مجلس الشعب هو صمام الأمان الذي تحتاج إليه الحكومة
7. آب 2026
مع تزايد الاحتجاجات في مختلف أنحاء سوريا، يمكن لمجلس شعب يتمتع بصلاحيات فعلية أن يوفر مخرجاً مهماً للمظالم المتصاعدة.
يقف مبنى مجلس الشعب في شارع الصالحية مهيباً وراسخاً. هذا المبنى الذي يناهز عمره قرناً شُيّد من الحجر البيج وتتخلله خطوط هندسية صافية بألوان داكنة، في إعادة صياغة للطرازين السوري والإسلامي التقليديين. شُيّد المبنى أساساً عام 1932، لكن الفرنسيين دمّروا جزءاً كبيراً منه عام 1945 خلال غارة جوية على دمشق. واستغرقت إعادة بنائه وتوسعته قرابة عقد من الزمن، حتى اتخذ شكله الحالي.
وتختلف الروايات بشأن سبب استهداف المبنى. إذ يقول بعضها إن السبب كان رفض حرس المجلس أداء التحية للعلم الفرنسي، بينما تقول روايات أخرى إن ذلك حدث بعد إخفاق القوات الفرنسية في إلقاء القبض على رئيسه سعد الله الجابري. وتزعم روايات أخرى أن القصف وقع بعدما حاولت القوات الفرنسية من دون جدوى اعتقال الجابري وشكري القوتلي رئيس سوريا آنذاك.
لكن المؤكد أن الحادثة وقعت على خلفية احتجاجات مناهضة للحكم الفرنسي. وكان قائد قوات «فرنسا الحرة»، شارل ديغول، قد وعد سوريا بالاستقلال إذا انشقت قواتها الخاصة -وهي القوات المسلحة السورية التي اعتمدت إلى حد كبير على أبناء الأقليات- عن حكومة فيشي المتحالفة مع النازيين. لكن عندما وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها في نهاية المطاف، ظل ديغول، الذي أصبح رئيساً آنذاك، يرفض منح سوريا استقلالها حتى عام 1946.
يرمز مجلس الشعب اليوم إلى نضال سوريا من أجل التحرّر من أغلال الاستعمار وإقامة ديمقراطية حقيقية. وبعبارة أخرى، يقف شاهداً على السيادة السورية في وقت لا تزال فيه البلاد ساحةً لتنافس المصالح الإقليمية والدولية. كما يُعدّ تذكيراً بماضي سوريا الديمقراطي المضطرب -الذي شهد ما لا يقل عن عشرة انقلابات عسكرية بين عامي 1949 و1970-. فضلاً عن قربه من الشعب السوري، فعلى خلاف القصر الرئاسي الذي يقع فوق جبل المزة في ضاحية دمر البعيدة، يقع المجلس في قلب دمشق على مسافة يمكن قطعها سيراً على الأقدام من شارع الحمراء، أحد أكثر الشوارع التجارية ازدحاماً في المدينة.
ومع تزايد الاحتجاجات في مختلف أنحاء البلاد، يظلّ مجلس الشعب أفضل فرصة أمام الحكومة لإيجاد صمام أمان قادر على استيعاب السخط الشعبي وتوجيهه نحو توصيات ملموسة بشأن السياسات تُرفع إلى السلطة التنفيذية. ومن ثم يمكن له إذا مُنح صلاحيات فعلية أن يصبح حجر الزاوية في استراتيجيتها للبقاء.
الحراك الشعبي
في مطلع يونيو (حزيران)، تجمّع عشرات المحتجين أمام مبنى مجلس الشعب للمشاركة في اعتصام «القانون والكرامة» الثاني، بعدما نُظّم الاحتجاج الأول في مطلع أبريل (نيسان). وطالب المحتجون بانعقاد المجلس فوراً، بعدما ظل معطلاً منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي حين أُجريت انتخابات غير مباشرة لاختيار ثلثي أعضائه.
وكما في الاعتصام الأول، تبنّى المحتجون مطالب سياسية واجتماعية واقتصادية، شملت الدعوة إلى عدالة انتقالية حقيقية وإعادة إعمار شاملة والتراجع عن الخصخصة فضلاً عن إدانة خطاب الكراهية والطائفية. لكن على خلاف الاعتصام الأول، لم تتدخل الشرطة لتشكيل طوق حماية حول المحتجين في مواجهة متظاهرين مضادين مؤيدين للحكومة.
وبدلاً من ذلك بدأت قوات الأمن -التي كان كثير من عناصرها يرتدون ملابس مدنية- تصوير المشاركين ومطالبة الصحافيين بإبراز بطاقات اعتمادهم الإعلامية، وأبقت المتظاهرين المضادين المؤيدين للحكومة تحت السيطرة في الجهة المقابلة من الشارع. وبعد أقل من ساعة على بدء الاعتصام فضّت الشرطة الاحتجاج لعدم حصوله على الموافقات اللازمة. وكانت وزارة الداخلية قد أصدرت بعد وقت قصير من الاعتصام الأول تعميماً يشترط حصول الاحتجاجات مسبقاً على ترخيص حكومي.
وربما أثارت هذه المظاهرات قلق الحكومة؛ إذ كان معظم المحتجين من نخبة متعلمة، بينهم كثير من معتقلي نظام الأسد السابقين ونشطاء المعارضة، ممن استطاعوا توجيه حالة السخط وصياغة المطالب الشعبية بوضوح.
وبعد أسابيع اندلعت احتجاجات عنيفة في مختلف أنحاء البلاد للمطالبة بالعدالة الانتقالية، في ظل عدم بدء سوى عدد قليل من محاكمات مسؤولي نظام الأسد السابقين. وخلال الأسبوعين الماضيين شهدت البلاد أيضاً احتجاجات ضد استمرار وجود «قوات سوريا الديمقراطية» ذات القيادة الكردية في محافظة الحسكة شمال شرقي البلاد. ومنذ مطلع العام نظّم سائقو الشاحنات ومزارعو القمح وعمال المصانع احتجاجات متقطعة أيضاً.
مجلس الشعب بوصفه صمام أمان
يدلّ تزايد الاحتجاجات على أمر بالغ الأهمية: السوريون بحاجة إلى صمام أمان. ويمكن لمجلس الشعب أن يؤدي هذا الدور تحديداً، لا سيما عندما تبدأ جلساته بالبث تلفزيونياً. فإذا بدأ المواطنون يشعرون بأن النواب الممثلين لمناطقهم يعبّرون عن مظالمهم، فقد لا يسارعون بالقدر نفسه إلى النزول إلى الشوارع؛ إذ سيكون أمامهم، بدلاً من ذلك، مسار مؤسساتي يمكنهم إيصال مطالبهم من خلاله.
إضافة إلى ذلك، تحتاج الحكومة إلى محاور قادر على الإصغاء إلى المطالب الشعبية وتحويلها إلى توصيات ملموسة بشأن السياسات. ومجلس الشعب هو الجهة الأقدر على أداء هذا الدور، كما يمكن للحكومة أن تعوّل عليه في التعاون بدلاً من المواجهة، بالنظر إلى أن الشرع نفسه عيّن أعضاء المجلس بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
لكن تحقيق ذلك يتطلب تزويد المجلس بالموارد اللازمة ووضع إطار مؤسساتي يمنحه الصلاحيات، والأهم من ذلك وجود سلطة تنفيذية تنظر إليه بوصفه شريكاً لا تهديداً.