المحافظات غنائم والعاصمة ثكنة!
23. تموز 2026
على مدى نصف قرن، جَرَّد حكّام سوريا الأطرافَ من مقوّماتها، وعسْكَروا العاصمة، وحوّلوا خريطة البلاد إلى أداةٍ لبثّ الخوف.
حاولت عائلة من الفلاحين (في عام 2001 على الأغلب) في نواحي بلدة رأس العين الحدودية السورية الدفاع عن محاصيل أراضيها ضد شخص متنفّذ يحاول الاستيلاء عليها. كانت أميرة الرهاوي، زوجة أحد هؤلاء الفلاحين، صديقة حميمة لعائلة زوجتي، وكان المهاجم، كما روت العائلة، ابن ضابط أمن كبير يدعى إبراهيم حويجة. أصيب زوج السيدة بطلق ناري لكنه انشغل بحمل شقيقه إلى المشفى ففقد دماً كثيراً وتوفّي. طارد عناصر حويجة أحد الأشقاء إلى المشفى، وقاموا بتكبيله بالحديد قبل أن يساق بعدها إلى المعتقل.
تُعتبر الحسكة، الواقعة شمال شرق سوريا، الأغنى بين محافظات سوريا بالثروات الطبيعية، ومن أهم مناطق إنتاج النفط والقمح والشعير، فسُميت «سلة غذاء» البلاد وخزانها النفطي. لكن في ظل نظام الأسدين، عوملت كهامش محتقر بعيد، لا كقلب اقتصادي. خضعت المنطقة لسياسات تهميش ممنهجة، ومشاريع تغيير ديمغرافي، وإدارة أمنية صارمة اعتمدت سياسة «فرّق تسد» بين مكوناتها العربية والكردية والسريانية.
تمثّل الحسكة بهذا المعنى، نموذجاً مكثفاً لمعادلة الاستبداد السوري: مركز ينهب الأطراف، وأجهزة أمنية تحرس النهب، وسكان يكافَؤون على إنتاجهم تلك الثروة بالفقر. كانت المنطقة تنتج القمح والطاقة، فيما يعاني أهلها أعباء ضعف البنية التحتية، وغياب المشاريع التنموية، ونقص الكهرباء والمحروقات المخصصة للتدفئة.
في مواسم حصاد القمح والشعير، كانت سيّارات المرسيدس التابعة للمسؤولين تتقاطر على الحسكة فتجتمع في ذلك المشهد مظاهر تغوّل الطغمة الحاكمة التي تطوّرت، مع الزمن، إلى عصابة تتعامل مع سكان بلدها كأنهم رعايا تحت الاحتلال: موالون يُستخدمون لخدمة السلطة، وأعداء يُرهبون كي يقبلوا ظلماً لا يُطاق.
كم صاروخاً تكفي حماة؟
نقل لي الزميل الإعلامي بسام جعارة، واقعة تعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، حين دُعي لتغطية مناورة عسكرية كان يحضرها رفعت، شقيق حافظ الأسد، وعم الرئيس المخلوع بشار. خلال المناورة، أُطلقت صواريخ باتجاه البحر المتوسط. أحد الضباط أراد مباسطة رفعت فسأله كم من تلك الصواريخ يكفي لتدمير حماة، فزجره، على الأرجح، لا لأن السؤال صادم، بل لأن مثل هذا الكلام لا يُقال في مكان عام!
نقل صحافي آخر، حسام جزماتي، شهادة مشابهة عن جندي خدم في ثمانينيات القرن الماضي. استدعى الفوج العسكري رقم 138 في «سرايا الدفاع» خبيراً روسياً لإصلاح مدرعة فلاحظ أن سبطانات الدبابات كانت موجهة نحو دمشق بينما تقتضي الأعراف العسكرية توجيهها نحو «العدو» (إسرائيل في هذه الحالة) فاستغرب ذلك وسأل عنه، ولما تُرجم كلامه لعلي ديب، قائد الفوج، قال للمترجم: «قل له ياكل خـ... نحن نعرف من هو عدوّنا!».
استقبلت مدينة دمشق، موجات متعاقبة من المهاجرين الذين اندمجوا في نسيجها الاجتماعي، وأسس بعضهم أحياء تاريخية لا تزال تحمل أسماء مثل حيي «المهاجرين» و«الأكراد». لكن موجات التوافد انقلبت، خلال الحقبة الأسدية، إلى نزوح وتهجير أصاب قرابة نصف عدد سكان البلاد.
حسب رواية سجّلتها أيضاً عن الزميل جعارة فإن إبراهيم ماخوس، القيادي في حزب البعث، ووزير الخارجية في حقبة صلاح جديد ونور الدين الأتاسي، خطب في فرع اللاذقية للحزب في أواخر ستينيات القرن العشرين عن أهمية ذهاب 100 ألف من سكان الجبل إلى دمشق «لحماية الثورة». أحد الحاضرين الذي فهم المغزى الطائفي للفكرة سأله لماذا لا يقوم سكان دمشق، أو السنّة بحماية الثورة فقال لهم إن السنة تجار وليسوا محاربين. «ماذا عن المسيحيين؟»، سأله آخر: فقال إنهم «ناعمون» وغير قادرين على القتال.
نازحو الاحتلال وجنود «عشّ الورور»
بعد نزوح سكان المناطق التي احتلتها إسرائيل خلال حرب 1967 إلى دمشق ومحيطها، وظهور تسمية «النازحين»، جاءت موجات أخرى ذات طابع عسكري وأمني. حرص حافظ ورفعت الأسد، ثم بشار الأسد لاحقاً، على تكريسها. سكنت هذه الموجات في مناطق مثل المزة 68 وعش الورور وقدسيا خالقة أحزمة عشوائية تحيط بالعاصمة كالسوار، لكنها في العمق كانت امتداداً لبُنى الخوف والولاء المسلّح.
روّج نظام الأسد الابن لـ«السياحة الداخلية» بوصفها أداة للتعافي الاقتصادي وتعزيز الانتماء الوطني عبر المهرجانات المحلية، كما شجّعت السياحة الدينية التي فُهمت كممارسة طائفية، وتطورت، مع تنامي حضور ميليشيات شيعية من لبنان والعراق وأفغانستان، وسياسة التجنيس والتمكين العقاري، إلى ما يشبه الاستيطان السياسي والاجتماعي.
خلق الحكم المركزي الأسديّ الشديد مفارقة لافتة: نظام أمني مركزي يخلق تكارهاً كبيراً بين السكان، اجتماعياً وعمرانياً ودينياً وطائفياً. لم يكن السوريون يعيشون فعلياً داخل دولة جامعة، بل في شبكة خرائط مراقبة وتجسس وسيطرة.
كان السفر بين المناطق السورية يخضعان لقيود أمنية مشددة مبالغ فيها. تحوّلت الحواجز العسكرية والأمنية إلى نوع من «يانصيب الموت» الذي لم ينج أحد من آثاره النفسية حتى الآن. أذكر، في المقابل، حين كنت أؤدي الخدمة العسكرية في لواء مشاة تتمركز قيادته في بلدة خان الشيح أنه كان مألوفاً أن يصيح مساعد السائق في الحافلات الخاصة في أحد المواقف المتجهة نحو الجبهة مع إسرائيل: «مطار سرّي مين نازل؟». لخّصت العبارة مفارقة بلد تُعلن فيه السرية على الملأ، ويتظاهر الناس بعدم معرفة الحقيقة الفاجرة.
ينحدر إبراهيم حويجة، في مفارقة رمزية لغوية، من قرية تدعى عين شقاق في ريف جبلة، وتتهمه جهات سياسية وقضائية بالضلوع في الكثير من العمليات، أكثرها شهرة عملية اغتيال الزعيم اللبناني كمال جنبلاط، في العام 1977، والمشاركة في عمليات القمع في مدينة حماة، ومحاولة إسقاط طائرة إل عال الإسرائيلية، وهي المهام التي أهّلته، على ما يظهر، لتولّي منصب مدير المخابرات الجوية عام 1987 قبل أن يغيره بشار الأسد عام 2002.
اعتبر الزعيم اللبناني وليد جنبلاط اعتقال السلطات السورية الجديدة لحويجة في آذار/ مارس 2025 «تحقيقاً للعدالة» في قضية مقتل والده، لكن تصدّعات الجغرافيا السورية والإقليمية بسبب المنظومة الأمنية للنظام السوري السابق ما تزال حاضرة في تفاصيل حيوات السوريين جميعاً، وهي تنتظر عدالة قد لا تتحقق.