المجال السوري: ذاكرة الفك والتركيب!
29. حزيران 2026
بعد قرن من قيام فرنسا بتقسيم سوريا إلى كيانات متنافسة، عاد الصراع على جغرافيا البلاد ليغدو صراعاً على الذاكرة والهوية.
في حزيران / يونيو من عام 1923، أي قبل 103 سنوات من كتابة هذا المقال، أعلنت فرنسا، الدولة المحتلة لسوريا آنذاك، قيام «مجلس الاتحاد السوري».
ضم الاتحاد المذكور ممثلين عن «دول» دمشق وحلب وإقليم العلويين (اللاذقية)، ومثّل تدرّجاً في التراجع عن قرار القوات الفرنسية، الذي أصدرته إثر دخولها دمشق - قبل 3 سنوات سابقة (تموز / يوليو 1920) – بتفكيك المجال السياسي السوري الموروث عن الدولة العثمانية إلى 5 وحدات.
بدأ مشروع التفكيك بإعلان دولة لبنان الكبير (أب / أغسطس 1920). كانت تلك الخطوة الأولى والأهم من لاحقاتها، الخطوة التي تعطي المشروعية لما يتلوها. يصلح هذا المبتدأ التاريخي أيضاً لتفسير ارتدادات تلته بعد أجيال، مثل دخول القوات السورية للبنان في حزيران/ يونيو 1976، ودعوات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لنظيره السوري للتدخل في لبنان ضد «حزب الله» حالياً، وغيرها من قضايا.
المجال السوري
بعد شهر من إعلان دولة لبنان الكبير تم إنشاء دول دمشق، وحلب (التي كان لواء اسكندرون تابعاً لها ومنحته فرنسا حكماً ذاتياً عام 1923)، والعلويين (أيلول/ سبتمبر 1920)، ثم دولة جبل الدروز (1921).
لجأت فرنسا، في العام 1925، لاستبدال «الاتحاد السوري» بـ«الدولة السورية» المكوّنة مجدداً من دمشق وحلب، والتي تأخر انضمام دولتي جبل العلويين والدروز إليها حتى عام 1936 مع إعلان «معاهدة الاستقلال» وانتخاب هاشم الأتاسي رئيساً للجمهورية.
اعتبرت إدارة القوات المحتلة أن تقسيم سوريا الطبيعية إلى مجتمعات قائمة على أسس مناطقية ودينية بمنظومات مختلفة يتيح استخدام كل منها ضد الآخر في مواجهة حركة وطنية صاعدة بدأت تتشكل ضد القوة المحتلة.
تقدّم عملية الفك والتركيب للمجال السوري، التي جرت قبل قرابة قرن، إمكانيات لتفسير أحوال «الذاكرة الجغرافية والتاريخية السورية» اليوم، كما يمكن اعتبارها بؤرة كشف لنقاط القوة والضعف في المجال السوري قديماً وحديثاً.
إعادة الاندماج الإقليمي
تُعرض على المجال السوري حالياً مشاريع عديدة اليوم تُدخله في خطط أعم، مثل خطة إعادة خط الحجاز للربط السككي بين تركيا – سوريا – الأردن – السعودية، وكذلك إعلان حكومة علي الزيدي في بغداد، عن تفاهم عراقي – سوري – سعودي – تركي لنقل النفط والغاز، وكان لافتاً في هذا الصدد إدلاء المبعوث الأمريكي لسوريا (والعراق) توماس براك تصريحات تتحدث عن الدول القومية في المنطقة باعتبارها صنيعة حدود ما بعد الحرب العالمية الأولى ودعوته لـ«إعادة تركيب المنطقة»، عبر «التقريب والمحاذاة» بين لبنان وسوريا.
تتجاوز الخطط والتصريحات الآنفة الحال الآنيّة الناشئة نتيجة الصراعات الإقليمية الكاسرة بعد الحرب الأمريكية – الإسرائيلية مع إيران، وتعيد التذكير بسوريا كجسر أرضي بين البحر الأبيض المتوسط والخليج العربي، وبين الأناضول ومصر، كما تعيد التذكير بكون المجال السوري هو العقدة التجارية الأهم في طريق الحرير التاريخي، وبالعمق الحضاريّ للهوية السورية الذي يمزج بين الحضارات القديمة والإسلامية.
تنبّه هذه المشاريع أيضاً إلى سهولة تحوّل نقاط القوة إلى نقاط ضعف وثغرات جغرافية، فسوريا تفتقر إلى موانع طبيعية ضخمة (كما هو الحال في إيران) والتي تفصلها عن القوى الإقليمية الكبرى المحيطة، وهو ما يضيء على / ويفسّر المواقف السياسية لهذه القوى تجاه الحكم الجديد الناشئ، الذي تشتبك فيه وقائع الجغرافيا بالتاريخ، كما نراه في حالتي التوجّس اللبنانيّ والمصريّ من الحكومة الجديدة في دمشق.
نقاط القوة والضعف
يتجلّى الجدل الشائك بين نقاط القوة / الضعف أيضاً في الداخل الجغرافي السوريّ المعقّد الذي تتوزع فيه مراكز الثقل بين مدن داخلية كبرى ذات إرث تجاري كبير، ومناطق ساحلية وزراعية، وهو ما يتطلب دوماً إدارة مركزية فائقة المرونة لكبح النزعات التنافسية او التفكك الإداري. يُضاف إلى ذلك اعتماد سوريا مائياً على الخارج لأن أنهارها الرئيسية التي تغذي الأمن المائي والغذائي، دجلة والفرات، تنبع من تركيا، الأمر الذي يفرض علاقات جيدة مع الجار الكبير. ترتكز العناصر الكبرى لاستقرار ونجاح المجال السوري حسب هذه القراءة، على حتمية الحوار الإقليمي، والأمن المائي والغذائي، والتوازن الداخلي، والاستثمار في جغرافيا النقل.
يعيد تفعيل الذاكرة التاريخية لنشأة سوريا الحديثة التذكير بعناصر التنوع الجغرافي والمناطقي والديني لقيادات الوطنية السورية التي لعبت أدواراً فاصلة في «إعادة تركيب» المجال السوري، في طور ما سُمّي «الثورة السورية الكبرى»، ونشوء دولة الاستقلال، فيما تظهر صدوع هذا التوجّه التي ساهمت بأخذ بسوريا نحو الانقلابات والحقبة الأسدية، رغم نزوعها «الامبراطوري» إقليمياً، إلى عملية التفكيك الفرنسي لسوريا.
الوطنية السورية
من اللافت هنا مجيء الزعيم التاريخي لتلك الثورة، سلطان باشا الأطرش، من جبل الدروز، آخر الأقاليم التي انضمت إلى سوريا في الحقبة الفرنسية، بالتوازي مع مجيء عبد الرحمن الشهبندر، الزعيم السياسي وأحد العقول المدبرة للثورة من العاصمة دمشق. من اللافت أيضاً، والمهم تاريخياً أيضاً، أن فوزي القاوقجي، ابن طرابلس اللبنانية، هو من قاد المعارك في منطقة حماة، ثم لاحقاً في غوطة دمشق والحدود السورية اللبنانية (و«حرب الإنقاذ» عام 1948، وهي حكاية فك وتركيب أخرى لبلاد الشام) وأن يتولى إبراهيم هنانو (ذو الأصل الكردي)، وابن ادلب (التي كانت تابعة إدارياً لحلب حينها) قيادة الجهة الشمالية لسوريا، فيما قاد الشيخ (العلوي) صالح العلي، عمليات الساحل السوري.
لا تستدعي ذاكرة الفك والتركيب، وتفسّر ما لحقها من أحداث فحسب، بل تستدعي ملحقاً جديداً لها لبحث ما أحيته وطوّرته من ذاكرات هوياتية أخرى، بحيث يتحوّل الصراع السياسي على الجغرافيا صراعاً على التاريخ، كما حصل في ثقافة الحقبة الأسدية، وما بعد سقوط الأسد، فيما يخصّ العلويين، وما حصل مع إطلاق حكمت الهجري، شيخ العقل الدرزي (المتحوّل قائداً سياسياً وعسكرياً)، اسم «جبل باشان»، المستمد من الميثولوجيا التوراتية، كبديل رمزي لاسم جبل الدروز (أو جبل العرب)، في استعادة مقلوبة لوقائع تكوّن سوريا الحديثة، وفي إدراج للمنطقة المعنية باستراتيجيات إقليمية كاسرة، وتأطيرها في حرب ذاكرات وسرديات متصارعة مناهضة لذاكرة جمعية وطنية سورية.