أولوياتنا في مجلس الشعب

18. تموز 2026

كيف يمكننا بناء برلمان فاعل وإرساء أسس سوريا عادلة ومزدهرة بعد الأسد.

انطلق بعد تأخير طويل مجلس الشعب الأول بعد سقوط نظام الأسد. ورغم ظروف نشأته غير المثالية، فإن واجبنا كنوّاب فيه أن نحقق النجاح بما يصبّ في صالح شعبنا المتعطش لإزالة آثار النظام البائد وبناء سوريا الجديدة.

لا شك أن هناك شروطاً موضوعية تضمن نجاح المجلس كمؤسسة، وعلى رأسها استقلاليته من ناحية، وتعاونه الجاد مع السلطة التنفيذية من ناحية أخرى، إضافة لكفاءة القوانين الصادرة عنه مع ضرورة ترتيب الأولويات النيابية بدقة وفاعلية.

وسنحصر الحديث عن أولويات العمل البرلماني، إذ يُعتَبر مجلسنا استثنائياً في ضرورة ترتيبه الأولويات نظراً لتراكم ستة عقود من التقنين الفاسد، وتقدُّم السلطة التنفيذية على التشريعية لأكثر من عام ونصف من العمل، وخلالها اضطرت لممارسة مهام تشريعية تمثَّلت بإصدار رئيس الجمهورية العشرات من المراسيم التي سيقع على عاتق المجلس مراجعتها خلال الفترة القادمة.

لذا يمكن اعتبار العمل البرلماني القادم قائماً على ثلاثة مسارات؛ الأولويات التأسيسية، الدستور الدائم، والأولويات القانونية.

الأولويات التأسيسية

لا بد من إتمام المهام التأسيسية ليتمكن المجلس من مباشرة أعماله بشكل مهني وصحيح. وقد بدأ هذا بتشكيل مكتب المجلس في الجلسة الأولى بانتخاب رئيس للمجلس ونائبين وأمين سر (المادة 28 من الإعلان الدستوري)، لينتقل المجلس بعدها إلى «النظام الداخلي»، الذي ينبغي كتابته واعتماده قبل مباشرة المجلس لمهامه.

وقد قام عدد من النواب بكتابة مسودة متكاملة للنظام الداخلي عبر ورشات عمل متتالية، لتكون «المسودة الأولى» التي يمكن الانطلاق منها إلى النظام الداخلي الرسمي للمجلس، وقد شارك فيها نحو 30 نائباً إضافة لتعليقات ومساهمات أكثر من 10 قانونيين ودستوريين سوريين. ويمكننا إتمام هذه المسودة ثم عرض النظام الداخلي للمناقشة والتصديق خلال أسبوعين على الأكثر من انطلاق العمل الرسمي، بدلاً من مهلة الشهر التي يتيحها الإعلان الدستوري (المادة 29).

وبالتزامن مع النظام الداخلي، إعداد «موازنة مجلس الشعب» كي يتمكن المجلس من مباشرة أعماله بشكل صحيح وتأمين الموارد المطلوبة لعمل كامل اللجان، وهذا الأمر مُناط بالدرجة الأولى على عاتق مكتب المجلس المُنتخب مؤخراً.

وتتمثّل آخر نقطة في مسار الأولويات التأسيسية في دراسة الموازنة العامة للدولة لعام 2026 واعتمادها، فهي المرجع لفهم عمل الحكومة والقدرة على تقييم أدائها. وبدونها سيكون إشكال قانوني من ناحية، وضياع لبوصلة التقييم من ناحية أخرى. 

الدستور الدائم

يُعتَبر مسار الدستور الدائم استراتيجياً للدولة السورية الوليدة، ويُتوقَّع إنجازه لفترة لا تقل عن عامين من العمل قبل عرضه للاستفتاء الشعبي، لأن العبء الأكبر هو تحقيق حوار مجتمعي وصولاً لأكبر قدر من التوافق السوري الداخلي على الدستور القادم.

ونظراً لأن الشرعية الثورية ليست كافية لتشكيل لجنة كتابة دستور دائم، واستحالة انتخاب هيئة لها شرعية انتخابية ويُناط بها كتابته، فالواضح أن مجلس الشعب هو المؤسسة الوحيدة التي تجمع بين الشرعية الثورية والانتخابية، وإن شاركت السلطة التنفيذية -نظراً للوضع الاستثنائي- في إنشائها بشكل مباشر وغير مباشر. وعليه، فإن على اللجنة أن تكون مكوّنة من عُشر أعضاء المجلس لكي تتمكن من تمثيل شرائح المجتمع بشكل جلي. 

مسار الأولويات القانونية

 مسار الأولويات القانونية هو الأضخم، ولا يمكن إنجاز المطلوب فيه خلال دورة اعتيادية واحدة، مما يضطرنا للمفاضلة لتقديم الأولى منها، ولذلك يمكننا تقسيم الأولويات النيابية على محاور، ونكتفي بسرد الأَهم بالإصدار في الأشهر الستة القادمة:

محور العدالة الانتقالية: نجاحنا في هذا المحور يضمن انتقالَنا لمرحلة «السلم الأهلي» ويضمن توحيد سوريا مجتمعياً بعد توحيدها سياسياً. وينبغي لقانون العدالة الانتقالية أن يتوسّع ليشمل تثبيت العزل السياسي، وضمان إعادة هيكلة مؤسسات الدولة وخاصة الأمنية والعسكرية، بحيث تعجز عن ممارسة الظلم والاستبداد مجدداً، كما ينبغي أن يتضمن تعويض الفئات المهمّشة والمتضررة ومعاملتها بتمييز إيجابي يمحي آثار الاستبداد السابق.

المحور الحقوقي السياسي: وهنا ينبغي التركيز على حقوق الإنسان وحمايته وتطوير معارفه وإدراكه لحقوقه، وبالتالي الإسراع بإنهاء كافة القوانين الاستثنائية والقوانين الداعمة لتغوّل المؤسسات الأمنية، وطرح قوانين تضمن حماية الفرد والمجتمع، لتعيد بناء العلاقة الصحيحة بين الدولة والمواطن، لتصبح الدولة خادمة للمواطن وناهضة بالمجتمع.

وهنا تبرز أهمية صياغة قانون عصري للأحزاب ليحقق مزيداً من الوعي السياسي والثقافي بعد عقود من التصحّر السياسي، ونرى الإسراع في إصداره لمنح فرصة كافية للمجتمع والأحزاب الناشئة لتأهيل أنفسها وعرض برامجها. كما أنه من الضروري  إصدار قانونين عصريين للجمعيات الأهلية والأوقاف.

المحور القضائي: هذا المحور جزء من المحور السابق، ولكنني ميّزته لخصوصيّته، ويقوم على مبدأ إصلاح المؤسسة القضائية وتفعيل الإشراف القضائي على المؤسسات الأمنية. أما الإصلاح القضائي العام فيتضمن استبدال القضاة الفاسدين، ونسبتهم بحسب التقديرات عالية، بل إنّ معظم المؤسسة القضائية الموروثة تعاني من الفساد والترهل وعدم تلبية متطلبات واقعنا المعاصر. وهذا الاستبدال مُناط بوزارة العدل بشكل أساسي، والتي قامت بخطوات إيجابية حتى الآن، ونتوقّع أن تستبدل معظم الطبقة الفاسدة مع نهاية المرحلة الانتقالية، مع ضرورة زيادة عدد القضاة. وينبغي أن يترافق هذا مع تعديلات جوهرية لاختصار الإجراءات القانونية، مما قد يحتاج لمراجعة جديّة لأصول المحاكمات الجزائية. 

أمّا الإشراف القضائي على الأجهزة الأمنية، فيحتاج إلى تغيير أو تعديل كل المواد التي تسمح بانتهاك حقوق المواطنين، أو اعتقالهم أو مداهمة أملاكهم دون إذن قضائي. 

المحور الاقتصادي: هذا المحور يحتاج من النواب استيعاباً جيداً للسياسة الحكومية -غير الواضحة حتى الآن- وكيفية التطوير وجلب الاستثمارات وصولاً للبدء بإعادة الإعمار. وسيجعل هذا الاستيعاب تجاوب المجلس مع مشاريع الحكومة الاقتصادية سريعاً وإيجابياً، وأن يترافق ذلك مع الضمان القانوني لحقوق العمالة السورية، وحماية الإنتاج الوطني، ودمج الشرائح الثورية في الاقتصاد، وتقديم تسهيلات لضحايا الثورة لدمجهم في سوق العمل. كما من الضروري الحفاظ على القطاع العام، ونقله من التهالك إلى الإنتاج الفاعل.

المحور التعليمي الثقافي: وهذا الجانب يحتاج تحديثاً ثورياً في أهداف العملية التربوية والتعليمية أولاً، وفي قانون التعليم الخاص والجامعي ثانياً، وربط التعليم بالخطط التنموية للدولة السورية بما يحافظ على القيم والهوية.

محور جودة القوانين: سيستغرق هذا المحور كامل المرحلة الانتقالية، وسيحتاج لدورات نيابية إضافية لإتمام مهامه، لذلك ينبغي تخصيص لجنة تعمل بالتوازي مع لجان المجلس الأخرى، وينحصر عملها في تطوير البنية القانونية السورية من جهتين: الأولى رفع الكفاءة وإزالة التعارض بين القوانين، مع تطويرها لتواكب التحول الرقمي. والثانية تعديل كل ما يخالف الشريعة الإسلامية كلياً أو جزئياً في القوانين، وتبلغ نسبتها وفق بعض الدراسات 27,4٪ في القانون المدني، و51,6٪ قانون العقوبات.

المحور الرقابي: وهذا المحور جوهري في ضمان البناء الصحيح للدولة، وهو لا يعيق عمليات الاستثمار والتطوير والبناء، ولكنه يضمن عدم انحراف المؤسسات أو ضياع الحقوق أو سرقة وهدر المال العام. ويشمل هذا المحور الرقابة على كامل مؤسسات الدولة ومنها «الصندوق السيادي» و«هيئة الاستثمار» و«صندوق التنمية» و«الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية» وغيرها من المؤسسات والشركات التي يُعوّل عليها كثيراً في نهضة سوريا القادمة.

العودة إلى الأعلى

عضو مجلس الشعب عن مدينة حمص

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية