هاجس التدريب المهني
كيف ننتقل بالتدريب من حلٍّ مؤقّت إلى إستراتيجية فاعلة لخلق فرص العمل
العدد 31 – يناير 2026
لماذا لا يكفي التدريب وحده لمعالجة أزمة البطالة في سوريا، ولماذا يقدّم النمو القائم على الشركات ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة مساراً أكثر مصداقية لخلق فرص عمل مستدامة والتعافي الاقتصادي.
تُعدّ البطالة أحد أبرز التحدّيات التي تواجه سوريا، وكما هو حال الحمص في مطاعم دمشق، يكاد التعليم والتدريب التقني والمهني يُدرج دائماً على قائمة الحلول المطروحة. ففي برامج المانحين والمبادرات الإنسانية، يتكرّر اللجوء إلى التدريب المهني بوصفه التدخّل الافتراضي لمعالجة البطالة، وتعزيز سبل العيش والقدرة على الصمود، والارتقاء برأس المال البشري. وعلى مدى السنوات الماضية، مرّ عشرات الآلاف من السوريين والسوريات النازحين، من مختلف الفئات العمرية والمناطق الجغرافية، عبر برنامج واحد على الأقل من برامج التدريب المهني. وقد تنوّعت هذه البرامج بين الحلاقة والخياطة والنجارة وأعمال البناء بالطوب وتصنيع الأغذية والحِرَف اليدوية، وصولاً إلى صيانة الهواتف المحمولة، وتركيب أنظمة الطاقة الشمسية وصيانتها، فضلاً عن إصلاح المركبات، والتصميم الغرافيكي، وأدوار أساسية في مجال الدعم الصحي.
غير أنّ كثيراً من هذه البرامج أفضى إلى نتائج محدودة على صعيد التوظيف، مع معدّلات ضعيفة للاستبقاء الوظيفي، ما يثير تساؤلات جدّية حول مدى فاعليتها في سياقات هشّة مثل سوريا. ويبدو التعليم والتدريب التقني والمهني خياراً بديهياً وجذاباً؛ إذ ينسجم مع المقولة الشائعة «لا تعطِني سمكة، بل علّمني كيف أصطاد»، والتي تُترجم في أدبيات التنمية إلى التركيز على سبل العيش بدلاً من المساعدات المباشرة. وبالنسبة إلى الجهات المانحة، يُعدّ هذا النهج قابلاً للتوسّع، ومنخفض الكلفة نسبياً، وسهل التنفيذ، وآمناً سياسياً. ومع مرور الوقت، تطوّرت البرامج لتشمل منحاً عينية أو نقدية، ودعماً مؤقتاً للأجور، فضلاً عن مقاربات مزدوجة تجمع بين التدريب الصفي والتدرّب العملي داخل الشركات.
المشروعات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسّطة: عماد الاقتصاد المنتج
إنّ البحث في بدائل مجدية لنهج التدريب التقني والمهني يستدعي أوّلاً فهماً دقيقاً لحجم التحدّي وبنية الاقتصاد. ففي عام 2010، بلغ حجم القوة العاملة في سوريا نحو خمسة ملايين شخص، وكان القطاع الخاص يستحوذ على ما يقارب 75 في المئة من إجمالي فرص العمل. وفي الوقت ذاته، كانت نسبة نحو 98 في المئة من المنشآت الاقتصادية توظّف أقل من 50 عاملاً، ما يعني أنّ النشاط الاقتصادي كان متركزاً، إلى حدٍّ كبير، في المشروعات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسّطة، التي شكّلت العمود الفقري للاقتصاد المنتج في البلاد.
وفي الوقت نفسه، كان نحو 300 ألف شخص يدخلون سوق العمل سنوياً، ويُعتقد أنّ الأرقام الحالية مماثلة أو ربما أعلى من ذلك. كما أنّ الزخم الديموغرافي، وعودة أعداد من المهاجرين، واستمرار تقلّص القطاع العام، تشير جميعها إلى تدفّقات سنوية إلى سوق العمل تُقدَّر بمئات الآلاف، ما يفرض ضغوطاً مستمرّة على قدرة قطاع المشروعات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسّطة في القطاع الخاص على الاستيعاب. أمّا معدّلات البطالة، التي كانت تُقدَّر بنحو 9 في المئة عام 2010، فيُعتقد أنّها ارتفعت اليوم إلى حدود 43 في المئة، في ظلّ غياب أرقام دقيقة. ومع تراجع دور القطاع العام بوصفه الخيار الأخير، بات عبء استيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل، إلى جانب العمالة المُشرَّدة، يقع تقريباً بشكل كامل على عاتق اقتصاد المشروعات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة في القطاع الخاص.
معالجة جانب الطلب: دور المساعدة الفنية
تسهم المساعدة الفنية المقدَّمة إلى المشروعات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسّطة في مواجهة هذا التحدّي من خلال تعزيز قدرة الشركات الخاصة على النمو والتوظيف، بدلاً من الاكتفاء بالتركيز على جانب عرض المهارات وحده. ومثل التدريب التقني والمهني، تبدو المساعدة الفنية من حيث المبدأ فكرة واضحة وبسيطة، لكنّها على المستوى التنفيذي أكثر تعقيداً. فهي أصعب في التصميم، وأعلى كلفة في التنفيذ، وأبطأ من حيث التوسّع وإظهار النتائج. كما أنّها ليست حلّاً سحرياً للنمو أو لخلق فرص العمل؛ إذ تتوقّف فعاليتها على سلوك الشركات نفسها وظروف السوق واستمرارية الانخراط والدعم. ومع ذلك، وفي السياق السوري تحديداً، تمتلك المساعدة الفنية مقوّمات تؤهّلها لتأدية دور حاسم في مسار التعافي الاقتصادي، شريطة ألّا تُختزل في تدريبات إدارية عامة، أو تُستخدم بديلاً عن إصلاحات اقتصادية أوسع وأكثر شمولاً.
لا تؤدّي المساعدة الفنية تلقائياً إلى خلق فرص عمل. فالدعم الاستشاري أو تحسين الامتثال للمعايير قد يسهم في استقرار الشركات من دون أن يُترجم بالضرورة إلى توظيف جديد. إذ إنّ خلق الوظائف لا يتحقّق إلّا عندما تتوسّع الشركات، أو تنوّع أنشطتها، أو تنتقل إلى العمل المنظّم، وحين تنخفض المخاطر المتصوَّرة للتوظيف إلى ما دون كلفة الإبقاء على العمليات القائمة. ويمكن للمساعدة الفنية أن تسهم في إحداث هذا التحوّل، لكن ذلك يظلّ مشروطاً بتوافر ظروف محدّدة.
وينبغي أن تكون المساعدة الفنية موجَّهة باحتياجات الشركات ومتطلّبات السوق، لا أن تُقاد من جانب العرض وحده. إذ يفترض أن تستجيب التدخّلات لعوائق ملموسة، مثل هياكل الكلفة واختناقات الإنتاجية، أو معايير الجودة، بدلاً من اللجوء تلقائياً إلى برامج تدريب إداري عامة لا تراعي خصوصية الواقع الاقتصادي.
تظلّ المخاوف المرتبطة باستحواذ النخب، أو المحاباة، أو تكريس أوجه عدم المساواة قائمة وحقيقية، ويتعيّن التعامل معها بصراحة ووضوح. فالمشروعات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسّطة تضمّ طيفاً واسعاً من الشركات، ما يستدعي اعتماد منطق اختيار شفافة وقابل للدفاع عنها. ولا ينبغي دعم الشركات الأكبر حجماً إلّا عندما تؤدّي دوراً تحفيزياً ضمن سلسلة قيمة محدّدة، وتُحدث آثاراً ممتدّة تتجاوز نطاقها المباشر. فعلى سبيل المثال، يمكن لتوسيع منشأة كبيرة للتخزين البارد والفرز والتصنيع أن يفتح المجال أمام إنتاج محاصيل عالية القيمة أو محاصيل نقدية، ويقلّل من الفاقد ما بعد الحصاد، ويحفّز النشاط الزراعي في المراحل السابقة، إلى جانب تنمية الخدمات اللاحقة في محيطها المحلّي.
وفي مثل هذه الحالات، يجب أن يكون الدعم مشروطاً، بحيث تلتزم الشركات باستثمارات رأسمالية، وتوسيع البنية التحتية، وخلق فرص عمل، على أن تُقدَّم المساعدة الفنية بشكل تدريجي ومتدرّج مع تحقيق مراحل محدّدة سلفاً. أمّا الشركات الأصغر حجماً، فقد تواجه عتبات دخول أقل، لكنّها ينبغي أن تُخضع للمعايير نفسها من حيث الالتزامات والأداء ومخرجات التوظيف.
يظلّ الوصول إلى التمويل عنصراً أساسياً لنمو الشركات، غير أنّ القطاع المالي في سوريا لا يزال، إلى حدٍّ كبير، غير فاعل، وسيحتاج إلى وقت لاستعادة عافيته. ومن هنا، يمكن للمساعدة الفنية أن تضطلع بدور محوري في تهيئة المشروعات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسّطة لتكون جاهزة للاستثمار. فمن خلال الدعم المناسب، يمكن لهذه الشركات استقطاب استثمارات محلّية وأجنبية حتّى في ظل غياب أسواق ائتمانية عاملة، وذلك عبر اللجوء إلى مصادر تمويل بديلة، مثل ضخّ رأس المال عبر الشراكات أو المساهمات، أو آليات التمويل القائمة على المنح، بدلاً من الاعتماد على الإقراض التقليدي.
الواقع المالي: كلفة الوظيفة المستدامة
تُظهر الأدلة الدولية بوضوح المفاضلات بين المقاربات القائمة على التدريب وتلك التي تقودها الشركات. ففي السياقات منخفضة الدخل والهشّة، حيث تكون برامج التدريب قصيرة الأمد والطلب على العمالة ضعيفاً، تتراوح معدّلات التوظيف الناتجة عن برامج التعليم والتدريب التقني والمهني عادة بين 10 و30 في المئة، مع تراجع حادّ في معدّلات الاستبقاء بمرور الوقت. وتنطبق هذه السمات إلى حدٍّ كبير على الحالة السورية. وعلى افتراض معدّل توظيف متوسّط في حدود 20 في المائة، ومعدّل استبقاء محافظ عند 30 في المئة بعد 12 شهراً، لا يُتوقّع أن يبقى في سوق العمل بعد عام واحد من التدريب سوى نسبة محدودة جداً من المشاركين في برامج التدريب المهني.
تتراوح كلفة برامج التعليم والتدريب التقني والمهني قصيرة الأمد في السياقات الهشّة عادة بين 300 و1200 دولار للمشارك الواحد. ووفقاً للتقديرات النظرية، وباعتماد متوسّط كلفة قدره 800 دولار، فإنّ تدريب نحو 300 ألف شخص يدخلون سوق العمل سنوياً سيستلزم إنفاق ما يقارب 240 مليون دولار. غير أنّه، ووفق افتراضات محافظة، لن يتمكّن سوى 20 في المئة من هؤلاء من الحصول على وظيفة مبدئية، في حين لن يستمر في العمل بعد 12 شهراً سوى 30 في المئة من هذه النسبة. وبذلك، يترجم هذا المسار إلى نحو 18 ألف وظيفة مستدامة لمدّة عام واحد، ما يعني أنّ كلفة التدريب لكل وظيفة مستدامة تبلغ نحو 13,300 دولار. وفي ظل الواقع الاقتصادي الراهن في سوريا، تُعدّ هذه الكلفة مرتفعة للغاية مقابل كل نتيجة توظيف دائمة يتمّ تحقيقها.
تنطلق المساعدة الفنية على مستوى الشركات من منطق مختلف. إذ تُظهر تقييمات برامج دعم المشروعات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسّطة أنّ حُزم المساعدة الفنية تتراوح كلفتها عادة بين 3 آلاف و30 ألف دولار للشركة الواحدة. وفي قطاعات التصنيع والتصنيع الزراعي والخدمات القابلة للتصدير، غالباً ما تنجح الشركات المستفيدة في توليد ما بين 3 و15 وظيفة صافية خلال فترة تتراوح بين 12 و24 شهراً، مع معدّلات استبقاء تتجاوز 70 في المئة بعد عام واحد.
وحتّى في ظلّ افتراضات محافظة، يعني ذلك أنّ كلفة الوظيفة المستدامة تتراوح بين 2500 و5000 دولار. ووفق هذا المعيار، تتفوّق المساعدة الفنية الموجّهة إلى الشركات بشكل منتظم على برامج التدريب المهني واسعة النطاق وقصيرة الأمد، ولا سيما في البيئات التي تعاني ضعف الطلب على العمالة.
التكامل لا الاستبدال: نظام التعليم والتدريب المهني العام
تتبلور أنظمة التعليم والتدريب المهني الناجحة في البيئات التي يكون فيها تطوير المهارات جزءاً لا يتجزأ من اقتصاد نامٍ. وقد تجلّى ذلك في تجارب دول مثل كوريا الجنوبية وفيتنام وألمانيا، حيث تطوّر التعليم المهني بالتوازي مع التوسّع الصناعي، وبدعم قوي من القطاع الخاص. وفي مثل هذه السياقات، يقتصر دور التعليم والتدريب المهني على تزويد القطاعات المتنامية بالمهارات التي تحتاجها، بدلاً من محاولة خلق فرص العمل بحد ذاته.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في الحالة السورية، نظراً إلى أنّ البلاد تمتلك بالفعل نظاماً عاماً عريقاً للتعليم والتدريب المهني. فقد أُنشئ هذا النظام في منتصف ستينات القرن الماضي، وشهد توسّعاً ملحوظاً منذ ثمانينات القرن العشرين، ويقدّم التعليم المهني عبر المدارس الثانوية والمعاهد التقنية المتوسّطة في مجالات التجارة والصناعة والبناء والرعاية الصحية، فضلاً عن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والضيافة والسياحة والزراعة. إلّا أنّ هذا النظام عانى، على مدى سنوات طويلة، من مناهج دراسية متقادمة، وضعف في الجانب العملي، وهشاشة في الروابط مع أرباب العمل وسوق العمل.
ومع ذلك، يتيح الحجم الواسع لهذا النظام فرصاً واسعة لتدخّلات موجَّهة وفعّالة. فبدلاً من إنشاء هياكل موازية، يمكن للاستثمارات الانتقائية أن تسهم في تحديث المناهج في المجالات ذات الأولوية، وإدخال تقنيات حديثة، وإعادة تأهيل الكوادر التعليمية، وتعزيز الروابط مع القطاع الخاص. وفي كثير من الحالات، يكون الارتقاء بمهارات خرّيجي هذا النظام، الذين أمضوا سنوات في مساراته التعليمية، أكثر أثراً من تدريب دفعات جديدة لبضعة أسابيع فحسب. فحين تواجه الشركات خياراً بين متدرّب قصير الأمد، وخرّيج مهني جرى تحديث تدريبه المتقادم ومواءمته مع التقنيات الحالية، فإنّ الغالبية ستفضّل الخيار الثاني.
الخلاصة: ترتيب الأولويات لتحقيق نتائج مستدامة
ومن أجل تحقيق تعافٍ اقتصادي مستدام في سوريا، لا يمكن لكلٍّ من التعليم والتدريب التقني والمهني أو المساعدة الفنية أن يحلّ محلّ دور الدولة عبر السياسات الاقتصادية الكلّية والتشريعات الجديدة والإصلاحات المؤسّسية. فالبطالة في جوهرها مشكلة اقتصادية كلّية، ولا يمكن معالجتها من خلال تدخّلات جزئية على مستوى المشاريع وحدها. ومع ذلك، فإنّ المساعدة الفنية المصمَّمة بعناية قادرة على معالجة القيود الهيكلية والعوائق الخاصة بالقطاعات المختلفة، بطرق تتيح تحقيق أثر مستدام وقابل للتوسّع.
يُعدّ قطاع الصناعات الغذائية والزراعية من القطاعات التي يمكن أن تجني فوائد كبيرة من هذا النهج. ففي عام 2010، كان هذا القطاع يساهم بنحو 30 في المئة من إجمالي الإنتاج الصناعي في سوريا، ونحو 10 في المئة من مجموع الصادرات. ومع دخول سوريا مرحلة اقتصادية جديدة في أعقاب رفع العقوبات، تبرز أمام المشروعات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسّطة العاملة في هذا القطاع فرص غير مسبوقة للوصول إلى الأسواق، لكنّها لا تزال مقيّدة بفجوات في التمويل والتكنولوجيا والمعايير وشبكات التجارة. وفي هذا السياق، يمكن للمساعدة الفنّية أن تؤدّي دوراً محورياً في دعم الارتقاء بجودة المنتجات وسلامتها الغذائية على مستوى القطاع ككل، وتعزيز الروابط مع الزراعة المحلّية مع تزايد الطلب على المدخلات.
غالباً ما يُلجأ إلى التعليم والتدريب التقني والمهني عندما يكون خلق فرص العمل صعباً سياسياً أو مالياً أو على مستوى التنفيذ، فيتحوّل عملياً إلى تدخّلٍ بديل أو تعويضي. غير أنّ الأفق المتاح في سوريا اليوم بات أوسع من ذلك. فالتعليم والتدريب المهني لا يستطيع، بمفرده، توليد الطلب على العمالة. وعندما يُستخدَم على نحو رشيد، يمكنه أن يسهم في رفع مستويات المهارة والإنتاجية والدخل، لكنّه نادراً ما يفضي إلى خلق وظائف جديدة. ويبرز أثره الفعلي حين يُدرج ضمن تسلسل مدروس إلى جانب برامج المساعدة الفنية أو في مراحل لاحقة لها.
هذا التحليل حصري من «التحالف السوري للمشاريع» Syrian Ventures Alliance وهي منصّة متخصّصة بالاستشارات الاستثمارية والاقتصادية.