حُرّاس الحقيقة
حوار مع فاروق الحبيب
عندما دُمجت خدمات الاستجابة للطوارئ التابعة لمنظمة الخوذ البيضاء في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث السورية، والتي أنشأت بعد التحرير، أُعيد تنظيم الهياكل المتبقية من المنظمة لتشكيل كيان جديد اسمه: حُرّاس الحقيقة. تستفيد هذه المنظمة الجديدة من علاقات الخوذ البيضاء الراسخة مع الجهات المانحة، بالإضافة إلى مصداقيتها لدى السوريين، وترنو إلى القيام بدور فاعل في عملية العدالة الانتقالية. ولمعرفة المزيد، حاورت «سوريا المتجددة» فاروق الحبيب، العضو المؤسس لمنظمة الخوذ البيضاء والمدير التنفيذي لمنظمة حُرّاس الحقيقة.
لمن لا يعرف منظمة «حُرّاس الحقيقة»، هل لك أن تشرح أهداف المنظمة بإيجاز، وكيف تطورت من حيث الهيكل والتوظيف والتمويل؟
الحبيب: منظمة «حُرّاس الحقيقة» هي منظمة سورية يقودها سوريون، تحظى بدعم دولي، وتعمل في مجال العدالة الانتقالية والمساءلة والتعافي. هدفنا الأساسي هو المساهمة في إرساء عملية عدالةٍ انتقاليةٍ موثوقة وشاملة ومستدامة، وذلك لمواجهة الانتهاكات السابقة، ودعم المجتمعات المتضررة، والمساعدة على منع تكرارها.
تستند المنظمة إلى خبرة تزيد على عقد من الزمن لدى منظمة الخوذ البيضاء، لا سيما في مجالات مثل التوثيق، والاستجابة الجنائية، وإعادة التأهيل، والتواصل المجتمعي. وبعد نقل مهام الاستجابة للطوارئ إلى الهياكل الحكومية، بات من الضروري ضمان استمرارية العمل في المجالات غير الطارئة، وخاصة تلك المتعلقة بالعدالة، والمفقودين، والتراث الثقافي. ولذلك تأسست منظمة «حُرّاس الحقيقة» ككيان متخصص لمواصلة هذا العمل.
من ناحية الهيكلة، نعتمد على أربعة برامج رئيسية: العدالة الانتقالية، والمفقودون، وحماية التراث الثقافي، وتعزيز صمود المجتمعات وتماسكها الاجتماعي. يمتد نطاق عملنا في سوريا وأوروبا، ولدينا مكاتب لإدارة البرامج والدعم في دمشق ولاهاي.
أما بما يتعلق بالكوادر، فلدينا فريق متنوع يضم حوالي 70 متخصصاً من ذوي الخبرة - معظمهم سوريون، إلى جانب زملاء دوليين من تسع جنسيات، عمل العديد منهم في بيئات بالغة التعقيد على مر السنين. يتيح لنا هذا النموذج الهجين الجمع بين القبول المحلي والمرونة التشغيلية مع الدقة التقنية ومعايير الجودة الدولية.
لا يزال التمويل قائماً بشكل أساسي على المشاريع، بدعم من مجموعة من الجهات المانحة الدولية الحكومية وغير الحكومية التي دعمت منظمة الخوذ البيضاء على مدى السنوات الماضية. وفي الوقت نفسه، نتواصل مع شركائنا بشأن آليات تمويل أكثر مرونة وطويلة الأجل، بما في ذلك ترتيبات التمويل المشترك. ونرى أن العدالة الانتقالية، والعمل على قضايا المفقودين، وبناء القدرات المؤسسية تحتاج لتأمين الاستمرارية، فهي ليست بطبيعتها مجالات يتحقق فيها أثر مستدام من خلال مشاريع قصيرة ومجزأة.
في 22 أبريل/نيسان، وقّعت منظمة «حُرّاس الحقيقة» مذكرة تفاهم مع الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، مُرَسِّخةً بذلك إطاراً للتعاون. يقتصر اختصاص اللجنة على الجرائم التي ارتكبها نظام الأسد. هل يمتد عملكم إلى ما هو أبعد من ذلك؟ على سبيل المثال، هل توثّقون انتهاكات جميع الأطراف، بما في ذلك انتهاكات نُسبت للحكومة؟
الحبيب: من المهم أولاً تحديد ولاية اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية بدقة، ألا وهي الجرائم الخطيرة التي تسبّب بها نظام الأسد. وهذا الفهم مهم لإمكانية تفسيره على نطاق أوسع من مجرد الجرائم التي ارتكبها النظام مباشرةً. إذ يرى كثير من السوريين أن مستويات متعددة من العنف والانتهاكات من قبل جهات فاعلة مختلفة قد نشأت نتيجةً لجرائم نظام الأسد الأصلية والممنهجة.
مع ذلك، فإن منظمة «حُرّاس الحقيقة» هي منظمة مجتمع مدني مستقلة، وموقفها واضح ومبدئي: يجب تطبيق العدالة والمساءلة بغض النظر عن هوية الجاني أو هوية الضحايا. وفي المحصلة فإن مصداقية أي عملية عدالة انتقالية تعتمد على التطبيق المتسق مع المعايير، دون انتقائية أو مراعاة للمصالح السياسية.
ينبغي فهم تعاوننا مع الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في هذا الإطار. فنحن نعتبر إنشاء الهيئة خطوة مؤسسية مهمة، ونحن على استعداد لدعمها بشكل بنّاء حيثما تُسهم خبراتنا في إثراء هذا الدعم. ويشمل ذلك المساعدة التقنية، وأنظمة التوثيق والأرشفة، وبناء القدرات المؤسسية، ودعم إدارة التمويل الدولي.
في الوقت نفسه، لا يعني التعاون مع مؤسسة وطنية أن تصبح منظمة «حُرّاس الحقيقة» بديلةً عنها، ولا يعني أيضاً المساس باستقلاليتنا. نحن جسرٌ، لا بديل. دورنا هو دعم تطوير آليات وطنية موثوقة عند الحاجة، مع الحفاظ على نزاهة عملنا واستقلاليته.
في الواقع، يظل نطاق عملنا أوسع من أي شراكة مؤسسية منفردة. فنحن ندعم تحقيق العدالة لجميع الضحايا، ونؤمن بأن استقرار سوريا على المدى الطويل يعتمد على عملية تتسم بالمصداقية والشمولية وعدم الانتقائية. ولذلك، يبقى دور المجتمع المدني أساسياً. صحيح أن للمؤسسات الحكومية دوراً محورياً، إلا أن المنظمات المستقلة ضرورية لضمان بقاء أصوات الضحايا، والمعايير التقنية، وثقة الناس في مركز الاهتمام.
إن إمكانية توسيع تفسير عبارة «بسبب» تُعدّ تفسيراً مهماً لولاية اللجنة. ألا يُنشئ ذلك تسلسلاً هرمياً للمسؤولية قد يُضعف مساءلة الجهات الفاعلة الأخرى قبل بدء الإجراءات القانونية الرسمية؟ هل لمستم، خلال مناقشاتكم مع المسؤولين الحكوميين أو مسؤولي اللجنة، انفتاحاً على هذا التفسير الأوسع؟
الحبيب: هذا القلق في محله. فأي تفسير يُنشئ تسلسلاً هرمياً للمسؤولية يُخاطر بتقويض مبدأ المساواة في المساءلة، لا سيما إذا لم يكن مُستنداً بوضوح إلى القانون.
خلال مناقشاتنا، وبشكل غير رسمي، شاركنا مسؤولون كبار في الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية ذلك التفسير الأوسع لعبارة «تسبّب بها»، مما يشير إلى انفتاح على المستوى المفاهيمي. مع ذلك، لا تكفي التفسيرات غير الرسمية في عملية تتسم بهذه الحساسية. ولهذا السبب، قمنا في يناير/كانون الثاني وبالتعاون مع منظمات المجتمع المدني السورية الأخرى، بتقديم توصيات مكتوبة بشأن مسودة قانون العدالة الانتقالية حينها، وحذرنا من إقحام التوصيفات السياسية في التعريفات القانونية، لأن ذلك قد يقوض المسؤولية الجنائية الفردية، ويعرض القانون لشبهة عدم الحياد، ويخلق غموضاً في التفسير.
كانت توصيتنا هي الحفاظ على السياق التاريخي في النصوص التفسيرية، مع ضمان توجيه المسؤولية القانونية بوضوح إلى الأشخاص الطبيعيين أو الاعتباريين، بغض النظر عن الانتماء، وأن تستند إلى المعايير القانونية الدولية. وفي نهاية المطاف، لا تكمن المسألة في اتساع نطاق التحقيق أو ضيقه، بل في مدى تماسكه ونزاهته ومصداقيته. فبدون ذلك، يكمن خطر داهم في تقويض الثقة في العملية برمتها.
لقد روجتم لنموذج «البناء والتشغيل والتسليم BOT» الذي يضع «حُرّاس الحقيقة» كجسر بين المجتمع المدني والدولة، وذلك من خلال تعزيز المؤسسات قبل تسليمها في نهاية المطاف. من وجهة نظر الجهات المانحة، يبدو هذا النهج جذاباً باعتباره «بناء الدولة بطرق آمنة». ما هي المعايير التي تحدد متى يكون هذا التحويل من إدارتكم إلى إدارة الدولة السورية مناسباً؟ فعلى سبيل المثال، اتُخذ قرار دمج هيكل الاستجابة للطوارئ رسمياً بسرعة، فهل تُعتبر مسائل العدالة الانتقالية ذات طابع سياسي، وبالتالي غير جاهزة للتسليم بعد؟
الحبيب: نموذج البناء والتشغيل والتسليم مستمد من التجربة الناجحة لنقل إدارة الدفاع المدني السوري إلى وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث. مع ذلك، فهو ليس طريقاً مختصراً لبناء الدولة يمكن تطبيقه في كل حالة، ولا آليةً يتخلى بموجبها المجتمع المدني عن مسؤولياته. إنه نموذج عملي مُصمم لوظائف محدّدة في سياق انتقالي، حيث المؤسسات الحكومية حديثة الإنشاء وتكون الاحتياجات ملحة, وتتوافر قدرات تخصصية لدى المجتمع المدني.
المفهوم واضح ومباشر. فعندما تكون هناك حاجة إلى وظيفة تخدم المصلحة العامة، ولكن المؤسسة الوطنية المعنية ليست جاهزة بعد لاستيعابها، يمكن لمنظمة حُرّاس الحقيقة -ضمن مجالات محددة- أن تساعد في بناء هذه الوظيفة وتشغيلها مؤقتاً، وذلك بالتنسيق الوثيق مع المؤسسة الوطنية إلى أن تسمح الظروف بتسليمها بشكل مسؤول. يعتمد نجاح هذا النهج على الشفافية والشمولية والالتزام المتبادل. ولذا فنحن نعمل مع تلك الجهة المتلقية طوال دورة المشروع، فنتبادل المعرفة والأنظمة والخبرات التشغيلية، ونُشرك في الوقت نفسه جهات فاعلة أخرى في المجتمع المدني لضمان الاستفادة من خبرات أوسع. في نهاية المطاف، يعتمد نقل المعرفة على الجاهزية: إذ يتعين على الجهة المعينة استيفاء المعايير القانونية والتقنية والمالية المتفق عليها لضمان استدامتها. عندئذٍ، نسلّم ونتراجع إلى دورٍ داعم.
ومن الأمثلة الحالية على ذلك فريق التوثيق والأرشفة، الذي يستند إلى سنوات من عمل منظمة الخوذ البيضاء في مجال التوثيق، ويتولى إدارة مواد بالغة الحساسية تتعلق بالحقيقة والمساءلة والذاكرة. يتمثل نهجنا في ترسيخ هذه القدرة في سوريا، ودعم تطوير نظام شامل ضمن الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، وتدريب الفريق وتشغيله بالتنسيق مع الشركاء إلى حين إمكانية نقله بشكل مسؤول في ظل ضمانات مناسبة.
كان دمج وظائف الاستجابة للطوارئ مختلفاً جذرياً. فالاستجابة للطوارئ عملية تتطلب بطبيعتها قيادة موحدة وتقديم خدمات عامة. وكان الدفاع المدني السوري (التابع للخوذ البيضاء) نظاماً متطوراً بالكامل، وأصبح الركيزة الأساسية للوزارة الجديدة، مما جعل عملية الانتقال ممكنة، بل وضرورية. أما العدالة الانتقالية فإنها تسير في ظل ظروف مختلفة. فلا يوجد نظام وطني متطور بالكامل وجاهز لاستيعاب هذه المهام، كما أن العمل نفسه حساس جداً، وينطوي على المسؤولية، وحقوق الضحايا، والإصلاح المؤسسي، وثقة الناس، ويتطلب دوراً مستداماً للمجتمع المدني المستقل. ونتيجة لذلك، لا ينبغي تسليم كل شيء، وبالتأكيد ليس قبل أوانه.
من وجهة نظر الجهات المانحة، يُعدّ نموذج البناء والتشغيل والتسليم جذاباً لأنه يدعم بناء المؤسسات مع تقليل أخطار النقل المبكر. ومع ذلك، فإن الهدف هو تجنب التبعية مع تمكين المؤسسات الوطنية في نفس الوقت، وهذا يتطلب دعماً طويل الأجل ومرناً ومُنسّقاً. أما أساليب التمويل قصيرة الأجل والمجزأة فلا تُناسب مثل هذه التحولات المؤسسية.
تؤكدون على ضرورة التنسيق الوثيق مع المؤسسات السورية والالتزام المتبادل. وقد علمنا بالتوترات الأخيرة مع الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بشأن عقد منحته حكومة غربية لمنظمة «حُرّاس الحقيقة»، حيث تفضّل الهيئة التمويل المباشر وترى دور «حُرّاس الحقيقة» على أنه تدخل غير ضروري. هل هذا النوع من النزاع على الموارد متأصل، وهل يقوض التنسيق الفعال؟
الحبيب: لست على علم بوجود مثل هذه التوترات مع الهيئة الوطنية، بل على العكس من ذلك، علاقتنا مع اللجنة شفافة وبناءة.
من المهم توضيح أن منظمة «حُرّاس الحقيقة» ليست القناة الوحيدة التي يُقدَّم من خلالها الدعم الدولي. إذ يستخدم المانحون المختلفون أساليب متنوعة: فبعضهم يعمل عبر «حُرّاس الحقيقة»، والبعض الآخر عبر منظمات دولية غير حكومية، أو وكالات تابعة للأمم المتحدة، أو شركاء متخصصين في مجال دعم الاستقرار والدعم التقني. وهذه سمة طبيعية في المساعدات الدولية، لا سيما وأن المؤسسات الوطنية لاتزال في مرحلة تطوير أنظمتها الإدارية والمالية.
على حد علمي، لا يوجد أي مانح مستعدّ حالياً لتقديم تمويل مباشر إلى الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية. ولذلك، يعتمد المانحون على شركاء مؤهلين لتمرير الدعم وإدارته، ومنظمة «حرّاس الحقيقة» هي إحدى هؤلاء الشركاء - وليست عائقاً أمام التمويل.
ونحن نرحب بالدعم المباشر للهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية متى ارتأت الجهات المانحة والهيئة أن ذلك مناسب وممكن. ليس دورنا التنافس على المساحات أو الموارد المؤسسية، بل المساهمة حيثما نستطيع إضافة قيمة فعلية، ولا نتدخل إلا عندما تُحدث قدراتنا التقنية وخبراتنا العملية ودورنا في المجتمع المدني فارقاً ملموساً.
بما يتعلق بالعدالة الانتقالية، كيف تتعامل السلطات الجديدة معها، وكيف ينظر إليها السوريون الذين تتحدث معهم، وما الذي فاجأك أكثر من غيره؟
الحبيب: أكثر ما أثار دهشتي هو التعايش بين الاستعجال والحذر بين السوريين. هناك مطالبة حثيثة وواسعة النطاق بالعدالة، ويسعى السوريون إلى الحقيقة والإقرار والمساءلة وإيجاد إجابات حول مصير المفقودين. إنهم يريدون الاعتراف بمعاناتهم وضمانات موثوقة بعدم تكرار الانتهاكات السابقة. هذه المطالبة شخصية للغاية ويشترك فيها الجميع. في الوقت نفسه، يسود شعور واضح بالحذر. فقد عانى العديد من السوريين من فشل المؤسسات، وهم قلقون بشأن الانتقائية، والتسييس، أو الخطوات الرمزية التي لا تُفضي إلى تغيير حقيقي. هناك أمل، لكنه مصحوب برجاء أن تترسخ المصداقية.
ومن الجوانب المهمة الأخرى هي تنوع وجهات نظر المجتمع السوري. فالعدالة الانتقالية ليست مساراً واحداً، إذ تختلف تجارب المجتمعات المختلفة وأولوياتها. وسيكون التعامل مع هذا التنوع بطريقة شاملة أحد أبرز تحديات هذه العملية. من الناحية المؤسسية، توجد مؤشرات إيجابية مبكرة، وتشمل إنشاء هيئات جديدة والتفاعل مع المجتمع المدني. في الوقت نفسه، ثمة توتر بين ضرورة الإسراع والحاجة إلى بناء أنظمة موثوقة، فالتسرع المفرط قد يُقوّض الثقة، بينما التباطؤ المفرط قد يُفقد الزخم.
في نهاية المطاف، لا تُعدّ العدالة الانتقالية حدثاً واحداً، بل هي عملية طويلة الأمد. وهي تتطلب الصبر والمثابرة والتوازن بين تعزيز المؤسسات وحماية الحيّز المدني والحفاظ على الدعم الدولي. لن يُحدد مستقبل العدالة الانتقالية في سوريا من قِبل هيئة واحدة أو منظمة واحدة أو جهة مانحة واحدة. بل سيتوقف على قدرة السوريين في بناء عملية بقيادة سوريةٍ ودعم دولي، وهي عملية شاملة قائمة على المبادئ وقادرة على الصمود أمام الضغوط السياسية. هذه مهمة معقدة، لكنها تبقى قابلة للتحقيق إذا عوملت بانضباط وعناية.