ثورة في صفوف المدارس
ما الذي يكشفه التعليم عن واقع الانتقال السياسي في سوريا
على مدى عقود، حافظت المدارس السورية بصمت على استمرارية الحكم السلطوي، وغرست عادات الطاعة. واليوم، مع دخول البلاد مرحلة انتقال سياسي، تقدّم قاعة الصف اختباراً كاشفاً: ليس فقط لما تغيّر في المنهاج، بل أيضاً لمدى ما لا يزال باقياً من النظام القديم تحت السطح.
حين نفكر في أسباب بقاء الأنظمة الديكتاتورية، عادة ما ننظر إلى السجون وأجهزة الاستخبارات وشبكات المحسوبيات أو الداعمين الخارجيين. ونتحدّث عن الإجبار والخوف. غير أنّ اهتماماً أقل بكثير يُمنح لمؤسسة لا تقلّ تأثيراً: المدرسة.
على مدى أكثر من خمسة عقود، لم يكن نظام التعليم في سوريا مجرّد مكان يتعلّم فيه الأطفال الرياضيات أو قواعد اللغة. بل أدّى وظيفة بنية تحتية أيديولوجية، صاغت عادات الطاعة وحدّدت حدود ما يمكن قوله وفعله. وقد أنتج التعليم في سوريا الأسد نمطاً معيّناً من الأفراد: حذرين، ممتثلين، مرتابين، ومعتادين على تراتبيات أخلاقية تنحدر من مصدر واحد للسلطة. وإذا كانت سوريا جادة في مرحلتها الانتقالية، فإنّ التعليم يستحقّ اهتماماً أكبر بكثير، لأنّه يشكّل في آنٍ واحد مؤشّراً إلى الإرادة السياسية للتغيير، وأداة رئيسية تتيح ترسيخ ثقافة سياسية جديدة.
المدرسة ساحة للتدريب على الطاعة
كان حافظ الأسد يردّد مقولة الزعيم الإيطالي موسوليني: من يسيطر على الشباب يسيطر على المستقبل. وسواء صحّت هذه المقولة أم لا، فإنّ منطقها كان واضحاً بلا لبس. ففي مدارس الأسد، كانت الحياة الصفية تُنظَّم على نحو يرسّخ الامتثال كعادة، ويضع الطلاب داخل تراتبية أبوية تنساب فيها السلطة من الأعلى، وتحدّد معنى أن يكون الفرد «مواطناً صالحاً». وخلال رئاسة بشار الأسد، حُظر العقاب الجسدي رسمياً، لكن تطبيق هذا الحظر جاء متفاوتاً، وفي كثير من المدارس ظلّ التأديب البدني أداة يومية للسلطة والترويع، وغالباً ما كان يحظى بتشجيع من الأهالي. وقال أحد المعلّمين من دمشق لـ«سوريا المتجدّدة»: «حين كنّا نستدعي الأهالي، كان كثيرون منهم يقولون: اللحم إلكم والعظم إلنا. اعملوا اللي بدكم ياه وربّوهم».
وكان الولاء يُعاد ترسيخه عبر طقوس روتينية متكرّرة: تحية العلم بانتظام، وترديد عبارات تمجّد حافظ بوصفه «القائد الخالد»، إلى جانب سردية تقدّم بشار كشخصية «استثنائية» لا غنى عنها في أوقات الأزمات. ولم يكن التلقين يتوقّف مع انتهاء العام الدراسي. فبعد إكمال الصف العاشر، كان يُطلب من الطلاب الالتحاق بـ«معسكر» صيفي إلزامي يمتدّ شهراً كاملاً، ويُقام عادة في الأبنية المدرسية المحلّية، حيث كانت تُدرَّس أيديولوجيا حزب البعث إلى جانب تدريبات ذات طابع عسكري. وكانت القيادة من الأعلى إلى الأسفل تُقدَّم باعتبارها ضرورة سياسية لا غنى عنها، وبوصفها كذلك المبدأ المنظّم للحياة الاجتماعية نفسها.
التلقين منهجاً
كان ترسيخ التراتبية جزءاً محورياً أيضاً من الآليات اليومية للتدريس. ويقتصر الكثير من الجدل الدائر حالياً حول التعليم في مرحلة ما بعد الأسد على مسائل مادية، مثل ترميم المدارس، وتأمين الكوادر، ودفع الرواتب، أو على محتوى المناهج. ومع أهمية هذه القضايا، فإنّها تبقى هامشية قياساً إلى الممارسة التعليمية الفعلية.
وفي صلب التعليم السلطوي تكمن الكيفية التي تُبنى بها المعرفة وتُقيَّم. فقد كانت «التربية القومية» مادة إلزامية يتكرّر محتواها إلى حدّ أنّ الطلاب كانوا يمزحون بالقول إنّهم لا يحتاجون إلى دراستها إلّا في السنة الأولى، لأن مضمونها لا يتغيّر حتى التخرّج. وكانت هذه المادة امتداد تربوي لظاهرة عبادة شخص حافظ الأسد. وقد هيمنت على الممارسة الصفية أساليب الحفظ وإعادة الإنتاج الموجّهة. أمّا النقاشات، فكانت تُجرى ضمن حدود مضبوطة بإحكام: الأمّة العربية السورية، بقيادة قائدها المحبوب، كانت تُصوَّر على أنّها محاصرة من قوى خارجية تتمثّل في الصهيونية والإمبريالية الغربية. وكانت أي رؤى بديلة لهذه النظرة تُعامل كخطيئة كبرى، فيما كان تبنيها وتردديها فضيلة.
وكان يُطلب من الطلاب التدرّب على استيعاب نظرة النظام إلى العالم القائمة على مركزية العدو. ففي أحد تمارين مادة «التربية القومية»، طُلب من التلاميذ أن يشرحوا لماذا «الأوطان حقائق لا تحتمل تعدد وجهات النظر». وفي الدرس نفسه، نُقل عن بشار الأسد قوله إنّ اختلاف الآراء بين السوريين أمر طبيعي ومشروع، «ولكن فقط إلى أن تُطرح مسائل الأمن الوطني». وبطبيعة الحال، فإنّ التهديد الدائم الذي تمثلّه، وفقاً لهذا المنطق، الحروب الهجينة والإرهاب اللذان تمارسهما دول معادية ضد الوطن، كان يعني أنّ أي شيء وأي شخص يمكن أن يصبح موضع شبهة باعتباره قضية أمن وطني. وهكذا، كان الاختلاف يُعدّ مؤشّراً إلى احتمال التورّط في مؤامرة خارجية. وليس مستغرباً، والحال هذه، أن تتحوّل الريبة إلى ردّ فعل تلقائي عند المواطنين، وأن تطرح نظريات المؤامرة على أنها «رؤى ثاقبة».
وقد تسلّلت هذه العدسة التفسيرية إلى تدريس التاريخ أيضاً. فلم يكن الماضي يُستكشف كمجال معقد، بل كان يُستدعى بطريقة مسطحة لتفسير رواية النظام عن الحاضر. وكان يُشجَّع الطلاب على التماهي مع سلالة من الشهداء المناهضين للاستعمار، بحيث يُفهم الدفاع عن الدولة كواجباً أخلاقياً يتجاوز الأجيال. وكما قال حافظ الأسد: «الشهيد هو الإنسان العظيم الذي عاهد فصدق، دعاه الوطن فأسرع، قاتل فاستبسل، قارع العدو فأبدع ، ومن أجل أن ينتصر الوطن والأمة قرر الشهادة واستشهد».
ولا يعني ذلك أنّ كل حصة دراسية كانت متطابقة، أو أنّ كل معلّم كان ممتثلاً لأوامر القيادة. فحتى داخل أكثر الأنظمة إحكاماً في السيطرة، قد تظهر شقوق. بعض المعلّمين كانوا يُدخلون بهدوء وجهات نظر بديلة، أو يشجّعون على طرح الأسئلة، أو يدرّسون «بين السطور». وقالت امرأة من دمشق، أصبحت لاحقاً صحافية، لـ«سوريا المتجدّدة»: «كان لدينا في المرحلة الإعدادية مدرّس تاريخ يقول لنا إنّه لكي ننجح في الامتحانات، علينا أن نتعلّم ما هو مكتوب في الكتب المدرسية. لكن داخل الصف، كان يعلّمنا التاريخ الحقيقي ويناقشه معنا. وقد قُتل في بداية الثورة».
تحرر بلا تحوّل؟
منذ انهيار النظام، يصف المعلّمون تحوّلاً نفسياً ملموساً. فقد اختفت طقوس الولاء اليومية، وأزيلت الصور من الصفوف. ويقول كثيرون إنّ الأجواء باتت أخفّ وطأة. غير أنّ أحاديث أُجريت في الأشهر الأخيرة مع معلّمين تشير إلى أنّ البنية الأعمق للتعليم ما زالت، إلى حدّ كبير، من دون تغيير. وقد أُلغيت مادة «التربية القومية» من قائمة المواد الرسمية، وهي خطوة رحّب بها تقريباً جميع المعلّمين الذين تحدثّت إليهم «سوريا المتجدّدة». لكنّ الإصلاحات انصبّت في معظمها على تعديلات في المحتوى: إزالة عبارات المديح لعائلة الأسد، وتخفيف الصياغات المعادية للسامية، وإضافة إشارات إلى الثورة.
ويثير التدقيق في المواد التعليمية الحالية أسئلة مقلقة. فالتلقين السياسي لم يختفِ. ففي عهد الأسد، كانت كتب التاريخ تضع الحاكم في قلب السردية الوطنية. وكانت الخطب الرئاسية تؤدّي وظيفة محطّات مفصلية و«مصادر أوّلية» للمعرفة، فيما كانت شخصيات من البانثيون الأوسع للمناهضة الاستعمارية تُقدَّم، إلى جانب النظام، بوصفها حارسة للمقاومة العربية، ولاحقاً لـ«محور المقاومة». أمّا في المواد المعتمدة بعد الأسد، فيختفي الأسدان كمحرّكين بطوليين للتاريخ، وتُنسب الفاعلية بدلاً من ذلك إلى ذوات جمعية مثل «الشعب السوري» و«الشعب الجزائري» و«الشعب الليبي»، وتُقدَّم انتفاضة عام 2011 بوصفها ثورة شعبية لا مؤامرة.
غير أنّ هذه المراجعة لا تذهب بعيداً بما يكفي. فـ«الشعب» يظلّ فئة مجرّدة لكنّها ذات سلطة، فيما تواصل الأسئلة الموجَّهة دفع الطلاب نحو خلاصة أخلاقية معدة مسبقاً. كما تظلّ السرديات المتمحورة حول العدو شديدة الحضور. فالصهيونية والإمبريالية لا تزالان تظهران كقوّتين ثابتتين تاريخياً تقفان وراء أزمات المنطقة. وقد تكون اللغة أقل طائفية في صيغتها المباشرة، لكن فكرة العدو الخارجي الموحّد لا تزال قائمة. وليس المقصود هنا إنكار مشروعية النظر النقدي في الهيمنة الاستعمارية أو في السياسات الإسرائيلية ضمن سياق التاريخين الوطني والإقليمي. إنّما تكمن المشكلة في بناء خصم واحد كليّ القدرة يمكن أن تُعزى إليه، بلا نهاية، الإخفاقات الاجتماعية والسياسية لأجيال قادمة. فهذا التأطير يوفّر للنخب كبش فداء مثالياً، ويُبقي ثقافة سياسية قائمة على الخصومة بدلاً من المساءلة.
وما لم يتغير أيضاً هو النموذج التعليمي نفسه. فلا تزال الواجبات الدراسية تعطي الأولوية لإجابات محدّدة سلفاً، ولا يزال الحفظ يحتلّ موقعاً مركزياً. وفي المقابل، يتحدّث المعلّمون عن تركيز متزايد على التعليم الديني. وقد تكون أشكال جديدة من التلقين الأيديولوجي بصدد الحلول محلّ الأنماط القديمة. وإذا، كما قال الناشط رائد فارس يوماً، كان النظام قد زرع «أسداً صغيراً» داخل كلّ سوري، فإنّ التعليم هو المجال الذي ينبغي أن تبدأ فيه معالجة هذا الاستدخال.
من التلقين إلى مواطنة مستقلّة
قد يبدو كلّ ذلك مجرّداً في بلد لا تزال فيه مدارس كثيرة مدمّرة، ويعاني معلّموه نقصاً في التدريب وتدنّياً في الأجور. غير أنّ تأجيل التحوّل في أساليب التعليم ينطوي على خطر ترسيخ الأنماط القديمة لجيل آخر، وليس بين الطلاب وحدهم. فالأهالي أيضاً يتعلّمون من أبنائهم. والصفوف الدراسية تساهم في تشكيل المنازل.
وتُظهر تجارب مجتمعات أخرى خرجت من الحكم السلطوي، من الأرجنتين إلى جمهورية ألمانيا الديمقراطية السابقة، أنّ التعليم يمكن أن يتحوّل إلى مورد بالغ الأهمية للتحرّر السياسي. غير أنّ ذلك لا يحدث تلقائياً، كما أنّ استبدال المحتوى الأيديولوجي لا يكفي بحد ذاته. فالأهم هو تحويل كيفية إنتاج المعرفة ومناقشتها وتقبّلها داخل الصف. وحين يشجّع التعليم على التفكير النقدي وتعدّد التأويلات وتحليل المصادر وفق منهجية منطقية وإعمال الحكم التأمّلي، فإنّه يسهم على نحو حاسم في تكوين مواطنين مستقلّين. والطريقة التي يُصلح بها بلد ما ممارساته في صفوف الدراسة تشكّل مؤشّراً موثوقاً على مدى جدّيته في طي صفحة الديكتاتورية.
وإذا كان الانتقال في سوريا يُراد له أن يكون أكثر من مجرّد تبديل للحكام، فلا بدّ للتعليم أن ينتقل من إنتاج الطاعة إلى تنمية الاستقلالية عند الطالب. وعلى المدارس أن ترعى القدرة على الانخراط في التعدّدية واحتمال الالتباس وإدراك الطابع غير الحتمي للأمور، وقبول المسؤولية المشتركة، وهي السمات الأساسية لأي ثقافة ديمقراطية.
سيُنشر الجزء الثاني من هذا البحث الشهر المقبل. ويستند هذا الجزء، القائم على مقابلات مع معّلمين وخبراء في مجال التعليم سوريين، إلى الانتقال من الصف الدراسي إلى المدرسة نفسها، ليتناول كيف شكّلت أساليب الضبط والمراقبة والفساد الحياة المدرسية اليومية في ظل النظام السابق، وما الذي تغيّر منذ ذلك الحين.