هل نشهد صعود حزب الله السنّي؟

5. آب 2026

مع تزايد الحديث عن تدخل سوري في لبنان، ربما حان الوقت لدمشق أن تتبع نهج طهران.

كثر الحديث عن قُرب تدخل الجيش السوري الوليد إلى لبنان، وأحياناً واجب التدخل من أجل ضبط الحدود وتنظيم فوضى السلاح أو نزعه، أو ضبط الحدود. وربما يضمر الحديث عن مجازاة حزب الله الذي فعل الأفاعيل في سوريا، والدخول خير من التدخل، بل إن صحيفة «المدن» نقلت خبراً عجيباً عن رغبة كويتية وبحرينية في الاستعانة بالجيش السوري لرد هجوم إيراني محتمل. لكن الرئيس الشرع أنكر الأمر، فلن يتجاوز الأمر غير المساعدة ولم يذكر نوعها، أهي استشارية كما كانت إيران تزعم وتدّعي في مساعدتها نظام الأسد، أم عسكرية بالكتائب والسلاح على الحقيقة.

على الطرف الآخر انتقد  رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري تصريحات المبعوث الأميركي توم براك عن ضم لبنان إلى سوريا، ووصف بري، في تصريحات أمام وفد نقابة الصحافة اللبنانية بأنها «خطأ كبير وغير مقبول على الإطلاق».

وكان براك قد قال في أثناء مشاركته في منتدى الدوحة 2025، إنه «يجب أن نجمع سوريا ولبنان معاً (بالحلال) لأنهما يمثلان حضارة رائعة»، وفق ما نقلته وكالة الأناضول .

وقد كشف توم براك أكثر من مرة عن رغبته في إعادة ضم لبنان إلى سوريا، كما قال ترمب نفسه في مقابلة مؤخراً: إنَّ الرئيس السوري يرغب في دخول لبنان، وهي المرة السابعة التي يعرب فيها عن هذه الرغبة، وإنه أولى من رئيس الوزراء الإسرائيلي وأكثر كفاءة منه؛ فالأخير، كما قال ترمب منتقداً، يدمّر العمران. المثل يقول أعط العجين للخباز ولو أكل نصفه. سننتظر، ففي أرض السياسة يزرع السياسي بطيخاً ويحصد قمحاً.

ربما كان تصريح ترمب إحراجاً للرئيس السوري، الذي لن ينكر تصريح الرئيس الأميركي، الذي زعم أنّه وطّأ له أكناف الحكم، ولن ننكر أنَّ ترمب أعانه في رفع عنه العقوبات الدولية ( وهي عقوبات أمريكية) عن سوريا، وضّمخه بالعطر، ويبدو أنَّ نجم الرئيس السوري في لمعان وإشراق، والتدخل إن حدث، سيكون «تعاوناً» مع الحكومة اللبنانية لبسط الأمن، وقد جاء وقت دفع ثمن الشرعية الجديدة.

والأمر ـ إن وقع ـ سيجري تحت مظلة دولية وعربية ولبنانية، والجيش السوري الجديد أكثر حنكةً وأدباً من جيش الأسد وقادته المفترسين.

قرن من الغزوات الغبية

الأمر ليس جديداً، فلطالما كانت لبنان ملعباً عربياً ودولياً، وبذلك نكون قد قضينا مائة سنة من التدخلات العربية - العربية، وكأننا عدنا إلى أيام الجاهلية، حيث تغزو القبيلة أختها.

في عام 1948، دخلت جيوش مصر والأردن وسوريا والعراق ولبنان إلى فلسطين عقب إعلان قيام دولة إسرائيل.

وفي عام 1958، حاول العراق ممارسة ضغوط على الكويت، إذ حشد الزعيم العراقي عبد الكريم قاسم قواته قرب الحدود، قبل أن تتدخل بريطانيا لحماية الكويت.

وبين عامي 1963 و1970، تدخلت دول عربية في اليمن في أعقاب الثورة، فدعمت مصر الجمهوريين، بينما وقفت السعودية إلى جانب الملكيين.

وفي عام 1970، وقعت أحداث «أيلول الأسود»، وهي المواجهة بين الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية، وسط محاولات عربية للوساطة.

ومن عام 1976 حتى عام 2005، تدخلت سوريا في لبنان خلال الحرب الأهلية اللبنانية، وبقيت القوات السورية هناك قرابة ثلاثة عقود.

ثم جاء الغزو العراقي للكويت عام 1990، في ما يُعدّ ربما أبرز مثال حديث على احتلال دولة عربية لدولة عربية أخرى، وهو ما أدى إلى اندلاع حرب الخليج وتشكيل تحالف دولي لتحرير الكويت. وفي عام 1991، شاركت دول عربية في ذلك التحالف ضد العراق.

وفي عام 2011، تدخلت دول عربية في ليبيا خلال الحرب التي انتهت بسقوط نظام معمر القذافي.

وفي عام 2015، قادت السعودية والإمارات تحالفاً عسكرياً تدخل في اليمن ضد الحوثيين وحلفائهم.

هذه «الغزوات»، وإن اختلفت دوافعها وشعاراتها، إنما هي تعبيرات عن دوافع خارجية، ومصالح داخلية، أحياناً سعي للوحدة بطرق غير شرعية. الوحدة بالقوة أو الخوف على السلطة من الجار الواعد أو طمعاً في ثروة الجار الغني.

النموذج الإيراني في الغزو

لكن إيران كانت أكثر ذكاءً وخداعاً من جاراتها العربية؛ فقد تدخلت في أربع دول عربية من غير خيل ولا ركاب، متجاوزة حتى خدعة حصان طروادة، بصناعة كتائب محلية من أبناء البلد نفسه، مرتبطة بها بعقيدة مذهبية وبمرجعية سياسية إيرانية، مثل حزب الله في لبنان، وأنصار الله في اليمن، والحشد الشعبي في العراق. وأحياناً بكتائب أفغانية غير إيرانية، لم تكن سوى القيادات إيرانية، تُدار عن بعد وأحياناً مباشرة.

السؤال: لماذا لا تنهج الدول العربية النهج الايراني نفسه؟ وتصنع أحزاباً وجماعات سنيّة موالية على الغرار نفسه، فهناك عرب في إيران، وفيها سنّة محرومون من الجهر بمذهبهم، ويمكن دعمهم بالمال أو السلاح أو الإعلام. أو مناصرتهم وتفقّدهم كما تفعل الدول الكبرى برعاية الأقليات الدينية والعرقية، لمآرب خاصة حتى صارت أعلى من الاكثرية وأجلّ منها.

لماذا لا تُرعى طرابلس (الشام)، التي كانت سوريّة إلى عهد قريب، بالعون والموالاة والخطاب، وأهلها يوالون القائد السوري الجديد أحمد الشرع، ويرفعون صوره في الشوارع والساحات، ويفتخرون به في المجالس ووسائل التواصل، ويعتزون بقيادته أكثر من السوريين أنفسهم!

يمكن التذكير بتجربة أفغانستان تحت الاحتلال الروسي، حين جُمعت لها الأموال، وأُفتيت الفتاوى، فاستنفر العرب خفافاً وثقالاً إلى الجهاد ضد الروس، ووُصِفوا حينها في وسائل الإعلام العالمية والعربية بأنهم دعاة حرية، ثم انقلبت عليهم القوى نفسها لاحقاً فسمّوا بالأفغان العرب.

العائق الحقيقي

ثمة أسباب تحول دون مثل هذه الخطة، ليس من بينها الجهل أو قلة الحيلة، وإنما الخوف من الإسلام السياسي.

فلو حدث الأمر، فسيكون بدعوى الإسلام ورابطته، لا دعوى القومية، لأن القومية العربية لم تعد تغري أحداً بعد أن انكشف كثير من دعاتها وسقطت رموزها. والحكومات العربية تخشى الخصم الداخلي الإسلامي الدعوي أكثر من خشيتها من إيران أو أمريكا التي يمكن رشوتها بالثروات أو بالأرض أو النفوذ، أما الإسلام السياسي الدعوي، فيصعب لجمه أو كبحه في الداخل العربي إن علا شأنه وارتفع.

العودة إلى الأعلى

كاتب سوري

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية