الأوديسة السورية

30. آب 2026

من مالقة الفينيقية إلى عرس وهمي في طريقه إلى السويد: تاريخ طويل لرحلة السوريين غرباً

في مصادفة عجيبة، تحوّلت زيارة لي إلى البيت الذي ولد فيه الرسام الشهير بابلو بيكاسو، إلى مناسبة لتداعيات حول ما يمكن أن نسميه «الأوديسة» السورية، نسبة طبعاً إلى الملحمة الإغريقية الشهيرة التي يعرض فيلم عنها في صالات العرض السينمائي حالياً.

عند قيام سلطات المدينة بإجراء حفريات لتحسين أساسات المنزل وقعت على اكتشاف تاريخي كبير: تحت منزل عائلة بيكاسو وجدوا بيتاً آخراً يعود لزمن سحيق. بيّن التحقيق الأركيولوجي أن سكان ذلك البيت كانوا من الفينيقيين الذين كانوا أول من أسس مراكز تجارية لتلك الجماعة الشرقية الرائدة حقاً، في مدينة ملقة، على الساحل الاسباني، بحدود القرن التاسع قبل الميلاد.

كان الإغريق، الذين ينتمي إليهم أوديسيوس (أو عوليس/ أوليس)، هم من أعطوا تلك الجماعة اسمها عندما وردت في شعر هوميروس، بين القرنين الثامن والسابع قبل الميلاد، لكن الدراسات تشير إلى انتمائهم للثقافة الكنعانية التي امتدت في بلاد الشام منذ الألفية الثالثة قبل الميلاد، وكانت مدنهم مأهولة منذ العصر البرونزي المبكر، وشكلت مراكز تجارية حيوية متصلة بشبكات التجارة البحرية والبرية مع مصر وبلاد ما بين النهرين وتركيا واليونان وبلدان شمال وجنوب البحر المتوسط. كان اليونانيون أيضاً هم من سمى هذه المنطقة سوريا.

يمكن النظر إلى ما فعله العرب والأمازيغ المسلمين الذين سيطروا على الأندلس في جنوب شبه الجزيرة الإيبيرية، بدءاً من عام 711، وضمه للخلافة الأموية، كموجة هجرة أخرى أو «إعادة انتشار» بعد قرابة 18 قرناً على الهجرات الأولى.

يقدّم الروائي والباحث الفلسطيني – السوري تيسير خلف (وهو لاجئ ونازح من مواليد القنيطرة) إضاءة تاريخية وجينيّة ماتعة على هذه الدينامية الحركية البشرية بين الضفّتين الأقصيين للبحر المتوسط، بقوله إن الاندلسيين القدماء هم خليط فينيقي وندالي سلتي، وهم الذين أدخلوا المسلمين من دون قتال يذكر للتخلص من عسف روما. وإن معظمهم اعتنقوا الإسلام، وان قشتالة والقشتاليين احتلوا الأندلس احتلالاً وفرضوا لغتهم ودينهم على الاندلسيين، وان معظم الاندلسيين المسلمين المهجّرين من بلدهم لرفضهم العودة عن دينهم هم اندلسيون اصليون وليسوا عرباً.

حرب طروادة بنسختها السورية

دامت حرب طروادة، حسب ما تروي الأوديسة، عشر سنوات، فيما استغرقت رحلة تيه أوديسيوس، خلال عودته إلى مدينته إيثاكا، عشر سنوات أخرى، أما حرب طروادة السورية فدامت أكثر من 13 عاماً، شهد السوريون خلالها أكبر هجرة في تاريخهم القديم أو الحديث، فقد فرّ من البلاد، حسب إحصاءات الأمم المتحدة، أكثر من 4 ملايين إنسان لجأوا إلى البلدان المجاورة ثم انتشروا في أوروبا والمعمورة، فيما قدّرت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عدد النازحين الداخليين بسبعة ملايين شخص.

صوّر فيلم «السباحتين، The Swimmers» (منصة «نتفليكس» عام 2022)، من بطولة ناتالي ومنال عيسى، وإخراج سالي الحسيني، الحكاية الحقيقية ليسرى وسارة مارديني، اللتين خاضتا عام 2018 مغامرة الهجرة «غير الشرعية» إلى اليونان، ومن ثم إلى ألمانيا، لتحققا حلمهما في المشاركة بالألعاب الأولمبية. طريف هنا أن يُستعاد مجدداً الخيط الأزلي للعلاقة بين سوريا واليونان، بذكر أن إحدى السباحتين، سارة، ظلّت تحاكم في اليونان بتهمة تهريب مهاجرين حتى شهر كانون الثاني/ يناير 2026 حين قرّرت المحكمة، بفعل الضجة العالمية لقصتها على ما يبدو، تبرئتها.

«من يستطيع إيقاف عرس؟»

قدّم المخرج الإيطالي أنتونيو أوغوليارو، والناشر والشاعر الفلسطيني - السوري خالد سليمان الناصري، في العام 2015، قصة تشبه في غرابتها حكايات ملايين السوريين حين قررا المجازفة قانونياً، ومعهم العديدون من الإيطاليين، لإنقاذ خمسة أرواح بحيلة تقوم على فكرة لا يمكن ان تساور شكوك ضباط الحدود. قال الناصري، «من يستطيع إيقاف عرس؟». كان العريس المفترض هو شاب فلسطيني رسا قاربه عند جزيرة لامبيدوزا الإيطالية عام 2013، وكانت العروس الافتراضية فتاة اسمها تسنيم من مهجري مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين.

عبد الله، «عريس الفيلم» الافتراضي الذي كاد يموت تحت الجثث لولا قوة جعلت يده ترتفع لتشاهده فرق الإنقاذ، حكى قصة طفلة لاجئة فلسطينية سورية كان يعلمها أغنية قبل غرقها بيوم واحد، وظهر في الفيلم شعراء منهم رائد وحش ومحمد المطرود وتمام هنيدي، الذي عزّى السوريون أنفسهم قبل أيام بوفاته في ألمانيا بمرض السرطان، كما ظهر أحد من رثوا هنيدي، وهو مخرج الفيلم خالد الناصري، عندما عَلِم أثناء تصوير العمل عن حصوله الجنسية الإيطالية فبكى: «لأول مرة أحمل في جيبي جنسية»!

الرعب والإجرام والكوميديا السوداء

حفلت قصص السوريين الذين يحاولون الهرب من بلادهم، مثل قصص «الأوديسة» بألوان من الرعب والإجرام والكوميديا السوداء، والطرائف الغريبة. أحدهم تنكّر على شكل حاخام، وبعضهم حاولوا عبور البحار بملابس ضفادع بشرية، وآخر أراد المهرّب أن يكرّمه فأعطاه نسخة مزورة من جواز سفر رئيس وزراء ليتوانيا فكان سبباً في اكتشافه.

طورِد كثير من السوريين في بلدان عربية، واعتُبروا في الجزائر «إرهابيين» لأنهم فرّوا من دولة «معارضة للامبريالية»، وقام وزير في حكومة علي العريض، التي كان يقودها إسلاميون في تونس، بوصم المشاركات في قتال نظام الأسد بفرية «جهاد النكاح»، ونالوا أشكالاً من الحب والترحيب في مصر إلى أن سقط نظام الأسد، فتغيّرت التنميطات. وصل بعضهم إلى بريطانيا عبر طريق مخيف عبر إفريقيا وأوروبا، ومات كثيرون وهم يحاولون قطعه، ووجد آخرون متنفساً في أمريكا اللاتينية، وملاجئ في أقاصي آسيا وأوقيانوسيا.

رحلة عائلتي الطويلة للخروج من سوريا

تابعت شخصياً، أنا الهارب من سوريا الأسد منذ 36 عاماً، قصص خروج أفراد عائلتي المتتابع. عبرت عائلة أخي الوحيد خطّ البرّ والقطارات الذي انفتح للسوريين في اتجاه ألمانيا في عهد المستشارة العظيمة انغيلا ميركل، والتحقت أمي بأخواتي الثلاثة المقيمات في أمريكا. كانت تناشدنا أن نعيدها الى بيتها المهجور في دمشق وتقول إن أبي (الذي كان قد توفّي قبل سنوات) ينتظرها عند الباب. توفّيت أمي، دلال الحلبي، وهي ابنة مهاجرين من شمال سوريا قبل قرنين، في أمريكا، ودفنت في مقبرة «شيكاغو هايتس».

العودة إلى الأعلى

كاتب سوري مقيم في لندن

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية