© syriaintransition.com

Cover image
الفن والثقافة

دمشق، مدينة قوالب الأنوف

كيف تساهم وسائل التواصل الاجتماعي، وتغيّر معايير الجمال، وجيل جديد من الجراحين في تعزيز ازدهار جراحات التجميل في سوريا

شهدت الجراحة التجميلية ازدهاراً في سوريا خلال سنوات الحرب، ولا يزال هذا الازدهار مستمراً. تعمّقنا في عالم الجراحين المؤثرين ومجموعات التواصل الاجتماعي التي تبحث فيها النساء عن الطبيب المناسب، ويسعَين فيها بيأس إلى الحصول على نصائح بشأن المضاعفات؛ وتحدثنا إلى جراحين سوريين؛ وزرنا المؤتمر الدولي الأول للجمعية السورية للجراحة التجميلية والطب التجميلي.

في شوارع دمشق اليوم، تلفت النظر ضمادة بيضاء أو جبيرة على أنف شابة أو شاب. معظم من يضعونها نساء في العشرينات، لكن المشهد يشمل رجالاً وحتى أطفالاً. إنها أثر عملية تجميل حديثة، وإشارة إلى إقبال ازدهر خلال سنوات الحرب وما زال مستمراً. فما الذي يدفع كل هؤلاء إلى باب العيادة؟

بحثاً عن إجابة، تابعنا حسابات الجراحين ومجموعات النصائح على وسائل التواصل الاجتماعي، وتحدثنا مع أطباء سوريين، وزرنا المؤتمر الدولي الأول للجمعية السورية لجراحة التجميل والطب التجميلي. وبين صور النتائج وأسئلة النساء وتحذيرات الأطباء، ظهرت حكاية لا تنتهي بانتهاء العملية.

تبدأ إحدى الإجابات من السعر: تتراوح تكلفة تجميل الأنف بين 600 و1500 دولار، ما يجعل العملية ميسورة نسبياً. لكن كثرة الجبائر في الشارع توحي بما يتجاوز التكلفة؛ إنها علامة على طلب كبير وقبول اجتماعي واسع.

على فيسبوك، البحث عن طبيب وعن طمأنينة

على فيسبوك، تنتقل هذه الأسئلة من الشارع إلى مجموعة «وين عملتي تجميل»، إحدى أكبر مساحات النصائح التجميلية عبر الإنترنت في سوريا. تضم المجموعة أكثر من 155000 عضو، وتستقطب نحو 200– 250 عضواً جديداً أسبوعياً، وتنشر فيها قرابة 75 مشاركة يومياً، معظمها لشابات. وخلال عدة أسابيع من أيلول/ سبتمبر وتشرين الأول/ أكتوبر، راجعت مجلة «سوريا المتجدّدة» منشوراتها، فبرزت ثلاثة مسارات رئيسية: البحث عن توصيات بأطباء وممارسين، والاستفسار عن المضاعفات، والسؤال عن علاجات تبدأ بإزالة الشعر بالليزر والفيلر وتصل إلى شفط الدهون وتجميل الأنف.

ليس كل من تكتب في المجموعة مقبلةً على عملية. بعض النساء يعودن إليها بعدما غادرن العيادة، حاملات أسئلة عن مضاعفات قد تكون خطيرة. إحداهن تتحدث عن صعوبة التنفس بعد سبعة أشهر، وأخرى عن تورم يعود بعد عام، وثالثة عن ندبة ظهرت بعد شهرين. هنا، لا يعود السؤال عن شكل الأنف وحده، بل عما حدث له وكيف يمكن الاطمئنان عليه.

«صرلي 7 شهور عاملة أنفي وعم حس التنفس مو تمام أبداً، وقت النوم عم لاقي صعوبة كتير وما عم أقدر نام بسبب هالشي
وكمان صرلي أسبوعين لمّا اتنفس عم يطلع صوت النفس، شو ساوي؟ مزعوجة كتير والله
بروح عند الدكتور بقلي أمورك تمام ما بيحكي تفاصيل بس بيختصر».

«صبايا هي أنفي بعد سنة من العملية، عندي انتفاخ فوق الذروة، انتو هلأ شايفينو، بروح وبيجي، عم حط بلاستر كل الليل لهلأ وعملت نقطتين كورتيزون، زبط فترة وما أحلاه وهلأ رجع. رح موت شو هاد، ودكتوري مسافر وما بدي روح لدكتور تاني ويقلي ترميم، كتير مقهورة، بس يفش التورم بكون بجنن بس عم تضل نفخة هيك كل فترة».

«أنا صار معي تليف بأنفي بعد شهرين من العملية، الصبايا الي مرقو بنفس هالشي شو عملتو؟ بليز انصحوني.
بقدر أعمل مساج؟ وفي أمل يروح؟».

وحين يعود الحديث إلى اختيار الطبيب، تظهر عقبة أخرى: الثقة في التوصيات نفسها. تتكرر في المنشورات المطالبة بتجارب حقيقية، كأن صاحباتها يحاولن فصل أصوات المريضات عن أصوات المسوّقين. «هذا أنف وليس لعبة»، تكتب إحداهن.

«صبايا أنا قررت ساوي أنفي عند الدكتور ***، حبابين احكولي تجاربكم بدون إعلانات لأنو هاد أنف مو لعبة.. أنا ما عندي مشاكل تنفسية بس بدي غير شكلو..».

«صبايا بدي نصيحتكم، بتنصحوني سوي أنفي عند أي دكتور؟ بدي نتيجة طبيعية حلوة وأسعار مو أوفر
ما بسامح أي مسوقة بتسوّق، بدي تجارب حقيقية، ويا ريت يا بنات الي بتقدر تصور أنفها مع اسم الدكتور ما تقصر».

«كيفكم صبايا، بدي اسألكم عن الدكتور *** لتجميل الأنف
أمانة الي عملو عندو يجاوبوني مع العلم أنو أنفي مو تجميل عادي، فيه مشاكل
الله لا يسامحها يلي رح تكتب تعليق مشان تسويق، والله هي تالت مرة بعملو».

وليس الخوف من المضاعفات أو الإعلان وحده ما يملأ هذه المساحة. هناك أيضاً عدم رضا عن المظهر، وخجل من الجسد، ورغبة في الظهور بسن أصغر. يصعب معرفة ما يدفع كل امرأة إلى الكتابة، لكن بعض المنشورات يكشف كيف يمكن لكلمة عابرة أن تفتح باب التفكير في إجراء تجميلي. في إحدى المشاركات، تبدأ الحكاية بكلمة «خالتو».

صبايا عمري 30 سنة ومبارح في شب عمرو 25 قال بقلي خالتو، طبعاً كتير انزعجت وتضايقت وعصبت، معقول مجتمع بيوصف صبية بالتلاتينات بكلمة خالتو؟ شو تركتو لعمر الخمسين والستين؟ شو في إجراءات بتنعمل بهاد العمر بتصغرني عشر سنين؟ دلوني زكاتكم

حين تصبح شاشة الهاتف واجهة للعيادة

وفي مقابل النساء الباحثات عن تجربة يثقن بها، يعرض الجراحون أعمالهم على الشاشة. صور قبل العملية وبعدها تمنح حساباتهم دور واجهات للعيادات، وتجمع حول بعضهم جمهوراً واسعاً. ليست التعليقات الإعلانية المتخفية، إذاً، سوى جانب من حضور التجميل على وسائل التواصل. يتابع الدكتور رامي الحسين أكثر من 70 ألف شخص على إنستغرام و39 ألفاً على فيسبوك، فيما تحظى حسابات جراحين سوريين آخرين بعشرات الآلاف من المتابعين. أما الدكتور عماد حسين، الذي يتابعه 54 ألف شخص على إنستغرام، فيعلن عن «أكثر من 2000 عملية تجميلية» موثقة بالصور.

هذه الأعداد لا تقيس جودة عمل الجراحين؛ إنها تكشف مدى حضور التسويق الرقمي في عالم جراحة التجميل. ولا توجد إشارة إلى تورط أي من الطبيبين المذكورين في ممارسات الترويج المدفوع التي يتحدث عنها الدكتور وائل البرازي في ما يأتي.

في عيادة البرازي، الوجه الآخر للحكاية

من الشاشة إلى عيادة قريبة من البنك المركزي السوري، تتغير زاوية النظر. هنا تحدثنا مع الدكتور وائل البرازي، جراح التجميل الاستشاري الذي تمتد خبرته إلى 25 عاماً، والرئيس المؤسس للجمعية السورية لجراحة التجميل والطب التجميلي (SASMA). وحين سألناه عن مجموعات فيسبوك مثل «وين عملتي تجميل»، تحدث بصراحة عن علاقة القطاع بوسائل التواصل الاجتماعي. وزعم أن أطباء شباباً يدفعون لأشخاص مؤثرين في تلك المجموعات كي يروّجوا لهم: «إنهم يدفعون آلافاً وملايين الليرات السورية لجذب المرضى».

لكن ما يقلقه أكثر هو إجراء بعض الأطباء عمليات تتجاوز خبرتهم. يقول: «خمسون بالمئة من عملياتي ترميمية، ويأتي إليّ العديد من المرضى لإصلاح أخطاء جراحية ارتكبها جراحون آخرون». ويستعيد حالة مريضة تشوّه أنفها بعد عملية تجميل فاشلة وثلاث محاولات ترميم لاحقة. لإصلاح الضرر، استخدم رقعة جلدية كبيرة من جبينها. ويضيف: «لا يُمكنك تخيّل حالتها النفسية. كانت في حالة سيئة، والآن هي في حالة أفضل».

وفي مثال آخر على ما يراه تجاوزاً لحدود التخصص، أضاف: «بعض جراحي الأنف والأذن والحنجرة في دمشق يقومون بعمليات تكبير الثدي. هذه جريمة. إنهم ليسوا متخصصين».

غير أن الإقبال على التجميل، كما يرويه البرازي، ليس وليد هذه المرحلة. يتذكر زملاء أجانب ظنوا أن الحرب أدت إلى انكماش القطاع، بينما كانت تجربته تشير إلى العكس: «قلتُ لا، الطلب في ازدياد، بسبب الحالة النفسية للمرضى: فهم يريدون فعل شيء ما لينسوا ما يدور حولهم».

ويتقاطع حديثه مع تقرير صدر عام 2022، نقل عن مسؤول في نقابة أطباء دمشق أن مراكز التجميل في دمشق توسعت بنسبة 80 بالمئة خلال السنوات الخمس السابقة. واليوم، توحي ضمادات الأنوف في شوارع المدينة بأن الطلب لم يختفِ مع سقوط نظام الأسد.

ماذا يقول البحث الأكاديمي حول وسائل التواصل الاجتماعي والجراحات التجميليه؟

ما ترويه النساء في المنشورات يطرح أسئلة تتجاوز التجارب الفردية. وتمنح الأبحاث بعض هذه الأسئلة إطاراً أوسع. ففي دراسة أجريت عام 2025 وشملت 2605 سوريين، كان من يقضون أكثر من خمس ساعات يومياً على وسائل التواصل الاجتماعي أكثر ميلاً، بصورة ملحوظة، إلى التفكير في عمليات التجميل. وارتبطت متابعة أعداد كبيرة من مؤثري الموضة بزيادة عدم الرضا عن المظهر. واعتقد نحو 76% من المشاركين أن عمليات التجميل قد تساعدهم على التشبه بمشاهير وسائل التواصل الاجتماعي، بينما أفاد 19% فقط بأنهم يتحققون من مؤهلات ممارسي هذه العمليات.

بالنسبة إلى الدكتور أحمد الدارة، الجراح السوري المشارك في إعداد الدراسة، كانت النتائج «هامة ومثيرة للقلق». لكنه شدد، في حديثه لمجلة «سوريا المتجددة»، على حدود ما تقوله الأرقام: «مع أنها أظهرت وجود ارتباط، وليس علاقة سببية، إلا أنه لا يمكننا تجاهل هذا الارتباط لأنه يُظهر نمطاً، وليس في اتجاه جيد».

ومن هنا، أوصى الباحثون بتشديد التحقق من مؤهلات الممارسين، والتحري عن اضطرابات صورة الجسم، وزيادة شفافية الإعلانات، وتعزيز التثقيف الإعلامي لدى الشباب لتمييز المحتوى المتلاعب به وفهم آثار المقارنات القائمة على المظهر. ويرى الدارة أن المسؤولية مشتركة: الحكومة تتولى الترخيص والتنظيم، والجمعيات المهنية تضع المعايير والتوجيهات الأخلاقية، ومنصات التواصل تطبق معايير الإعلان الأخلاقية وتعزز الوعي الإعلامي.

في قاعات المؤتمر، سؤال السلامة

انتقل سؤال المسؤولية إلى قاعات المؤتمر الدولي الأول للجمعية السورية لجراحة التجميل والطب التجميلي في دمشق، حيث حضرت قضايا السلامة وحدود الممارسة في النقاش المهني. تأسست الجمعية عام 2025، وعقدت مؤتمرها «Beauty Damas 1» من 17 إلى 19 أكتوبر. ويرى البرازي في مثل هذه اللقاءات فرصة لتوجيه جيل جديد من جراحي التجميل في سوريا.

وعن دور الجمعية، قال: «الهدف الرئيسي لـ SASMA هو في تعليم الأجيال الجديدة الصواب والخطأ، والمعايير والأخلاق». ويعدّ هذا الدور بالغ الأهمية في مواجهة ما يصفه بنقص الكفاءات لدى جراحين شباب، وضرب مثالاً على التسرع في تبنّي التقنيات: «صادفت تقنية جديدة على يوتيوب أو وسائل التواصل الاجتماعي وقررت حسناً، سأفعل ذلك غداً».

حضر المؤتمر نحو 285 جراحاً. وبينما غلب الطابع التقني على جلساته الـ83، تناول عدد منها قضايا السلامة بوضوح. تحدث البرازي عن «المضاعفات الكارثية في جراحة التجميل»، وناقش الجراح السوري المقيم في المملكة المتحدة، الدكتور سامي الحسن، الأسباب الشائعة لفشل تجميل الأنف. وفي الجلسة الافتتاحية، حذر الجراح البريطاني، الدكتور عمر تيلو، من «النتائج غير الواقعية والمُعدّلة التي تُعرض على أنها قابلة للتحقيق بشكل روتيني»، ومن «الممارسات غير الآمنة والتسويق غير المسؤول الذي يتم الترويج له دون إشراف طبي». ولخّصت إحدى الشرائح الفارق بين المهارة والحكم الطبي بعبارة بسيطة: «الفني هو من يعرف كيف يُجري العملية. والجراح هو من يعرف متى يُجري العملية. والجراحون الجيدون هم من يعرفون متى لا يُجرون العملية».

كان حضور السلامة في النقاش مشجعاً، لكنه ترك أسئلة أوسع بلا مساحة كافية: ماذا عن معايير الجمال والضغوط التي تدفع الشابات إلى تغيير أجسادهن؟ وكيف تؤثر مجموعات النصائح في قراراتهن؟ وأين تنتهي حدود التسويق الذي يمارسه الجراحون على حساباتهم؟ كذلك، يبقى من غير الواضح مدى وصول تحذيرات أطباء ذوي خبرة مثل البرازي إلى من يعملون خارج نطاق تخصصهم.

ومن خارج قاعات المؤتمر، جاءت وجهة نظر أكثر حدة. قالت طالبة طب في سنتها الأخيرة بدمشق، فضّلت عدم الكشف عن اسمها: «الجراحة التجميلية رائجة. بعض النساء يلجأن إليها للتباهي بثروتهن؛ وبعضهن جميلات لكنهن يعانين من انعدام الثقة بالنفس. إنه تفكير مادي بحت، والناس أشبه بقطيع من الأغنام، يقفون في طابور لإجراء عملية جراحية دون التفكير في المضاعفات المستقبلية».

وترى الطالبة أن هذا التوجه امتد إلى الأطباء أيضاً، مبتعداً بالمجال عما تعتبره غايته الأصلية: مساعدة من يعانون من تشوهات ناجمة عن إصابات أو حالات أخرى. وتروي: «في هذه الأيام، يرغب الجميع في العمل في مجال التجميل. كلما سألني أحدهم عن التخصص الذي أرغب فيه، يقول لي: ' تخصصي في التجميل فهذا سيكسبك المال '». تعود الحكاية، في النهاية، إلى تلك الضمادات البيضاء في شوارع دمشق. وراءها رغبات وتجارب لا تختصرها صورة «قبل وبعد»، وأسئلة عن الثقة والسلامة لا تنتهي عند باب العيادة.

العودة إلى الأعلى

الفن والثقافة

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية