«سايكو» سوري

14. آب 2026

صائد جن، ومقامر، وعالم متدين: لمحة عن أزمة الصحة العقلية في سوريا.

إن لفظ«سايكو» اللاتيني يعني الاختلال النفسي، ويذكّر بفيلم «السايكو الأمريكي» المأخوذ عن رواية بريت إيستون إيليس، وهو فيلم يمزج الكوميديا السوداء بالرعب الصافي، ويهجو المجتمع الاستهلاكي الأمريكي. يختلط في الفيلم الواقع بالخيال. بطل الفيلم مضطرب نفسي رغم مظهره الخارجي العادي، شعوره بالفراغ والاغتراب يدفعه لارتكاب أعمال عنف وجرائم قتل، من غير أن يلاحظ  الآخرون من حوله شيئاً، فهم يتشابهون  في المظهر وأسلوب الحياة.

«سايكو سوري» ليس تنميطاً لاختلال معين، فهي وقائع وحالات اطّلعت عليها من الجوار القريب، وليست مختارات من محاضر عيادة نفسية. قد ينصرف الذهن إلى شخصية الجلاد السوري بدايةً، أو المجلود السوري، الذي نجا من الموت وأهملته حكومة الثورة، وكم شاهدت معتقلين محررين يتضرعون إلى الحكومة، لا لرعايتهم أو معالجة أمراضهم النفسية والعضوية، بل لمدهم يما يعينهم على العيش. أريد أن أتحدث عن اضطرابات نفسية قريبة من دائرة معارفي.

اضطرابات الحرب

الحرب والفقر يفسدان الأخلاق، كما يفسدان النفوس، والحروب بيئة خصبة لظهور الاضطرابات النفسية. أذكر أنني كنت أسكن في عمارة تضم جيراناً من طوائف وبيئات مختلفة، وكانت التحية تجمعنا على الأدراج، لكن مع اشتداد الحرب تغير كل شيء؛ خُذِلوا، وكلما صادفتهم خفضوا رؤوسهم إلى صدورهم، وعبروا صامتين، إما خوفاً وإما يأساً.

تذكر المراجع الطبية أنّ أكثر الاضطرابات انتشاراً في الحروب هي اضطراب ما بعد الصدمة، وما يصاحبه من كوابيس، واسترجاع للذكريات، وفرط في اليقظة، يأتي بعده الاكتئاب الناتج عن فقد الأحبّة، والنزوح، وانهيار الحياة الطبيعية، وما يصاحبه من حزن مقيم، وفقدان للمتعة، وشعور بالذنب واليأس، وقد يصل إلى التفكير في الانتحار.

كما تنتشر اضطرابات القلق ونوبات الهلع، فيعيش الإنسان خائفاً حتى بعد زوال الخطر، ويظهر اضطراب الحزن الطويل عند الثكالى والأيتام في أحوال مفزعة، فلا يستطيعون العودة إلى حياتهم السابقة. وهناك أيضاً الاضطرابات الانفصالية، التي يشعر فيها الإنسان كأنه مغترب عن نفسه أو عن الواقع، فضلاً عن اضطرابات النوم، وتعاطي المخدرات والخمور، والاضطرابات السلوكية عند الأطفال، وما يسمى الإصابة الأخلاقية، وهي شعور عميق بالذنب أو الخزي لدى من شهدوا أو ارتكبوا أفعالاً ما كانوا يجرؤون عليها.

حالات عرفتها

تشير دراسات كثيرة إلى أنَّ نسبة كبيرة من سكان مناطق الحروب تعاني واحداً أو أكثر من هذه الاضطرابات، لكنَّ سوريا تفتقر إلى الإحصاءات في مجتمع مدمّر، كما أنَّ خدمات الطب النفسي فيها محدودة، وما يزال كثير من الناس يفسّرون المرض النفسي بالسحر أو الحسد أو مسِّ الجن.

أروي ثلاث حالات كنت شاهداً عليها عن بعد من المنفى. الحالة الأولى تخص شخص اسمه سليم. كان سليم طالباً مجتهداً، موهوباً في كتابة القصة الساخرة. درس العلوم، وهو يهوى الأدب، وهذه مهلكة علمية سورية، بسبب طبقات العلامات في الثانوية العامة وإغراء اللقب. وكان يستعد لنيل الدكتوراه في علم الخلايا. بلغ الثانية والثلاثين من عمره من غير أن يعرف امرأة سوى بالتحية في الكلية. شديد التدين، يقضي عطل الصيف في إحدى المعاهد الشرعية الصوفية، يخدم نهاراً في مزرعتها، ويحيي الليل بالذكر والأوراد. انتابته نوبات غريبة تشبه الصرع، ورغبة في الانتحار، ففسّرها بعض أهله بالعين أو المسِّ أو التلبس. وعُرض في حالة إسعاف، على طبيب نفسي، فحقنه بمهدئ، وطمأن أخاه الذي صحبه، مشخصاً حالته بأنها نتيجة كبت شديد وضغوط نفسية متراكمة، وأنها قابلة للعلاج ما دام يفصح عن مرضه ويقرُّ به.

الحالة الثانية تخص ياسين، صائد عفاريت الجان. خرج ياسين طفلاً إلى تركيا مع أخويه في بداية الثورة. نجح أخواه في دراستهما، وأخفق هو، فطلب من أبيه أن يستأجر له بيتاً حتى يعيش مستقلاً منعزلاً. كان يغلق النوافذ والستائر، ويقضي وقته في قراءة كتاب شمس المعارف الكبرى، وهو كتاب يقال إن قراءته تسبب الجنون لأعقل الحكماء. وكان يرسم على الحيطان رسوماً منقولة من الكتاب صيداً للجن. انتهى الأمر بمشكلة مع الشرطة، بعد أن شكاه الجيران، إبان اشتداد أزمة السوريين في تركيا، وحملة المعارضة عليهم في الإعلام. صفع شرطياً تركياً، فطرد إلى سوريا، فازدادت حالته سوءاً. كلف أبوه شاباً يلعب معه الغميضة، مقابل أجر لتتبعه ومعرفة أمكنة غيابه فعجز، فهو يغيب عنه مثل السراب. المتتبع قال عنه: جنّي. انتسب لعساكر الإدارة الذاتية، ثم ملَّ فهرب. يقول أبوه إنه الوحيد الذي غفلت عنه الإدارة الذاتية، ولم تلاحقه. تنقل بين بلدان عدة؛ دمشق، ثم إندونيسيا، وهو يحاول حالياً بلوغ رومانيا. لا يكلم والده، أما أمه فيتصل بها من أجل الحوالات المالية. لا يتقن صنعة، ولم يحصل على شهادة مدرسية، ويطمح أن يعمل عارض أزياء، لحسن هيئته وملاحته. وفي أوروبا معظم الشباب وسيمون، ولن يستطيع بيع الماء في حارة السقايين.

أما الحالة الثالثة، فهي تخص شاب اسمه يعقوب. هو أكثر إخوته تعليماً. بلغ الجامعة، ولم يكمل بسبب الحرب. هاجر إخوته الذين لم يكملوا تعليمهم الابتدائي، هرباً من الضيق والحرب، واستقروا في أوروبا، وعملوا، وتزوجوا، وأنجبوا، بينما انغمس هو في القمار، حتى أثقلته الديون، فسدّدها إخوته عنه. ثم خطبوا له صبية، لكنه في يوم الزفاف امتنع وطلقها، رغم كل محاولات الأسرة لإقناعه. صدمت العروس، وبكت كثيراً، وكانت قد تعلقت به. ترك لها المهر حسب الشريعة لكنها لم تكن سعيدة بالمتاع، فقد خسرت حبيباً وزوجاً. 

هذه ليست دراسات موثقة أو مشخصة سريرياً، والحالات الثلاث من الجزيرة السورية، أكثر المناطق السورية استقراراً، وأقلها تضرراً، ولا تصلح لأحكام عامة.

عوداً إلى صائد الجان

اتصل بي أهله، وأخبروني أنه انقطع به السبيل، وسيصل إلى حمص، وهي المدينة التي كنت أقيم بها، ويحتاج إلى رعاية ليوم واحد وأجرة طريق. فاتصلت بصديق كي ينجده، بعد أن حذرته منه، فقد يرسم رسمة كتاب السحر، شمس المعارف، وهي دائرة عليها أرقام وطلاسم على الحائط ويكيد له، أو يصفعه على حين غرة، أو يسرقه، فقال لي الصديق: «أنا محصن ضد السحر الأسود». ثم أردف: «في عائلتنا اثنان مثله، ولا تكاد تخلو عائلة من أمثاله!».

العودة إلى الأعلى

كاتب سوري

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية