شرعية الأداء
تُظهر استطلاعات الرأي تزايد الغضب الشعبي إزاء ارتفاع الأسعار وسوء الخدمات، وثالثة الأثافي هي خصخصة الرعاية الصحية.
يقال إن رئيس الوزراء البريطاني السابق هارولد ويلسون صاغ عبارة «إن الأسبوع الواحد دهرٌ في السياسة». لربما كان يشير إلى الأزمة الاقتصادية لعام 1964، لكن الفكرة تنطبق بنفس القدر على سوريا في عام 2026، حيث لم تفصل سوى بضعة أسابيع بين حالة من التفاؤل الحذر وحالة من الإحباط الاقتصادي المتزايد.
في أوائل فبراير/شباط، أشارت استطلاعات الرأي العام التي أجريناها في دمشق وريفها وحمص إلى أن السلطات الجديدة لا تزال تحظى بتأييد شعبي. فقد قال ما يقرب من ثلثي المستطلعين - 63% - إن سوريا تسير في الاتجاه الصحيح. وكان الدعم للحكومة قوياً بين مختلف فئات الدخل، حيث بلغ 90% بين المستطلعين الذين وصفوا أنفسهم بأنهم من ذوي الدخل المرتفع، و65% بين المستطلعين من ذوي الدخل المنخفض. وبلغت نسبة الثقة في قدرة الحكومة على تحقيق العدالة الانتقالية 56%.
حتى الخدمات العامة، رغم سنوات الحرب والإهمال، حظيت بتقييمات إيجابية، فقد أعرب 49% عن رضاهم، مقابل 16% فقط أعربوا عن سخطهم. وكان الشعور بالأمان طاغياً، حيث قال 76% في دمشق، و62% في حمص، و61% في ريف دمشق إنهم يشعرون بالأمان.
لكن بحلول شهر أبريل/نيسان، تغير المزاج العام. وشهدت المواقف تجاه الاقتصاد وقدرة الدولة على إدارتها تدهوراً خطيراً، ولم يعد سوى 13% من المستطلعة آراؤهم يعتقدون أن الحكومة تبذل ما يكفي لمواجهة الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة والغذاء، بينما صرّح 66% إن جهودها غير كافية.
يبدو أن القلق المالي متفشٍ في كل مكان. فقد أفاد 62% من المشاركين في الاستطلاع أنهم واجهوا صعوبة في تغطية نفقات المعيشة اليومية أو الأسبوعية أو الشهرية خلال العام الماضي. بينما قال 10% فقط إنهم لم يواجهوا مثل هذه الصعوبات.
كما تراجعت نسبة الرضا عن الخدمات العامة بشكل حاد، من 49% في فبراير/شباط إلى 25% فقط في أبريل/نيسان؛ بينما تضاعفت نسبة عدم الرضا تقريباً، من 16% إلى 31%. وازدادت نسبة المحايدين أيضاً، مما قد يشير إلى تزايد حالة عدم اليقين بشأن إمكانية حدوث أي تحسن.
تراجعت بشكل ملحوظ مشاعر الأمان الشخصي أيضاً، والتي كانت من أبرز نقاط قوة الحكومة في فبراير/شباط. انخفضت نسبة المستطلعين الذين أفادوا بشعورهم بالأمان من 67% إلى 38%، بينما ارتفعت نسبة من أفادوا بعدم شعورهم بالأمان من 8% إلى 26%. وكان التفاوت الطبقي واضحاً: ففي المناطق ذات الدخل المرتفع، أفاد 69% من المستطلعين بشعورهم بالأمان، مقارنةً بـــ12% فقط في الأحياء ذات الدخل المنخفض.
شرح تلك الأرقام
مع ذلك، ينبغي التنبيه إلى بعض النقاط المهمة. فربما لم يتغير الرأي العام فعلياً بالقدر الذي توحي به الأرقام خلال شهرين، بل لربما كان المستطلَعون في فبراير/شباط لا يزالون حذرين للغاية من التعبير عن آرائهم الحقيقية علناً. ففي ذلك الوقت لم يتلاشَ التهديد الذي تشكله قسد - والذي يعتبره كثير من العرب السنة تحدياً وجودياً، إذ لم يُوقَّع اتفاق الاندماج إلا في 29 يناير/كانون الثاني. وبحلول منتصف أبريل/نيسان، ومع تقدم هذا الاتفاق، ربما يكون بعض هذا التردد، وما يرتبط به من ميل إلى اعتبار السلطات قوة حامية ومنحها فرصة لتبرير موقفها، قد تراجع. إضافةً إلى ذلك، فإن تزايد الوعي بالضائقة الاقتصادية - والاحتجاجات والاعتصامات المتفرقة المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي - ربما أقنع الناس بأن إحباطاتهم مشتركة على نطاق واسع، مما منحهم ثقة أكبر في التعبير عن آرائهم.
من المحتمل أيضاً أن يكون القائمون على جمع البيانات في حمص ودمشق قد اكتسبوا، بحلول الجولة الثانية من استطلاع الرأي، مهارةً أكبر في استخلاص إجابات أكثر صراحةً من المستطلع آرائهم. على أي حال، شملت الاستطلاعات ثلاث محافظات فقط، بمشاركة 900 مستجيب في كل جولة، وهي لا تمثل عينةً وطنيةً بالكامل.
مع ذلك، من الآمن على الأرجح استنتاج وجود سخط عند العديد من السوريين العاديين، لأسباب اقتصادية في الغالب، ومنها الارتفاع الحاد في أسعار الكهرباء منذ تطبيق القرار في يناير/كانون الثاني، وإن كان تأثيره لم يظهر على نطاق واسع إلا بعد اكتمال جولة قياس الرأي الأولى فبراير/شباط. وفي الوقت نفسه، شهدت الليرة السورية انخفاضاً جديداً، حيث تراجعت قيمتها من حوالي 10,000 ليرة سورية (بالفئات القديمة) مقابل الدولار في فبراير/شباط إلى حوالي 13,000. وقد كان التآكل الناتج في القدرة الشرائية شديداً؛ فالعائلات التي كانت تشتري الفاكهة والخضراوات بكميات كبيرة أصبحت تشتريها الآن بالقطعة. ويتفاقم الضغط المالي بفقدان المكانة الاجتماعية، وهو أمرٌ من المرجح أن يكون مؤلماً بقدر المعاناة الاقتصادية نفسها. ومن المحتمل أن تؤدي كل هذه الضغوط إلى تدهور النظرة إلى الحكومة في مختلف المجالات، بغض النظر عما قد تُظهره بيانات الأداء الأساسية.
حملة الخصخصة
قد يصطدم السخط الشعبي والسياسة الحكومية قريباً بشأن مستقبل الرعاية الصحية الممولة من الدولة في سوريا. وقد تصاعد القلق بشأن مستقبل 71 مستشفى بعد تصريح طلال الهلالي، رئيس هيئة الاستثمار السورية، في 8 أبريل/نيسان، بأنه سيتم نقل إدارتها إلى «مشغلين من القطاع الخاص» لإدارتها بهدف الربح، وإن كان ذلك «بالشراكة مع الدولة». بالنسبة للعديد من السوريين، أثارت هذه التصريحات احتمال فتح أحد الخدمات العامة الصامدة أمام قوى السوق. ووفقاً لاستطلاع رأي أجريناه، يعارض 88% من السوريين خصخصة القطاع الصحي.
يبدو أن هذه القضية مثيرة للجدل داخل الحكومة نفسها. فقد اتخذ وزير الصحة، مصعب العلي، موقفاً أكثر حذراً في مقابلة تلفزيونية بتاريخ 14 أبريل/نيسان، مؤكداً أن الخدمات العامة ستظل محور النظام الصحي. وتشير مصادر في دمشق إلى أن التضارب بين دفاعه عن الملكية العامة وبرنامج الخصخصة الذي تتبناه هيئة الاستثمار السورية قد يؤدي إلى استبداله في تعديل وزاري مرتقب بشخصية ذات توجهات نيوليبرالية واضحة.
بشكل عام، ومع انخفاض العنف على مستوى البلاد إلى أدنى مستوياته على الإطلاق، يعود اهتمام الرأي العام إلى التركيز على قضايا المعيشة الأساسية. وتكمن مشكلة الحكومة في أن الناس لم يعودوا يقارنون جودة الخدمات الحالية بتلك التي كانت سائدة قبل عام، عندما كانت الكهرباء شحيحة وانعدام الأمن متفشياً، بل يقارنونها بما يعتقدون أنه ينبغي أن تكون عليه الخدمات في الأوقات العادية: أي بمعايير سوريا ما قبل عام 2011.
ما هو العقد الجديد؟
تستند شرعية الحكومة الحالية إلى ركيزتين: قيادتها للثورة المسلحة إلى النصر (وهو ما يروق لنسبة 25-30% من السوريين الذين شاركوا فيها بشكل أو بآخر)، ووعدها بمستقبل أكثر ازدهاراً (لجميع المواطنين الآخرين). إلا أن الصيغة المتبعة حالياً لتحقيق الازدهار تستقي الكثير من نماذج رأس المال الاستثماري المغامر (venture capital) والملكية الخاصة (private equity)، والتي حققت نتائج متباينة في أماكن أخرى. قد ينجح هذا النهج، لكنه يتطلب نقاشاً وطنياً شفافًا وتوافقاً في الآراء.
لا يتمتع الحكم الحالي بقيادة هيئة تحرير الشام برفاهية تجاهل آراء الشعب التي استمرأها النظام البائد. فقد كان الهدف من «ثورة الكرامة» هو إرساء احترام المواطن العادي. وحتى حكم الأسد لم يكن قائماً على الخوف فحسب، بل كان هناك عقد اجتماعي ضمني: الطاعة السياسية مقابل توفير السلع الأساسية المدعومة بسعر معقول وشبكة أمان اجتماعي شاملة.
مع زوال الدعم الحكومي تقريباً وتصدر الخصخصة جدول الأعمال، يتساءل الكثيرون الآن عن ماهية العقد الاجتماعي الجديد.