «الصفحة البيضاء» المادية -التي روّجت لها أوساط صنع السياسات وتلقّتها السلطات بالترحيب- وظيفة سياسية تتمثل في تجريد كل شيء من طابعه السياسي. فالأنقاض، باستعارة عبارة جيمس فيرغسون، تعمل بوصفها «آلة مناهضة للسياسة»؛ إذ تعيد صياغة الخيارات السياسية باعتبارها ضرورات تقنية، بينما تسهّل في الوقت نفسه عمليتها السياسية الخاصة: نقل مبالغ هائلة من الثروة العامة إلى أيدٍ خاصة.

وتبدأ مناهضة نموذج السلطات لإعادة الإعمار برفض وهم «الصفحة البيضاء»؛ فلا ينبغي لعملية إعادة إعمار سوريا أن تبدأ من «العدم»، بل من تبدأ بالتعامل مع الواقع القائم فعلياً، بما يضمه من موجودات وبشر.

العودة إلى الأعلى

مدير شبكة الدراسات التشريعية السورية، وباحث في الاقتصاد السياسي السوري

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية