دمشق تنتفض ونحن في سكرين
29. آذار 2026
في دمشق، يتحول احتجاج على منع الكحول إلى ما هو أكبر بكثير: لحظة نادرة يدفع فيها السوريون – كثير منهم متدينون، وكثير منهم نساء – ضد تدخل الدولة، ويستعيدون حقهم في تعريف مجتمعهم بأنفسهم.
«في صبايا محجبات باعتصام باب توما». تكتب صديقة هذه العبارة، وتذيّلها بإيموجي وجهٍ بعينين على شكل قلب، في مجموعة واتس آب صغيرة تجمعنا نحن الصديقات الغاضبات.
لكن ما قصة اعتصام باب توما؟
تبدأ القصة من قرار صادر عن محافظة دمشق بتاريخ ١٦ آذار ٢٠٢٦، ينظّم بيع المشروبات الكحولية وحصرها ضمن أحياء محددة ذات غالبية مسيحية. صياغة القرار تبدو إدارية، لكنها تحمل في عمقها إعادة رسم طبقية وأخلاقية لمدينة منهكة أصلاً.
يأتي هذا القرار وكأنّه الكرزة فوق قالب كيك محشو بسلسلة قرارات سبقته حول التضييق على المظهر: الحديث عن منع المكياج للنساء، تقييد المجاهرة بالإفطار، واستدعاء متكرر لمفهوم «الآداب العامة» بصيغة فضفاضة. هذه المرة، ارتفعت الأصوات بأن ما يحدث هو فرض هوية محددة بلباس ديني، لا تعكس التدين السوري بقدر ما تعكس تصور السلطة له.
مظاهرة «السكرجية»
انقسم الشارع السوري بين قسم يرى في القرار انسجاماً مع تصور ديني يعتبره مرجعياً، ويقرأ فيه محاولة لضبط الفضاء العام، وقسم آخر يراه تعدّياً على الحرية الفردية وتنميطاً لمناطق بأكملها، وكأنها تختزل في وظيفة واحدة وتُحمّل دلالات أخلاقية لا تعبّر عنها.
لكن المفارقة اليوم في هوية المعترضين. كثيرون ممن خرجوا لا يشربون الكحول أصلاً، وبعضهم ملتزم دينياً. فالاعتراض يتحرك هنا في مستوى أعمق، وهو رفض تحوّل الدولة إلى وصيّ على تفاصيل الحياة، ورفض تعريف الحرية كمساحة مشروطة.
وبين هذا وذاك، ظهر توصيف ساخر يتكرر: «اعتصام السكرجية»، بغيظ تفريغ الاعتصام من مطلبيته المحقة، واغتياله أخلاقياً لإضعافه.
نقطة تحوّل
هذا التحول لا يتعلق فقط بالقرار نفسه، بل بكيفية تلقيه اجتماعياً. إذ يكشف عن مستوى جديد من الوعي، يتجاوز ثنائية الحلال والحرام، إلى سؤال ملح عن حدود السلطة في حياة الأفراد. فالمجتمع هنا لا يدافع عن سلوك، بل عن حقه في تعريف ضوابطه بعيداً عن القوالب الجاهزة. وهذا بحد ذاته يعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع، من علاقة ضبط وإملاء، إلى علاقة تفاوض واعتراف متبادل، حتى لو بقي هذا التحول في بداياته.
ثم أنه بعد سنوات من الاستقطاب الطائفي، ومن رسم حدود صلبة بين «نحن» و«هم»، يتشكل اصطفاف مختلف، قائم على فكرة الحريات الفردية لا الهوية الدينية. لكن رغم كل الجدل، تصدر المحافظة بياناً في ٢١ آذار، يستند إلى قوانين تعود إلى عام 1952 وقرارات لاحقة. هذا الاستناد يمنح القرار شرعية شكلية، لكنه يثير سؤالاً واضحاً: ما معنى استدعاء قوانين قديمة لتضبط مجتمعاً تغيّر؟ الثورة التي اندلعت عام 2011 حملت رفضاً لمنظومة قانونية كانت تُستخدم لقمع المجتمع، فكيف يعاد استخدامها؟
حيّ على الشارع
في باب توما، يحضر المجتمع الدمشقي بكل أطيافه، ويلفت النظر حضور النساء قبل أي شيء آخر. نساء ينظمن، يرفعن ويضبطن إيقاع الشارع. سيدة تقف بين الناس، تنظّم الاعتصام، تشكر الحضور والأمن العام، وتطلب بهدوء الخروج المنظم حتى لا يحدث تدافع. وعلى المنصة، تقف سيدة أخرى، وتقول بوضوح: «أنا سنّية»، وتروي قصة جارها المسيحي الذي أعانها في تربية أولادها بعد وفاة زوجها.
ولا يمكن فصل هذا المشهد عن سياقه الأوسع. فبعد سقوط النظام، تعرّضت النساء لحملات اغتيال معنوي ممنهجة على وسائل التواصل الاجتماعي، سعت إلى تقليص دورهن وتشويه صورتهن. ومع ذلك، في باب توما، تظهر صورة معاكسة تماماً: النساء لا يحضرن فقط، بل يقدن. ينظّمن، يضبطن الإيقاع، ويفتحن المجال للكلام، وكأنهن يعِدن تثبيت موقعهن الطبيعي في مقدمة الفعل العام.
في تلك اللحظة، يخطفك الزمن لسنوات عديدة، لمظاهرات الثورة، حين كانت النساء في المقدمة، يرفضن أن يتراجعن للخلف، ودعوات المتظاهرين «الحرائر لورا». يحمل الاعتصام عنواناً شديد الرمزية: «دمشق تنتفض». فدمشق التي جرى تصويرها، مع مناطق سيطرة النظام السابق، كرهينة، تقف اليوم ضد قرار صادر عن سلطتها الجديدة، كأنها تقول: نحن من يقرر، ونحن نعرف الآداب العامة.
وسط هذا المشهد، تُرفع لافتة تحمل أبيات الإمام الشافعي:
ولرب نازلة يضيق لها الفتى
ذرعاً وعند الله منها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها
فرجت وكنت أظنها لا تفرج
استدعاء نص ديني في لحظة احتجاج على قرار يُقدّم باسم الدين يكشف محاولة لاستعادة المجتمع لقراره. والأوضح في الاعتصام أنه لا يتحرك ضمن ثنائية شارع مقابل شارع، بل يظهر شارع يمسك بزمام حياته، ويدافع عن حقه ألا يُدار بمنطق الوصاية. شارع يكتب عقداً وطنياً جديداً.
الذاكرة تتدخل
تعود الذاكرة ببعض السوريين إلى درعا، حين ذهب وفد من وجهائها وطالب بالإفراج عن أطفالهم المعتقلين بسبب كتابات على الجدران. كان عاطف نجيب يومها رئيساً لفرع الأمن السياسي. كان الطلب بسيطاً، لكن الرد جاء بإهانة وتعالٍ. ويُروى أنه قال لهم إنهم قادرون على أن يجعلوا نساءهم يحملن وينجبن أطفالاً غير هؤلاء «الخونة». تلك اللحظة كشفت طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع.
اليوم، يعود هذا المشهد إلى ذاكرة بعض السوريين، وتظهر مقارنات سريعة بين الأمس واليوم. ورغم أن هذه المقارنات تبدو ظالمة في كثير من جوانبها، ومع وجود تحفّظات حقيقية على السلطة الحالية، إلا أن ما جرى في باب توما يكشف فارقاً لا يمكن تجاهله: أن الأمن كان حاضراً لحماية المظاهرة.
وبينما يعلو الضجيج، أردد بصوت عالٍ شطر قصيدة الشاعر السوري بدر الدين الحامد: «أنا في سكرين في خمر وعين». وأعني في داخلي أنني في سكرين من حرية ناضلت من أجلها طوال سنوات الثورة، في تظاهر سلمي تحميه السلطة نفسها، ومن حضور النساء اللواتي أؤمن دائماً أنهن الخلاص. فمن يعلم، قد تصبح لاحقاً هذه الأغنية نفسها ممنوعة إن اشتكى أحدهم منها لأنها تخل بالآداب العامة.