أصالة ضد الذهبي: صراع على ثقافة سوريا الجديدة؟
17. أيلول 2026
كَشَف احتفاء الفنانة أصالة بالتراث السوري عن صراعٍ حول الجهة التي يحق لها تحديد هوية الوطن.
أحدثت المغنية أصالة ضجة كبيرة مؤخراً، بإصدارها ما سمته «الألبوم السوري» المؤلف من 14 أغنية على عدد المحافظات السورية، فيما أدى إعلان عن حفلين لها في دمشق إلى ردود فعل أبرزها حملة مناهضة لها قادها ناشطون ودعاة (برز بينهم شيخ مصري يسمّي نفسه الذهبي) رفعوا عنوان «المعازف حرام»، فيما ظهرت حملة أخرى مساندة لأصالة قادتها شخصيات عامة معروفة حظيت بتأييد شعبي ملحوظ.
أظهر الحدث صراعاً على المجال العام. لخّص التيار المحافظ المسألة بقياس القضايا المثارة بمنظومة الحلال والحرام: عزف الموسيقى، الاختلاط، صوت المرأة، والحفلات العامة. برز هنا موقف واضح للدولة، بدءاً من وزارة الثقافة التي رعت الحفل، ثم إعلان الرئاسة السورية دعم هذا عبر تصريح لأحمد موفق زيدان، المستشار الإعلامي لأحمد الشرع، أنّ أصالة رمز للفن السوري «الملتحم مع شعبه»، وأن أغاني المحافظات الأربع عشرة ستصبح «مدماكاً» في سوريا الجديدة. لم تعد المعركة بين فنانة وداعية، بل بين تصوّرين للمجال العام، وأضحت الدولة نفسها طرفاً فيها.
رؤية لأصالتين
يُفصح اسم أصالة نفسه عن مفارقة لغوية، فالطرفان يدافعان، بطريقتيهما، عن الأصالة. تزداد المفارقة اتساعاً، حين نعلم أن زوج المطربة الأول كان من عائلة الذهبي. اشتهر المصري هاني دهب (الذي يسمّي نفسه الذهبي)، بإطلاقه مشروع «الحجاب الشرعي» متحدثاً من موقع يرى تحرير فصائل إسلامية لسوريا فرصة لإعادة تشكيل المجتمع وفق معيار أصولي سلفي، أما أصالة فتعود بأربع عشرة أغنية لتقدم خطاباً آخر حول الأصالة السورية: لهجات. نساء يغنين. آلات موسيقية. دبكة. قدود. تراث ريفي. بحر. جبل. حوران. دير الزور. اللاذقية. القامشلي والسويداء. تواجه المطربة الأصالة المعيارية التي تريد أن تحدد ما ينبغي للسوري أن يكونه، بأصالة ثقافية –تاريخية– جغرافية تعرّف السوريين بما هم بالفعل، بكل تناقضاتهم وتنوعهم واختلافاتهم التي لا يمكن صبّها في إطار ثقافي واحد.
يستعيد الروائي تيسير خلف زاوية طريفة للموضوع عبر حديث من عام 1905 لجمال الدين القاسمي، أحد رموز السلفية الشامية الذي يتحدث بحنين عن الإنشاد والقدود القديمة ويشتكي من «الغناء العصري» آنذاك الذي لا يطربه، وهو ما يظهر أن «التديّن السوري الأصيل» كان أكثر تركيباً مما يقترحه الخطاب السلفي المعاصر.
لاحظ أحدهم أيضاً أن محاولة اختيار أغنية لكل محافظة اصطدم بحقيقة ان الثقافة السورية لا تعرف حدود المحافظات، فحوران أكبر من درعا، والفرات أكبر من الرقة، والبادية تربط شرق حمص بدير الزور والجزيرة، والحسكة أكبر في تنوعها العربي والكردي والسرياني والآشوري والبدوي، والنتيجة، كما تقول نينار عمران، أن «التراث السوري لم يُخلق داخل حدود المحافظات الإدارية».
الخريطة الثقافية مقابل الحدود الإدارية
في حين تنظر «الدولة السورية» إلى سوريا من أعلى، فإن الواقع يظهر سوريا أعمق: ساحل وبادية وأنهار وجبال وسهول ومدن تجارية وطرق قوافل ومراكز حضرية تفاعلت كلها فأنتجت إيقاعات ولهجات وأطعمة وموسيقى وشبكات بشرية لا تعبأ بالخطوط الإدارية. أرادت أصالة أن تغني خريطة سوريا فاكتشف السوريون، من دون قصد، أن لسوريا خريطة أخرى.
لا تتشكل الحدود الثقافية ضمن هذه الخريطة اعتباطاً. وادي الفرات، مثلاً، ليس خطأ على الخريطة: إنه ممر حركة بشرية، والبادية ليست فراغاً، إنها فضاء اتصال، وحوران لا تتوقف ثقافياً عند الحدود الأردنية، والساحل تصنعه العلاقة المعقدة للجبل بالبحر، وهذا يفسر لماذا انتبه البعض أن أغنية من شرق حمص تعتبر أقرب موسيقياً إلى دير الزور. كشفت تجربة الألبوم خطأ التفكير من خلال الجغرافيا السياسية الحديثة في وقت أن الثقافة تتبع الجغرافيا الطبيعية ومسارات الحركة البشرية. اقترح البعض هنا نقداً لما سمّاه «سايكس بيكو الداخلي»، الذي يقسم المحافظات بيروقراطياً مما يؤدي للفكرة الخاطئة عن اعتبارها قبيلة ثقافية.
ليست الموسيقى، بحال، منتجاً في استوديو بل حصيلة طريقة حياة، فالرعاة يغنون بطريقة، والفلاحون بطريقة، وتحفظ الجبال لهجات وإيقاعات مختلفة عن السهول المفتوحة، ومدن «طريق الحرير» تستقبل أدوات ونغمات تختلف عن التجمعات المعزولة. حين غنت أصالة 14 أغنية، لم تغن للمحافظات السورية بل لأربعة عشر أثراً لتاريخ طويل بين الإنسان والأرض التي عاش عليها.
نفهم هنا لماذا بكت الناشطة الحقوقية هبة عز الدين حين سمعت أصالة تغني «إدلب يا بعد عيوني». السبب كان أن اسم محافظتها خرج فجأة من القاموس المعتاد: قصف، نزوح، مخيم، جبهة، إرهاب، حرب؛ ودخل قاموساً آخر: حب، فرح، غناء. كتب زياد الصوفي شيئاً شبيهاً عن اللاذقية: اختزلت الحرب والسياسة المدينة في صور طائفية وسياسية ثم جاءت أغنية أصالة فأعادت إليها البحر والليمون والذاكرة والجمال. ملخّص هاتين الانتباهتين أن الحرب لا تقتل البشر فقط بل تستولي أيضاً على معاني الأمكنة. الرقة تصبح «داعش»، وإدلب تصبح «المحرر»، واللاذقية تغدو «حاضنة النظام»، والسويداء تصبح «الدروز»، ودير الزور تصبح «العشائر». تأتي الموسيقى وتفكك هذا الخطاب معيدة المكان من الأيديولوجيا على الحياة اليومية.
الصديق المهندس عدنان حاطوم قام بتفكيك آخر حين قدم اعتراضاً ضرورياً على التفاؤل مذكراً بأغنية صدرت في السويداء بعنوان «نحن منكم». جاءت أحداث العنف في المحافظة لتجعل الاستماع لها مؤلماً وهو ما يطرح سؤالاً مُمضّاً: هل تستطيع الأغنية أن تصنع وطناً؟ ما تستطيعه، ربما، هي أن تكشف المسافة بين الوطن المُتَخيّل والوطن الموجود. الموسيقى بهذا المعنى لا توحّد سوريا بالضرورة، لكنها تكشف أيّ سوريا يريد السوريون أن تكون موجودة.
صراع الهويات
يبدو صراع أصالة والذهبي اختلافاً بين طريقتين لفهم الهوية، واحدة تراها قالباً ينبغي إدخال السوريين فيه، والأخرى تقرأها كقرون من الاختلاط والاختلاف والهجرات والجغرافيا والذاكرة. ثمة أشياء لا يقرّرها «المُحرِّرون»: كيف يغني الناس، ماذا يأكلون، ماذا يلبسون، بأي لهجة يحبون، وما الذي يتذكرونه حين يسمعون اسم مدينتهم. الثقافة أبطأ من الثورات، وأقدم من الحكومات.