نموّ مكتوب لا محسوس
الميزانية السورية بين الوعود بالتعافي والضغوط على قطاع الأعمال
يتناقض الإنفاق الضخم المعلن على قطاع الأمن مع محدودية الاستثمار العام، وتخلق الإصلاحات المالية المقترحة عملية تقويض ذاتية، فذلك النظام الاقتصادي سيعتمد على الواردات والاستهلاك، في حين أن ارتفاع التكاليف وضعف الطلب يؤديان إلى تآكل كليهما، مما يثقل كاهل المستهلكين والشركات الصغيرة والمتوسطة.
يتصور كثير من السوريين الانتعاش الاقتصادي بصورة بسيطة وجليّة، فهم يتخيلون مراكز مدن نابضة بالحياة، وتعجّ بالعلامات التجارية المعروفة والمتاجر المزدهرة، ومناطق صناعية تزدحم بمصانع وعمال وشاحنات تنقل البضائع على مدار الساعة، ومعابر حدودية تستقبل السياح وتصدّر البضائع. تستند هذه الصورة إلى الذاكرة لما كانت عليه سوريا قبل الحرب، وإلى المعاينة التي تشكلت من خلال العيش في تركيا وأوروبا، أو مما يتشاركه الأقارب في الخارج عبر الصور والشاشات. وفي هذا التصور يتمثل الانتعاش في عودة للحركة والتجارة والحياة الاقتصادية الطبيعية.
إلا أن سوريا اليوم لا تسير في هذا الاتجاه، على الأقل ليس بعد. ويمكن توضيح ذلك بشكل أفضل من خلال الميزانيتين العامتين لعامي 2025 و2026. فقد بلغ الإنفاق العام في عام 2025 حوالي 3.447 مليار دولار أمريكي، بينما تتوقع ميزانية عام 2026 إنفاقاً يصل إلى حوالي 10.516 مليار. وقد وُجهت انتقادات لكلتا الميزانيتين لأسباب عديدة، منها المصداقية والشفافية ومدى واقعية افتراضاتهما. ستترك المقالة هذه النقاشات جانباً، وستدرس ميزانية 2026 من زاوية أضيق، وستمعن النظر إلى ما تشير إليه بشأن الأولويات الاقتصادية للحكومة، وما تعنيه هذه الأولويات بالنسبة لقطاع الأعمال والاستثمار والقطاع الخاص.
تُعدّ الاستثمارات العامة نقطة انطلاق أساسية، وهي الإنفاق الحكومي على إعادة بناء البنية التحتية والمرافق العامة والمشاريع الكبرى الأخرى. وبالإضافة إلى أهميتها في توفير الخدمات الأساسية للأفراد وتحسين ظروفهم المعيشية، فهي بالغة الأهمية أيضاً لقطاع الأعمال، إذ أنها تُشكّل البيئة التي تعمل فيها الشركات وتستثمر وتنمو. فهي تُسهم في توفير البنية التحتية والخدمات المشتركة التي تعتمد عليها الشركات، وتُحفّز الطلب عبر سلاسل التوريد، وتُقلّل - في الوضع الأمثل - من تكاليف ومخاطر الاستثمار الخاص.
استثمار بالاسم فقط
في عام 2025، ظل الاستثمار العام محدوداً للغاية، إذ بلغ حوالي 7% من إجمالي الميزانية، أو ما يقارب 250 مليون دولار أمريكي. وهذا المبلغ ضئيلاً جداً لدعم تعافٍ حقيقي أو لتحسين بيئة الأعمال بشكلٍ ملحوظ لبلدٍ خرج لتوه من صراع دام أكثر من أربعة عشر عاماً.
بيدَ أن ميزانية عام 2026 تُشير إلى تحوّلٍ ملحوظ، فقد ارتفع الاستثمار العام إلى حوالي 27% من إجمالي الإنفاق، أي ما يُقارب 2.8 مليار دولار أمريكي، وذلك أكثر من أحد عشر ضعفاً مقارنةً بمستوى عام 2025. ويُشير هذا، نظرياً، إلى إدراكٍ أعمق لدور الإنفاق العام في عملية التعافي. لكن هذه الزيادة تستدعي الحذر والدراسة، إذ لا تزال محدودةً مقارنةً بحجم احتياجات إعادة إعمار سوريا. ويُثير هذا قلقاً بالغاً، لا سيما مع تخصيص نحو ثلث إجمالي الإنفاق على قطاع الأمن والجيش، وهو ما يحرف الموارد فعلياً عن أولويات التنمية الأساسية. وغالباً ما يرتبط هذا الإنفاق بانخفاض الشفافية وضعف المساءلة في كثير من الدول النامية والمُتضررة من النزاعات، وهذا من شأنه أن يُثير مخاوف إضافية بشأن الأحقية وتكاليف إضاعة تلك الفرصة لقطاع الأعمال والتعافي الاقتصادي الأوسع.
ثمة مشكلة تتعلق بالمصداقية أيضاً، فالاستثمار العام لا يمكنه دعم انتعاش الأعمال إلا إذا تُرجم إلى مشاريع فعلية وعقود وتحسينات عملية ملموسة. إلا أن ضبابية مخصصات القطاعات وآليات التنفيذ، إلى جانب غياب مشاريع استثمارية عامة رئيسية واضحة حتى بعد مرور عدة أشهر من عام 2026، يثير الشكوك حول إمكانية تحقيق ذلك الإنفاق بالكامل.
ضرائب منخفضة وتكاليف مرتفعة
يؤثر هيكل الإيرادات العامة بشكل مباشر على قطاع الأعمال، وقد أعلنت الحكومة عن تخفيض كبير في الضرائب المباشرة على الشركات في عام 2026، إلى جانب إعفاءات ضريبية للزراعة والإنتاج. من حيث المبدأ، تُعد هذه خطوة إيجابية تشجّع قطاع الأعمال، ولتطبيقها بفعالية أثرٌ في تخفيف العبء الضريبي الرسمي على الشركات وتُعزيز حوافز الاستثمار ودعم القطاعات الإنتاجية.
مع ذلك، يجب تقييم هذا التحول في إطار الإيرادات الأوسع، مما يشير إلى أن العبء المالي الإجمالي لم ينخفض بل أُعيد توزيعه. فميزانية عام 2026 تتوقع زيادة حادة في الإيرادات من الضرائب والرسوم والجمارك، لتصل إلى حوالي 4.4 مليار دولار أمريكي، أي ما يقارب ضعف مستوى عام 2025. ونظراً لانخفاض الضرائب المباشرة، سيكون هناك اعتماد أكبر على الضرائب والرسوم غير المباشرة. عملياً، ينتقل العبء من ضرائب الأرباح إلى ضرائب الاستهلاك والمعاملات.
يُشكّل هذا الوضع تناقضاً هيكلياً بالنسبة للشركات، حيث يقابل انخفاض الضرائب المباشرة بارتفاع التكاليف عبر الرسوم الجمركية والإدارية، وتُحمَّل هذه التكاليف بدورها على المستهلكين، مما يُضعف قدرتهم الشرائية ويُقلّل الطلب. وبالتالي، تُعاني الشركات من ضغوط من جانبين: ارتفاع تكاليف التشغيل وانكماش السوق. ويُهدّد هذا الوضع بشكل خاص المؤسسات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، التي تُشكّل غالبية الشركات السورية، والتي لديها قدرة محدودة على استيعاب هذه الضغوط أو نقلها إلى المستهلكين.
في الوقت نفسه، يعزز الاعتماد على عائدات الجمارك تحيزاً هيكلياً نحو اقتصاد قائم على الاستيراد وذلك بارتباط جزء كبير من هذه العائدات بالواردات، حيث تُقدر واردات السيارات وحدها بنحو 5 مليارات دولار أمريكي في عام 2025. ورغم أن هذا قد يدعم الاحتياجات المالية قصيرة الأجل، إلا أنه يرفع أيضاً تكلفة المستورد ويعرّض الشركات المحلية للمنافسة الخارجية. وبالتزامن مع ضعف الطلب، يخلق هذا حلقة مفرغة: يعتمد النظام المالي على الواردات والاستهلاك، ومع ذلك فإن آلياته نفسها تُضعف كليهما تدريجياً. في نهاية المطاف، ورغم الإشارة الإيجابية المتمثلة في خفض الضرائب المباشرة، فإن هيكل الإيرادات الإجمالي لا يزال ثقيل الوطئة على قطاع الأعمال ويحد من فرص التعافي المستدام.
الإصلاح كصدمة
كما تعكس الميزانية انخفاضاً حاداً في الدعم، لا سيما على الطاقة والسلع الأساسية، مما يؤثر بشكل مباشر على تكاليف الإنتاج. ومع تحرير أسعار الكهرباء والوقود، تم إلغاء الدعم فعلياً واستبداله بنظام يحقق توفيرا مالياً - وربما إيرادات - تصل إلى ما يقدر بنحو 12% من الميزانية في عام 2025.
بالنسبة للمنتجين، وخاصة في القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة كالصناعة والزراعة، فقد انعكس ذلك على زيادة كبيرة في التكاليف، فارتفاع أسعار الوقود والكهرباء يزيد من تكلفة النقل والتصنيع والمعالجة، مما يقلل من هوامش الربح والقدرة التنافسية. هذه الصدمة في التكاليف تحدّ من قدرة الشركات السورية على العمل أو التوسع أو الاستثمار، وهي التي تعاني أصلاً من قيود تمويلية وبنية تحتية ضعيفة. وعادة ما يكون أكثر الضحايا من الشركات الصغيرة والأقل مرونة.
كما أدى إلغاء الدعم الحكومي إلى تراجع القدرة الشرائية للعوائل السورية، مما أثر بشكل مباشر على نقص إيرادات الشركات. كما أن تحرير الأسعار إلى جانب ضعف الحماية الاجتماعية وانخفاض الدخول الحقيقية، زاد من التضخم وقلل الطلب المحلي. ورغم أن الحكومة أقرت زيادات في الرواتب عامي 2025 و2026، فمن المرجح أن تُقابل هذه الزيادات بارتفاع الأسعار، مما يحد من أثرها الحقيقي. والنتيجة هي بيئة صعبة للشركات: فمع ارتفاع الدخول الاسمية، يبقى الاستهلاك الحقيقي ضعيفاً، مما يُعيق المبيعات في قطاعات التجزئة والخدمات والإنتاج المحلي.
التغيير ممكن
إذا أرادت الميزانيات السورية دعم انتعاش الأعمال التجارية بما يعود بالنفع على الاقتصاد ككل، فلا بد من تخصيص حصة أكبر من الإنفاق للبنية التحتية والاستثمارات العامة التي تؤثر بشكل مباشر على الشركات، لا سيما في مجالات الطاقة والنقل والمناطق الصناعية. ويتطلب ذلك أيضاً تنفيذاً واضحاً وشفافاً وخاضعاً للمساءلة، لكي تتمكن الشركات من الاستجابة للطلب الفعلي والتحسينات الملموسة، لا مجرد المخصصات المعلنة.
يُعدّ الإبقاء على تخفيضات الضرائب المباشرة على الشركات خطوة إيجابية، لكنّ أثرها سيكون محدوداً إذا استمرّ العبء المالي بالتحوّل عبر الضرائب غير المباشرة والرسوم والجمارك. من شأن تخفيف هذه الضغوط، لا سيما على مدخلات الإنتاج، وتقديم إعفاءات مُوجّهة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، أن يُسهم في خفض التكاليف ودعم الطلب المحلي. ونظراً للارتفاع الحادّ في أسعار الطاقة ومدخلات الإنتاج، يُمكن للتدابير المؤقتة، مثل دعم الطاقة المُوجّه، والائتمان المدعوم، أو الإعفاءات الضريبية المرتبطة بالإنتاج والصادرات والتوظيف، أن تساعد الشركات خلال هذه المرحلة الانتقالية.
أما الدفاع والأمن فهما أولوية بكل تأكيد، لكن لا يمكن تحقيق نتائج ناجحة بمجرد الإنفاق على الأسلحة والشرطة والجنود. بل تلك النتائج مرتبطة بمعالجة الظروف الاقتصادية والسياسية التي تُؤجج عدم الاستقرار. فالنمو والتنمية قادران على حل معضلات يعجز عنها الإنفاق على وسائل الإكراه. والخلاصة هي أن استراتيجية التعافي التي تُعطي الأولوية للإنفاق الأمني على حساب البنية التحتية والإنتاج وسبل العيش قد تُعزز في نهاية المطاف الضغوط التي تسعى لاحتوائها.
هذا التحليل حصري من «التحالف السوري للمشاريع» Syrian Ventures Alliance وهي منصّة متخصّصة بالاستشارات الاستثمارية والاقتصادية.