لماذا ينبغي لسوريا أن تتدخل في لبنان؟

21. تموز 2026

قد يكون تدخل سوري محدود، يحظى بغطاء دولي، أفضل فرصة متاحة أمام لبنان لاستعادة سيادته وإرساء استقرار مستدام.

لطالما واجهت الدول الصغيرة صعوبة في صون سيادتها حين يحتدم التنافس بين المصالح الإقليمية والدولية. فكثيراً ما تفوق أهميتها الاستراتيجية قدرتها على تقرير مصيرها، فتغدو مناطق عازلة أو ساحات حرب أو غنائم في صراعات أوسع. ولبنان، منذ زمن بعيد، نموذج صارخ لهذه المعضلة.

فعلى امتداد أكثر من 170 عاماً، نادراً ما كان لبنان بمنأى عن التدخل الخارجي. فمن القوى الأوروبية خلال أزمة جبل لبنان في ستينات القرن التاسع عشر، إلى الأدوار المتعاقبة لفرنسا وسوريا وإسرائيل والولايات المتحدة ودول عربية عدة، تشكّل تاريخ لبنان الحديث بتأثير الخارج بقدر ما تشكّل بفعل السياسة الداخلية. وقليلة هي الدول التي عرفت هذا القدر المتواصل من التدخل، مع احتفاظها في الوقت نفسه بمظاهر السيادة والاستقلال.

اليوم، يقف لبنان عند مفترق طرق. فالتراجع العسكري الحاد لـ«حزب الله»، وسقوط نظام الأسد في سوريا، وظهور حكم جديد في دمشق، عوامل بدّلت ميزان القوى في المشرق العربي. وللمرة الأولى منذ عقود، تلوح أمام سوريا ولبنان فرصة لإعادة صياغة علاقتهما، بحيث تقوم على المصالح المشتركة أكثر مما تقوم على المخاوف المتبادلة.

وقد أعادت تصريحات الرئيس دونالد ترامب الأخيرة، التي ألمح فيها إلى إمكان اضطلاع سوريا بدور في قتال «حزب الله» في لبنان، فتح نقاش كان سيبدو مستبعداً تماماً قبل عام واحد. لواشنطن وإسرائيل، بطبيعة الحال، حساباتهما الاستراتيجية الخاصة، وهذا وحده يفرض التروي. لكن ثمة سؤالاً أوسع ينبغي على السوريين طرحه: هل يمكن لدور سوري أن يساعد على تثبيت استقرار لبنان، وفي الوقت نفسه يدفع قدماً بعودة سوريا إلى محيطها الإقليمي وانفتاحها على الاقتصاد العالمي؟

الجغرافيا قدراً

أمضت الإدارة السورية الجديدة الأشهر الستة عشر الماضية منهمكة في إعادة بناء بلد دمرته الحرب. ومع أن سجلها لا يزال بعيداً عن المثالية، فقد أبدت استعداداً غير متوقع لاستيعاب التنوع الديني والإثني في سوريا –وإن شابت ذلك انتكاسات مؤسفة– كما قدّمت استقرار سوريا والمنطقة على المواجهة الأيديولوجية ورغبة الإنتقام. والخطوة التالية هي أن تتولى سوريا مسؤولية قيادة إقليمية رشيدة.

ولدى سوريا أسباب عدة تدعوها إلى التفكير في دور إقليمي أكبر.

أولاً، التزمت الإدارة الجديدة في دمشق بإعادة توجيه سياستها الاستراتيجية نحو الولايات المتحدة وشركائها في المنطقة. ومن شأن إثبات قدرة سوريا على الإسهام في الاستقرار الإقليمي، بل والدولي بصورة متزايدة، أن يعزز صدقية هذا التحول. كما أن مساعدة لبنان على التحرر من قبضة جماعة مسلحة تدين بالولاء لإيران، إذا جرت بموافقة رسمية لبنانية وبدعم دولي، ستبعث برسالة واضحة مفادها أن دمشق تخلت عن نمط التدخل الذي ارتبط بعهد الأسد.

من المرجح أن يكون أي تدخل سوري محدوداً ودقيقاً، قائماً على المعلومات الاستخباراتية، ومنسقاً بشكل وثيق مع القيادة العليا للجيش اللبناني. وسيكون الدعم العسكري والتقني الأميركي بالغ الأهمية لكلا البلدين. وفي الوقت نفسه، سيظل باب المفاوضات والتسويات السياسية مفتوحاً.

ثانياً، لا تستطيع سوريا تجاهل حقائق الجغرافيا. فاستقرار لبنان يرتبط ارتباطاً مباشراً باستقرار المناطق الغربية من سوريا. وقد أتاحت الحدود غير المنضبطة بين البلدين، على مدى سنوات طويلة، تهريب الأسلحة وانتشار الجريمة المنظمة وتجارة الكبتاغون، وهي أنشطة استفاد منها نظام الأسد و«حزب الله»، بينما قوضت سلطة الدولة على جانبي الحدود. وسيكون ضبط هذه الحدود وتفكيك ما تبقى من الشبكات الإجرامية مصلحة مشتركة لسوريا ولبنان والمنطقة بأسرها.

ثالثاً، هناك مبررات اقتصادية قوية. فالاقتصادان السوري واللبناني مترابطان بعمق، فيما تعرضت البنية التحتية في البلدين لتدهور كبير بفعل سنوات الصراع والشلل السياسي. ومن شأن تعزيز التنسيق في إدارة المعابر الحدودية والنقل والكهرباء والموانئ والمطارات ومنشآت الطاقة أن يخفض الكلفة، ويشجع الاستثمار، ويعيد إحياء الروابط التجارية التاريخية التي أفادت البلدين في السابق. كما يمكن للتعاون في تطوير موارد الغاز في شرق المتوسط أن يمنح هذه الشراكة دفعة إضافية.

تجاوز الماضي

التحدي الأكثر إلحاحاً أمام لبنان يظل سياسياً. فعلى الرغم من الخسائر العسكرية الكبيرة التي تكبدها «حزب الله»، لا يزال الحزب العقبة الرئيسية أمام احتكار الدولة اللبنانية حق استخدام القوة. وقد عجزت الحكومات المتعاقبة في بيروت عن معالجة هذه المعضلة، في حين ألحقت العمليات العسكرية الإسرائيلية المتكررة دماراً هائلاً بلبنان، من دون أن تفضي إلى تسوية سياسية دائمة. فلا استمرار الشلل، ولا اندلاع الحروب بصورة دورية، يوفران للبنان مستقبلاً قابلاً للاستمرار.

وتشير تجربة لبنان التاريخية إلى أن أزماته السياسية العميقة نادراً ما وجدت طريقها إلى الحل من دون تدخل خارجي. فقد جاء اتفاق الطائف، كما جاءت الأزمات والتسويات السياسية المتعاقبة منذ ذلك الحين، انعكاساً لتدخلات إقليمية ودولية بدرجات متفاوتة. ويتمثل التحدي اليوم في ضمان أن يؤدي أي دور خارجي مقبل إلى تعزيز سيادة لبنان وإنهاء وصاية إيران ووكلائها.

سيقول المعترضون إن مجرد التفكير في عودة القوات السورية إلى لبنان أمر مستحيل سياسياً، بالنظر إلى الإرث الأليم الذي تركه الوجود السوري السابق. وهذا تخوف مفهوم. لكن سوريا اليوم لم تعد تحت حكم آل الأسد، كما أن الاصطفافات الاستراتيجية في لبنان لم تعد كما كانت عام  1976 – أو حتى عام 2006. لا ينبغي أن يشكّل التاريخ عائقاً أمام ترتيبات جديدة تخدم مصالح الدولتين، استناداً إلى احتياجات الحاضر ومقتضياته.

يحتاج لبنان، في نهاية المطاف، إلى إطار سياسي دائم يعيد إلى الدولة حقها الحصري في استخدام القوة على كامل أراضيها، مع الحفاظ على توازناته الطائفية الدقيقة. فأي حل يُنظر إليه على أنه انتصار لفريق لبناني على آخر لن يُكتب له الاستمرار. كما أن مواصلة إسرائيل عملياتها العسكرية لا يمكن أن تكون بديلاً عن تسوية سياسية تعالج الفراغ الأمني الذي يقف في صلب الأزمة.

يدخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة تعطي فيها الحكومات أولوية متزايدة للتكامل الاقتصادي، وبناء مؤسسات قادرة على أداء وظائفها، وإقامة شراكات أمنية واقعية، بدلاً من التنافس الأيديولوجي وحروب الوكالة. وإذا كانت سوريا تريد إثبات قدرتها على التصرف كدولة إقليمية مسؤولة، فسيكون لبنان أول اختبار كبير لهذا الطموح.

العودة إلى الأعلى

محرّر اللغة العربية في سوريا المتجدّدة

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية