© syriaintransition.com

Cover image
الديناميكيات المحلية

الدين والخوف والفيدرالية

ما وراء قصة رجل الدين العلوي المثير للجدل غزال غزال

العدد 31 – يناير 2026

يشهد الجدل بشكل متصاعد حول كيفية تفسير الاحتجاجات العلوية. وفي جوهر هذا الجدل تكمن معركة على الشرعية: هل تقف وراء هذه الاحتجاجات ما يُعرف بـ«فلول نظام الأسد» بهدف زعزعة استقرار الحكومة السورية الجديدة؟ أم أنّها نابعة من مخاوف أمنية حقيقية وهواجس عميقة داخل أوساط الأقلية العلوية؟ يبقى توصيف الاحتجاجات وتقييم شرعية استجابة الحكومة الجديدة لها مرهونين بالسردية التي ستتقدم لتشكّل الإطار الغالب لفهم ما يدور في الساحل السوري.

لعب رجل الدين العلوي غزال غزال دوراً بارزاً في تعبئة الاحتجاجات على امتداد الساحل السوري، إذ دعا مراراً مناصريه إلى النزول إلى الشارع. وعلى مدى الأسابيع الأخيرة، وصفت وسائل إعلام دولية، من بينها وكالة «أسوشييتد برس» وصحيفة «نيويورك تايمز»، غزال بأنّه «الزعيم الروحي» أو «المرجعية الروحية» للعلويين في سوريا، وهي توصيفات تعكس إلى حدّ كبير اللغة الواردة في البيانات الصادرة عن الجهة التي يترأسها، أي «المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر».

غير أنّ دقّة هذه التوصيفات تبقى موضع تساؤل: فما مدى تمثيل غزال فعلياً للأوساط العلوية؟ وما حجم قاعدته الشعبية؟ وما طبيعة النفوذ الذي يمارسه داخل هذه الجماعة؟

صناعة رجل دين

قبل سقوط نظام الأسد، كان غزال وهب غزال يُعدّ بالفعل من بين رجال الدين العلويين الأكثر حضوراً في المشهد العام السوري، وإن كان لا يمكن وصفه في أي مرحلة من المراحل بأنّه مرجعية روحية عليا. وُلد غزال في قرية تلا في ريف اللاذقية، في عائلة دينية علوية معروفة، ودرس في كلية الشريعة الإسلامية في دمشق، قبل أن يتابع تعليمه في الجامعة العالمية للعلوم الإسلامية.

وقد عكس مساره الديني توجّهاً أوسع داخل بعض الأوساط الدينية العلوية نحو مواءمة الممارسة العلوية بشكل أوثق مع الإسلام المعياري. وتجلّى ذلك في تولّيه منصب «مفتي اللاذقية»، وعضويته في المجلس العلمي الفقهي، إلى جانب إلقائه الخطب في المساجد، وأدائه فريضة الحجّ عام 2023.

غير أنّ هذه المؤهّلات لم تجعل منه في أي وقت القائد الديني العام للطائفة العلوية. ففي حديث إلى مجلة سوريا المتجدّدة، أوضح أحد أنصار غزال، وهو علوي من اللاذقية سبق أن ترأس ميليشيا مدعومة من إيران وغادر سوريا عقب مجازر الساحل في شهر آذار/مارس، أنّ مكانته الدينية كانت محدودة. وقال المصدر: «كان رجل دين عادياً. لم يكن منخرطاً في العمل السياسي، ولم يتدخّل في شؤون تتجاوز الإطار الديني البحت، ولا سيما في منطقة الساحل السوري».

أمّا «المجلس الإسلامي العلوي الأعلى» الذي يترأسه غزال، فلم يُنشأ أساساً إلّا بعد سقوط نظام الأسد. وحتى مع ذلك، فإنّ وصفه بالمرجعية الروحية للطائفة العلوية يظلّ توصيفاً مضلّلاً. وأكّد المصدر ذاته أنّ غزال لا يمكن مقارنته، على سبيل المثال، بمكانة المرجع الشيعي الأعلى آية الله علي السيستاني لدى شيعة العراق الإثني عشرية. وأوضح قائلاً: «لا يمتلك العلويون في عقيدتهم مرجعيات دينية مُلزمة. فهم يمثّلون مساراً فلسفياً لا تحكمه هرمية دينية كهنوتية». وبعبارة أخرى، فإنّ العقيدة العلوية لا تعترف، من حيث المبدأ، بوجود سلطة دينية عليا جامعة.

صُقِل بالنار

شكّلت مجازر الساحل نقطة التحوّل الفاصلة. إذ أدّت التقارير الواردة عن عمليات قتل وانتهاكات بحق العلويين إلى دفع كثيرين داخل الطائفة إلى النظر إلى مطالب غزال السياسية على أنّها تتقاطع بشكل موثوق مع مصالحهم، ولا سيما عند مقارنتها بما يرونه محاولات من جانب الحكومة الانتقالية لـ«إخضاع المجتمع العلوي لأوامرها»، على حدّ تعبير غزال نفسه في مقابلة حديثة مع منصة The Cradle الإعلامية المحسوبة على محور المقاومة.

لقد حظي غزال غزال بدعمٍ خاص من أكثر الأوساط تشدّداً داخل المجتمع العلوي، ولا سيما من عدد من المجموعات المسلّحة التي تقدّم نفسها على أنّها مجموعات علوية متمرّدة. وغالباً ما يطلق أنصار الحكومة الانتقالية عليها وصف «فلول النظام»، وهي تدّعي تبنّي الأهداف السياسية التي يطرحها غزال، وفي مقدّمها المطالبة بشكلٍ من أشكال «الإقليم العلوي» ضمن نظام فيدرالي. وفي كثير من الأحيان، تقدّم هذه المجموعات نفسها على أنّها تتحرّك انسجاماً مع توجيهات غزال؛ فعندما يدعو إلى التظاهر، تشارك في الاحتجاجات، وعندما يحثّ على خفض التصعيد تفادياً لمزيد من إراقة الدماء، تؤكّد التزامها بذلك.

وهذه الدينامية تحديداً هي ما يخلق الانطباع بأنّ غزال يتمتّع بنوع من «السلطة الروحية». غير أنّ هذا التأثير يبقى، حتى في هذه الحالة، ذا طبيعة سياسية في المقام الأول أكثر منه عقائدية، رغم الميل الواضح، في أوقات الفوضى السياسية، إلى البحث عن غطاء ديني يمنح الشرعية للفعل السياسي. وعلى هذا الأساس، يمكن تشبيه صعود غزال إلى حدّ بعيد بصعود حكمت الهجري بين الدروز في السويداء. وفي هذا السياق، قال مصدر يزعم انتماءه إلى «درع الساحل»، إحدى المجموعات العلوية المتمرّدة التي تشكّلت حديثاً، في حديث إلى مجلة سوريا المتجدّدة: «أهدافنا ومطالبنا هي مطالب مرجعيتنا الدينية، الشيخ غزال غزال حفظه الله». وأضاف: «نحن جميعاً، عبر مختلف التشكيلات والقوى، نتحرّك تحت راية الشيخ غزال غزال، ونثق بأنّه سيتّخذ القرارات الأَحكم ويضمن سلامة هذه الطائفة الكريمة».

يرفضه البعض

في المقابل، يرفض العلويون الأكثر ميلاً إلى الانخراط البراغماتي مع الحكومة الانتقالية غزال، سواء بوصفه ممثّلاً سياسياً أو مرجعية دينية عليا. غير أنّ توجيه انتقادات علنية له داخل الأوساط العلوية غالباً ما يُقابل بالريبة، ويسهل التشكيك في دوافعه. وبين العلويين الذين كانوا في البداية متفائلين بالمرحلة الانتقالية ثم مالوا لاحقاً إلى تبنّي موقف غزال المتشكّك، يسود اعتقاد واسع بأنّ منتقديه داخل سوريا إنّما يتحرّكون تحت ضغط مباشر من الحكومة.

وقال نحّال من ريف القرداحة، عرّف عن نفسه بأنّه «وُلد من جديد» فرحاً بعد سقوط الأسد، إنّ منتقدي غزال من العلويين يتحرّكون «تحت التهديد.. لأنّ العلوي لا يبيع إخوته العلويين». وبالنسبة إليه، فإنّ حجم الاستجابة لدعوات غزال إلى التظاهر يُعدّ دليلاً على أنّ هؤلاء المنتقدين «لا يؤثّرون في الناس». وأضاف أنّ دعوات غزال إلى الفيدرالية تُرى على أنّها «أفضل من القتل». ورأى أنّ الحكومة الانتقالية، إذا أرادت كسب ثقة العلويين، ينبغي عليها إصدار عفو عام يشمل العلويين، مع تسمية واضحة لكبار مسؤولي عهد الأسد الذين ستُلاحقهم الملاحقة القانونية.

غير أنّ ليس جميع العلويين المتشكّكين بالحكومة الانتقالية يصطفّون خلف غزال غزال. فقد قدّم أحدهم، وهو معارض سابق لنظام الأسد غادر سوريا قبل سقوطه، ووصف السلطات الحالية بأنّها «متطرّفة أيديولوجياً وأحادية اللون»، وهي عبارة شائعة بين منتقديها على اختلاف توجهاتهم، تقييماً مختلفاً بوضوح. وأشار إلى أنّ غزال ينتمي إلى عشيرته نفسها، لكنّه أخفق، برأيه، في أداء أي دور ذي مغزى في الدفاع عن مصالح العلويين قبل مجازر الساحل. وقارن ذلك بصالح منصور، الذي برز في وقت سابق كناقد علوي صريح، وحظي بدعم المتشكّكين قبل صعود غزال بوقت طويل. وقد أوقفت الحكومة الانتقالية منصور لاحقاً ثمّ أفرجت عنه، ويُقال إنّ ذلك جاء مشروطاً بعدم انخراطه مجدّداً في أي نشاط سياسي. ولافتاً، مع ذلك، عاد منصور لاحقاً ليدعو العلويين إلى التظاهر استجابةً لدعوات غزال.

الداعمون والمتآمرون

وزعم المنتقد نفسه أنّ غزال يقيم حالياً في مناطق خاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية «قسد». كما اتّهمه بالحفاظ على صلات مع كمال الحسن، الرئيس السابق لشعبة المخابرات العسكرية في عهد النظام، وبالتحرّك تحت ضغط من قسد بما يجعله، عملياً، ورقة تفاوض في المباحثات الجارية بين قسد والحكومة. وبالنسبة إلى هؤلاء المنتقدين، فإنّ دعوات غزال إلى الفيدرالية لا تعدو كونها محاولة لإعادة إنتاج تجربة «الدولة العلوية» خلال فترة الانتداب الفرنسي بين عامي 1920 و1936، وهي تجربة يرونها فاشلة ولم تُفضِ في حينها إلى حماية دائمة أو استقرار سياسي للطائفة.

غير أنّ الاتهامات بالتعاون مع كمال الحسن تبقى حتى الآن غير مؤكّدة. بل إنّ بعض المؤيّدين العلويين لغزال يرفضون صراحة أي محاولة لربطه بشخصيات من قبيل كمال الحسن أو رامي مخلوف، علماً أنّ الأخير كان قد وجّه انتقادات علنية لدعوات غزال إلى التعبئة في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، قبل أن يتّهمه في الشهر التالي بالعمل مع عائلة جابر وقسد. ولا يساور الشك كثيرين في وجود تقاطعات أو تعاطف لدى غزال مع قسد، غير أنّ هذا التقاطع يُفهم، في تقدير مؤيّديه، على أنّه نابع من التزام مشترك بمفاهيم اللامركزية والفيدرالية بوصفها آليات لحماية الأقليات، أكثر منه دليلاً على أنّ غزال يعمل وكيلاً مباشراً لـقسد أو أداةً في يدها.

ويتمثّل مسارٌ أكثر ترجيحاً للريبة في مسألة الدعم الخارجي. فقد رُبطت تقارير غزال بجهات دولية تتراوح بين إيران وروسيا وصولاً إلى إسرائيل، من دون أن تتوافر حتى الآن أدلّة حاسمة تؤكّد أيّاً من هذه الصلات. وفي مقابلة غزال مع منصة The Cradle، بدا وكأنّه يلمّح إلى وجود دعم خارجي لأجندته الفيدرالية، قائلاً إنّ «القوى الدولية التي تدعم هذا المشروع [الفيدرالية] هي القوى المعنية بالشأن السوري، والداعمة لحقّ الشعوب في تقرير مصيرها والإدارة الذاتية».

ولم يسمِّ غزال دولاً بعينها، كما تحاشى الإجابة المباشرة عن سؤال يتعلّق بضمانات فرنسية مزعومة بشأن مستقبل الطائفة العلوية. وبدلاً من ذلك، تحدّث بعبارات عامة، معرباً عن أمله في أن «تقف جميع الدول الديمقراطية إلى جانب مظلوميتنا وتدعم مطالبنا المشروعة». ومع أنّ طبيعة هذا الدعم الخارجي لم تُحسم بعد، فإنّ الافتراض بوجود شكلٍ ما من الإسناد الدولي يظلّ منطقياً، وهو شرط لا يقتصر على غزال وحده، بل ينطبق، بدرجات متفاوتة، على جميع الفاعلين المؤثّرين في المشهد السوري.

ما الذي يمثّله غزال؟

في سياقٍ تشكّل عبر عقود من الحكم الطائفي في ظلّ نظام الأسد، ثم خلال سنوات الحرب الأهلية، تلاشى إلى حدٍّ بعيد الحد الفاصل بين الانتماءين السياسي والديني. ومن ثمّ، لا يكمن السؤال الأكثر وجاهة فيما إذا كان غزال زعيماً روحياً من عدمه، بقدر ما يتمحور حول ما الذي يرمز إليه ويمثّله فعلياً. ففي حين يصوّره بعض أنصار الحكومة على أنّه فاعل خبيث يسعى إلى تأجيج الاضطراب وتعريض العلويين للخطر، يُرجّح أنّ مثل هذه التصويرات لا تُضعف جاذبيته لدى أتباعه، الذين يرون فيه صوتاً يعبّر عن مخاوفهم، سواء كانت قائمة على وقائع ملموسة أو مُتخيَّلة.

ولكي تنجح الحكومة الانتقالية في دمشق في كسب ثقة أوسع داخل الأوساط العلوية، يتعيّن عليها اتخاذ خطوات عملية وملموسة. وفي مقدّمة الأولويات العاجلة، تعزيز الحماية من العنف الطائفي، سواء ذلك الذي قد يمارسه تنظيم الدولة الإسلامية أو مجموعات غوغائية غاضبة، فضلاً عن خفض منسوب الخطاب الطائفي من جميع الأطراف. كما تبرز الحاجة إلى اتخاذ إجراءات جديّة لدمج العلويين في المؤسستين العسكرية والأمنية على أسس مهنية ووطنية حقيقية. كذلك من شأن تقديم دعمٍ موجّه واستثمارات فعّالة في قطاعي السياحة والزراعة أن يخفّف من حدّة الضائقة الاقتصادية. وخلاصة القول، يتعيّن على الحكومة أن تُثبِت، بالفعل لا بالقول، أنّ الدعوة إلى منطقة علوية ضمن ترتيب فيدرالي ليست شرطاً لضمان أمن المجتمع العلوي وازدهاره.

وفي المقابل، سيكون على العلويين أنفسهم أن يواجهوا حقيقة دور طائفتهم في إسناد ديكتاتورية الأسد ومسار الحرب، وهي حقيقة ما زال كثيرون، إن لم يكن معظمهم، يتعاملون معها بقدرٍ من الإنكار. وفي الوقت نفسه، يجد العلويون اليوم أنفسهم في موقع هشّ، معرّضين لتحميلهم مسؤولية جماعية عن جرائم النظام، ومهدَّدين بالانزلاق مجدّداً إلى موقعهم السابق لمرحلة ما قبل الأسد، بوصفهم شريحة مهمَّشة ومضطّهَدة من المجتمع السوري. وإذا أخفقت الدولة في الاضطّلاع بدورها، فقد يتجه نفوذ غزال السياسي نحو مزيد من التصلّب، ويتحوّل إلى ما يشبه قيادة دينية بفعل أمر واقع، على غرار المسار الذي سلكه حكمت الهجري.

العودة إلى الأعلى

الديناميكيات المحلية

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية