© syriaintransition.com

Cover image
مراجعة كتاب

الأويغور المحاربون

مراجعة لكتاب إميلي فينغ «قلوبنا تحترق شوقاً للوطن: مقاتلو الأويغور في الحرب الأهلية السورية»

استناداً إلى عشرات المقابلات مع أفراد مجتمع الأويغور المنعزل في سوريا، تقدّم إميلي فينغ واحدة من أكثر الروايات شمولاً حتى الآن عن أولئك الذين غادروا ديارهم في شينجيانغ هرباً من قمع الدولة الصينية، ثم سعوا إلى تنظيم صفوفهم والتسلح استعداداً للعودة يوماً ما. إنها قراءة آسرة، إذ يروي الأويغور في سوريا، للمرة الأولى، تجاربهم بأصواتهم. ومع هذا الكم الكبير من الشهادات المباشرة، يترك الكتاب أسئلة جوهرية بلا إجابة، ولا يتوسع في شرح الترتيبات بين الأويغور وحلفائهم القدامى في هيئة تحرير الشام، لكنه يوفّر مادة غنية لطرح هذه الأسئلة.

يعيش المقاتلون الأويغور في سوريا في خوف دائم من المراقبة الصينية، ما يجعل مجتمعهم شديد التكتم. ورغم قلة المعلومات المتاحة عنهم -إذ يُقدَّر عددهم بنحو 3000 إلى 4000 مقاتل، إلى جانب 15000 من أفراد عائلاتهم- فقد اكتسبوا سمعة بوصفهم ربما الأكثر «هدوءاً» بين المقاتلين الأجانب في سوريا: فهم شديدو الانضباط، ولا ينخرطون في الجهاد العالمي، ومستعدون للامتثال لقواعد الدول المضيفة مع الحفاظ على ثقافتهم. وقد يلقى هذا التصوير صدى لدى الجمهور الغربي، إذ يشبه الصورة النمطية للمهاجر الصيني المثالي، في مقابل صورة العربي «المشاغب». لكن الأويغور شعب ذو أصول تركية، ولا يعدّون أنفسهم «صينيين»، على الأقل من يعيشون منهم في سوريا. وهم منضوون في الحزب الإسلامي التركستاني، ويُظهرون ولاءً شديداً لأحمد الشرع. وقد شاركوا تحت قيادته في الهجوم على حلب في تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، ثم تقدموا نحو دمشق، قبل أن ينسحبوا بهدوء إلى مناطق سكنهم حول جسر الشغور في محافظة إدلب، امتثالاً لأمره. وغالباً ما يُصوَّرون كتلة متجانسة، وهو ما يرتبط بلا شك بالسرية المحيطة بمجتمعاتهم: فمعظم الحديث يدور عنهم، لا معهم.

تحاول إميلي فينغ، بمساعدة اللغوي الأويغوري عبد الولي أيوب، تغيير هذا الواقع في كتابها «قلوبنا تحترق شوقاً للوطن: مقاتلو الأويغور في الحرب الأهلية السورية»، الذي نشرته دار كولومبيا غلوبال ريبورتس في أكتوبر 2026. وتبدو الدار مناسبة لهذا الكتاب، الذي يقوم في جوهره على العمل الصحفي. ففي مقدمة وستة فصول تمتد على 117 صفحة، تقدّم فينغ، مراسلة الإذاعة الوطنية العامة (NPR)، خلاصة منتقاة من نحو 60 مقابلة أجرتها في صيف 2025 مع أويغور يعيشون في سوريا، وآخرين كانوا قد غادروها.

الطريق إلى سوريا

تبدأ الفصول بتسلسل زمني، من خلال سرد مشاهد الإذلال والعنف المميت في شينجيانغ، المقاطعة الصينية التي تُعد موطناً لأقلية الأويغور المسلمة. وبالنسبة إلى من قابلتهم فينغ، أفضت هذه التجارب إلى صحوة قومية ودينية، وإلى قناعة بأنهم وشعبهم يواجهون تهديداً وجودياً. وأمام القوة الطاغية للدولة الصينية وما وصفوه بغضبها المتعصب والعنصري، بدت الهجرة والتنظيم في الخارج الخيار الوحيد. أما من رأوا في منظمات الأويغور الدولية القائمة، مثل مؤتمر الأويغور العالمي، مجرد «نمور من ورق»، فقد اعتبروا تعلم المقاومة المسلحة والحصول على السلاح السبيل الأمثل. وكان معظم من وصلوا لاحقاً إلى سوريا قد شهدوا أحداثاً شديدة القسوة، منها موجة العنف بين الأويغور والصينيين من عرقية الهان عام 2009، عقب التفريق العنيف لاحتجاجات الأويغور في عاصمة شينجيانغ. ويتذكر أحد المشاركين في المقابلات أنه رأى حشداً من الهان يسحبون عائلة أويغورية من سيارتها ويضربون أفرادها، ثم يجبرونهم على العودة إليها قبل إضرام النار فيها.

 مع ذلك، لم يكن هذا الجيل أول من خلص إلى أن المقاومة المسلحة تتطلب الانتقال إلى الخارج. فقد تأثر الجيل السابق بالإسلام السياسي والأفكار الجهادية التي حملها حجاج أويغور عائدون من السعودية في أواخر التسعينيات. وبدأ هؤلاء البحث عن أماكن للتدريب والتسلح، حتى وصلوا إلى أفغانستان وباكستان. وفي هذا المناخ ظهرت حركة تركستان الشرقية الإسلامية (ETIM)، المعروفة أيضاً باسم الحزب الإسلامي التركستاني (TIP)، والمتحالفة مع تنظيم القاعدة. وتؤكد فينغ أن الحركة في أفغانستان -المصنفة، وفقاً لما يورده الكتاب، منظمة إرهابية لدى الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي- لم تكن تنظيماً فاعلاً بقدر ما كانت شبكة فضفاضة من المقاتلين المتفرقين. وقد استغلت الصين حضورها في المنظمات الدولية لوصف مقاومة الأويغور لحكم الحزب الشيوعي بأنها إرهاب، مستندة إلى خطاب «الحرب على الإرهاب» الذي تقوده الولايات المتحدة، والذي منح حكومات حول العالم مبرراً جاهزاً للقمع. وانتقل أفراد من الجيل القديم في أفغانستان إلى سوريا نحو عام 2012، حيث عملوا قادةً ومدربين لجيل جديد من المقاتلين الأويغور الذين عبروا الحدود من تركيا، ووجدوا في سوريا بيئة مناسبة للتنظيم والتسلح واكتساب الخبرة القتالية.

تعلم شن الحروب

تلت ذلك سنوات من الحرب القاسية، تعيد فينغ سردها بتفاصيل دقيقة مستمدة من مقابلاتها. ويضم جزء كبير من الكتاب شهادات مباشرة لمقاتلين، إلى جانب عدد أقل من المدنيين، بينهم نساء، تُظهر مدى انغماسهم في الثقافة العسكرية الصارمة التي طوّرها الأويغور في سوريا. فثمة مقاتل يهدي زوجته مسدساً في زفافهما، وعندما تتدرب على الرماية تتخيل أنها تطلق النار على «شي جين بينغ، الخنزير». أما التدريب العسكري فشامل، ومصمم «لإنهاك الشخص جسدياً ونفسياً ثم إعادة بنائه»، كما يقول أحد القادة. ولهذه التجارب القاسية ثمن باهظ: يشلّ الخوف بعض المقاتلين في البداية، ويبكون أحياناً من الوحدة والمشقة. لكنهم يقولون إن الإخلاص ينتصر في النهاية، لأن تحرير وطنهم يعلو على كل شيء. وهم يدركون أن مواجهة النظام الصيني، بما يمتلكه من قدرات سيبرانية متقدمة وتسليح ثقيل، ستكون مختلفة تماماً في حجمها عن الصراع السوري. ومن المؤثر أن نقرأ لاحقاً كيف يبكي المقاتلون الجرحى في المستشفى بكاءً لا يستطيعون كبحه، تحت تأثير التخدير الذي يبدو أنه يبدد ضبط النفس الصارم لديهم.

 يروي الكتاب، من منظور الأويغور، معالم بارزة في الحرب الأهلية السورية: استقرار الحزب الإسلامي التركستاني حول جسر الشغور؛ وتمزق صفوفه بفعل الانقسام بين داعش وجبهة النصرة؛ وتصاعد المجازر مع التدخل العسكري الروسي عام 2015؛ ثم كبح تقدم نظام الأسد وحلفائه الإيرانيين والروس بفضل وقف إطلاق النار التركي الروسي في مارس 2020، الذي ثبّت خطوط المواجهة. إنها قراءة ثاقبة تُبرز ظواهر تتجاوز قصة الأويغور وحدها: التضامن الذي قد تولّده الحرب، والإحساس الهش بالانتماء والمساواة الذي قد تمنحه الصدمة الجماعية، والنظام واليقين اللذين قد يوفرهما التشدد الإسلامي حين ينهار كل شيء آخر، ثم الضياع الذي يسود عندما تصمت البنادق.

 ويبرز في الكتاب صعود جيل جديد إلى قيادة الحزب الإسلامي التركستاني. ومن أبرز شخصيات هذا الجيل تشوغتال، الذي تبدأ به الرواية وتنتهي عنده. يبلغ تشوغتال 36 عاماً، ويشغل منصب نائب قائد الفرقة 84 في الجيش السوري، التي أُنشئت أساساً لاستيعاب المقاتلين الأجانب. ومن الشخصيات الأخرى عبد العزيز داود كهدابردي، وهو جندي سابق في أفغانستان، تصوّره فينغ مؤيداً للانفصال عن تنظيم القاعدة والانضمام إلى هيئة تحرير الشام، ويقود اليوم الفرقة 84 برتبة عميد. ومن خلال هاتين الشخصيتين، تتتبع فينغ تحولات قيادة الحزب. ويقول القادة الذين قابلتهم إنهم أدركوا أن التطرف الإسلامي سينفّر شعبهم والمجتمع الدولي، الذي سيحتاجون إلى دعمه لتعزيز قدراتهم العسكرية وتحقيق حلمهم بدولة قومية للأويغور. ويستشهد بعضهم صراحة بالصهيونية نموذجاً. وبحسب روايات القادة، جاء انفصال الحزب عن تنظيم القاعدة عام 2018، بعد فترة وجيزة من تأسيس هيئة تحرير الشام وبإلهام منها.

إتاحة الوصول

تكتب فينغ أنها تواصلت في أوائل 2025 مع وزارة الإعلام السورية للحصول على إذن لإجراء مقابلات مع الأويغور، لكن طلبها رُفض. فقد كان ملف المقاتلين الأجانب، وقضية الأويغور تحديداً، شديد الحساسية: تركز الصين اهتمامها على وجودهم في سوريا، فيما كانت الحكومة الجديدة في دمشق بحاجة إلى أن لا تعرقل بكين رفع عقوبات الأمم المتحدة عن أحمد الشرع وهيئة تحرير الشام. وأصبح إجراء المقابلات ممكناً في نهاية المطاف بوساطة عبد الولي أيوب، اللغوي الأويغوري الذي ساعد فينغ وكان على اتصال مباشر بالأويغور في سوريا. وفي صيف 2025، أصبحت «جميع الجماعات الأويغورية» فجأة منفتحة على المقابلات، فأجرت فينغ وأيوب عشرات منها خلال زيارة استمرت شهراً. ومن المرجح أن مقابلات بهذا الحجم، تشمل كبار قادة يخدمون الآن في الجيش السوري، لم تكن لتجري لولا موافقة دمشق. فهذا مجتمع منظم يأخذ خطر التجسس الصيني بجدية بالغة؛ وتروي فينغ أن سكاناً أويغوراً محليين اعتدوا بالضرب المبرح على مجموعة من «السياح» الصينيين حاولوا زيارة قرى أويغورية في شمال سوريا في ربيع 2025. لا يعني ذلك أن المقابلات كانت مدبرة أو أن الروايات غير صحيحة، لكنه يطرح سؤالاً: هل يمكن فهم بعض هذه المقابلات، ولا سيما مقابلات كبار القادة الذين يشددون على كسب الدعم الدولي، بوصفها ممارسة للتواصل الاستراتيجي؟ كان الكتاب سيستفيد من مناقشة أوضح لظروف الوصول إلى المصادر، خاصة أن فينغ نادراً ما تضع شهادات من قابلتهم في سياقها أو تعلق عليها. فتقديم الروايات مع قدر محدود من السياق والتعليق ليس محايداً بالضرورة؛ إذ ينطوي اختيار المادة التي يقرأها الجمهور على موقف تحريري. وعلى أي حال، لا تدّعي فينغ الحياد. ففي المقدمة، تستشرف ما قد يحمله المستقبل في شينجيانغ بقولها: «إن ما يمكن أن يفعله بضعة آلاف من المقاتلين الأويغوريين ذوي الدافعية العالية والخبرة الكبيرة قد يفاجئنا جميعاً. لقد فاجأوني بالفعل».

انتظار الوقت المناسب

تصف فينغ المقاتلين الأويغور وهم يدخلون دمشق باكين، وقد استحضروا ديارهم. وألقى تشوغتال خطاباً وعد فيه بمواصلة السعي إلى تحرير شينجيانغ. ويروي مقاتل آخر أن أحد رفاقه بدأ يهلوس عند دخول اللاذقية، ظناً منه أنه يعود إلى مسقط رأسه؛ ثم عاوده مرض قلبي قديم، فتوفي بنوبة قلبية في الليلة نفسها. ولا تترك روايات فينغ مجالاً للشك في المكانة المركزية التي تحتلها مواجهة ما يعدّه هؤلاء الرجال والنساء احتلالاً صينياً. وتكشف كذلك عن خشيتهم من أن ينسى أطفالهم، الذين لا يعرفون وطنهم إلا عبر القصص، هذه القضية، وأن يتحول «انتظار الوقت المناسب» إلى شعار مريح يخفي التقاعس عن العمل. ومن غير المرجح أن تتوقف ببساطة عن القتال جماعة إسلامية تقوم على الطاعة المطلقة -التي تصفها إحدى النساء الأويغوريات بأنها «عبادة القادة»- ويتمحور وجودها حول تحرير شينجيانغ، أو تركستان الشرقية كما يسمونها.

ولا يزال من غير الواضح كيف تمكنت الحكومة السورية من استرضاء بكين، وما إذا كان الشرع قد تعهد بمراقبة الأويغور استجابة لمخاوف الصين وإصرارها على المراقبة. ولن يكون التعامل مع هذا الملف تحدياً جديداً تماماً بالنسبة إليه؛ فقد سبق أن أبقى الفصائل الجهادية في إدلب تحت السيطرة، بينما كان يمرر معلومات عنها إلى التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة. ويبقى السؤال: ماذا قد يعني ذلك لمجتمع الأويغور المسلح، الذي يبحث عن مكانه في سوريا الجديدة، ويحاول فهم انعكاسات هذا الواقع على القضية التي دفعت كثيرين من أفراده إلى هناك أصلاً؟ يثير كتاب فينغ هذه التساؤلات من دون أن يحسمها. ومهما تكن الإجابات، فمن المرجح أن يصبح مرجعاً أساسياً لمن يسعى إلى فهم الأويغور في سوريا.

العودة إلى الأعلى

مراجعة كتاب

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية