© syriaintransition.com

Cover image
العدالة والحقوق والمجتمع المدني

التأثير الشيطاني في سوريا

وراء محاكمة الجناة، سؤال أصعب: كيف يعرف الإنسان الصواب، ثم يختار الشر؟

قد يفتقر مسار العدالة الانتقالية في سوريا إلى إجراءٍ كان الحلفاء قد اتخذوه بحق كبار معاوني هتلر عقب هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية؛ إذ قام أطباء نفسيون وعلماء نفس بفحص عقولهم لفهم كيف يمكن لمجتمعٍ حديثٍ أن يدعم نظاماً قائماً على الإبادة الجماعية. وما توصلوا إليه كان غير متوقع، ويفتح الباب أمام إجراء مقارناتٍ مع رجالٍ كانوا يتمتعون يوماً بنفوذٍ واسع، ويخضعون الآن للمحاكمة في سوريا.

هذا هو السؤال الذي يتتبعه عالم النفس فيليب زيمباردو في كتابه «تأثير الشيطان» (The Lucifer Effect). فالعقل الذي يستطيع الرعاية والإبداع قادر أيضاً على القسوة والتدمير. ليست المسألة، في هذا المنظور، حكاية وحوش نختلف عنها بالفطرة؛ إنها مساءلة للظروف التي قد تدفع أشخاصاً عاديين إلى أفعال كانوا يعتقدون أنهم لن يرتكبوها أبداً.

مع صدور أولى الأحكام بحق مسؤولين رفيعي المستوى في النظام السابق، أخذت العدالة الانتقالية في سوريا تتجه بوضوح نحو العقاب: تحديد الجناة، وإدانتهم، ومحاسبتهم على جرائم بعينها. وهذه مهمة لا غنى عنها. غير أن حصر العدالة في هذا المسار، وسط مطالب شعبية بالثأر، قد يحجب ما وراء المسؤولية الجنائية المباشرة. كيف استمر كابوس الحكم الأسدي طوال 54 عاماً؟ وكيف تحولت سرديات المؤامرة والأعداء الوجوديين، ومعها منظومة المراقبة، إلى قواعد للحياة اليومية تُكافئ الولاء وتدفع الناس إلى افتراس بعضهم بعضاً؟

لا تزال السردية السورية المشتركة للماضي بعيدة المنال. فما تتذكره فئة بوصفه قمعاً وخسارة، قد تستعيده أخرى باعتباره حماية واستقراراً. ومن هنا، لا يكفي الوعد بالتعافي والنهوض؛ لا بد من فهم الدوافع والمبررات التي أبقت آلة القمع تعمل. فالاختفاء القسري في صيدنايا، ومصادرة الممتلكات، والتعذيب في المؤسسات العامة، تطرح أسئلة تتجاوز حملة السلاح وأصحاب الرتب، وتمتد إلى أدوار مدنية ومهنية متعددة. لا يعني ذلك مساواة الجميع في المسؤولية، بل التمييز بين ما يمكن إثباته أمام المحكمة وما يحتاج المجتمع إلى مواجهته خارجها.

تلك هي المساحة التي يستحق فيها «تأثير الشيطان» السوري اهتماماً جاداً. ليس لتخفيف مسؤولية الجناة، بل كي لا يتحول الذنب والخزي والغضب إلى ميراث يطارد الأجيال التالية. وللاقتراب من هذا السؤال، تقدم نورمبرغ مدخلاً تاريخياً كاشفاً.

نورمبرغ: ما وراء صورة الوحش

بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، لم يكتفِ الحلفاء بمحاكمة كبار شركاء هتلر. استعانت السلطات الأمريكية بأطباء نفسيين وعلماء نفس لفحص المتهمين، في محاولة لفهم كيف استطاع مجتمع حديث أن يدعم آلة إبادة. وكان دوغلاس كيلي وغوستاف جيلبرت من أبرز من انشغلوا بالسؤال: هل تكمن جذور الوحشية في سمات فردية متأصلة، أم في تنشئة سياسية واجتماعية صنعت طرقاً بعينها للتفكير والطاعة؟

كانت النتيجة أقل راحة من تصور الجناة وحوشاً منفصلة عن البشر العاديين. لم يُظهر معظم المتهمين علامات مرض نفسي تسلبهم القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ. اختلف كيلي وجيلبرت في تفسيراتهما، لكن عملهما أضعف فكرة أن الجرائم النازية تُفسَّر بمجرد اختلال أصحابها. وبرزت، بدلاً من ذلك، دوافع مألوفة: الطموح، والخضوع للسلطة، والتنصل من المسؤولية باسم الولاء، وصناعة عدو وجودي، وتعطيل التعاطف. كان الدرس مقلقاً: السلامة النفسية لا تمنع الإنسان، وحدها، من ارتكاب الفظائع.

في شخصية هيرمان غورينغ، أحد أبرز قادة نظام هتلر، ظهرت الانتهازية السياسية بوجهها البارد. فقد تعامل مع الدعاية المعادية للسامية بوصفها أداة لاستثمار غرائز الجمهور، وبرر إقصاء حلفاء قدامى، بينهم إرنست روم، بمنطق الضرورة السياسية. وفي المقابل، كشفت التقييمات والمراسلات الخاصة عن رجل يجيد استمالة الآخرين، ويسعى إلى الاهتمام والسيطرة، ويُظهر عاطفة تجاه أسرته، مع إدمان على الباراكودين، وهو دواء أفيوني يثبط السعال ويخدر الألم. لم يكن التناقض بين حميميته الخاصة وقسوته السياسية تفصيلاً هامشياً؛ بل كان جزءاً من السؤال الذي حاول الفاحصون فهمه.

أما يوليوس شترايشر، أحد أبرز دعاة معاداة السامية النازية، فيقدم مساراً مختلفاً: التواطؤ المدفوع بالقناعة العقائدية. فقد استغرق في تصور تآمري يشيطن اليهود، حتى صار التهديد المتخيل حقيقة في نظره. هنا تساعد مبرهنة توماس على فهم الآلية: ما يتعامل معه الناس بوصفه حقيقياً قد يصبح حقيقياً في عواقبه. وحين يُصدَّق وجود عدو يهدد البقاء، يمكن أن يُعاد تقديم العنف ضده باعتباره دفاعاً ضرورياً، بل واجباً أخلاقياً.

اتسعت الصورة في المحاكمات اللاحقة، حين طُرحت أدوار الأطباء، والمحامين والصناعيين والإداريين. لم يعد السؤال عن قادة يصدرون الأوامر فحسب، بل عن مهن ومؤسسات جعلت تنفيذها جزءاً من العمل اليومي. ففي أوشفيتز، شارك أطباء قوات الأمن الخاصة النازية (SS) في اختيار من يُرسلون إلى غرف الغاز. وأتاح خطاب «شفاء الأمة» تغليف القتل بمبررات أخلاقية ومهنية. هكذا لا تكتفي البيئة المتطرفة بتطبيع الجريمة؛ يسهم المشاركون فيها أيضاً في ترسيخ تلك البيئة.

حين تصبح المهنة جزءاً من آلة القمع

من هنا تأتي المقارنة مع سوريا: لا لمساواة تجربتين تاريخيتين، بل لفهم كيف تنقلب المهنة التي وُجدت لحماية الحياة إلى جزء من منظومة العنف. وفي هذا السياق، يبرز مقطع نشرته وزارة العدل السورية في صيف 2026، ظهر فيه أطباء عسكريون من مستشفى تشرين متهمون باستئصال كبد معتقل من الفرع 215 للاستخبارات العسكرية وزرعه في ضابط مريض من النظام. تبقى هذه اتهامات يتعين إثباتها قضائياً، ولا تحل إعادة تمثيل الواقعة محل الدليل. لكن التركيز على بشاعتها وحدها قد يصرف النظر عن سؤال آخر: كيف أمكن، وفق هذه الرواية، التعامل مع المعتقل باعتباره مورداً طبياً لا إنساناً له حقوق؟

تقدم لغة بشار الأسد عن معارضيه بعد عام 2011 مدخلاً لهذا السؤال. فوصفهم بالجراثيم أو الآفات يخرج الخصم من دائرة البشر إلى دائرة الخطر الذي ينبغي التخلص منه. وفي مثل هذا الخطاب، قد يبدو الإقصاء كأنه إجراء علاجي، لا اعتداء على إنسان. لا تثبت اللغة وحدها دوافع كل متهم، لكنها تكشف إطاراً للتبرير يستحق أن يفحصه أي بحث جاد في منطق القمع.

يمكن استخدام تعبير «المرض الأسدي» هنا بوصفه استعارة سياسية واجتماعية، لا تشخيصاً طبياً. فهو يشير إلى نمط من التفكير والسلوك داخل نظام ربط الحماية والترقي بالقرب من السلطة، وجعل انعدام الأمن والتنافس جزءاً من الحياة اليومية. في هذا المناخ، صار الخضوع لمن هم أعلى والسيطرة على من هم أدنى وسيلتين لحماية الموقع والمصلحة. ولا يُسقط تفسير هذه القواعد المسؤولية الفردية؛ بل يساعد على السؤال عن مساحة الاختيار، وعن الضغوط والمكافآت التي أحاطت به. ومع تكرار الحديث عن أعداء وجوديين، أصبح الاشتباه في الآخر وتأكيد التفوق عليه قابلين للتحول إلى عادات اجتماعية.

ثلاثية التواطؤ

في ضوء هذا الإطار، يمكن قراءة ثلاث صور محتملة للتواطؤ، لا بوصفها أحكاماً نفسية على أصحابها، بل فرضيات تحتاج إلى فحص الشهادات والأدلة. قد تتيح حالة عاطف نجيب استكشاف النمط الأمني: فرد يرى في الانتماء إلى المؤسسة حماية من أخطار الخارج ومن قمع المؤسسة نفسها. ويتحول أداء الواجب، في هذا التصور، إلى مصدر سلطة شخصية؛ فيُقدَّم ما يفعله صاحبه باعتباره ضرورة مهنية، بينما يمنحه الموقع قدرة واسعة على التحكم بمصائر الآخرين. والسؤال هنا ليس عمّا يدور في نفس شخص بعينه من دون دليل، بل عن الكيفية التي يختلط بها طلب الأمان بممارسة القمع.

وتفتح حالة وسيم الأسد باباً لفحص نمط آخر، قوامه الامتياز الشخصي والقرب العائلي من مركز الحكم. فالعلاقات التي يتباهى بها صاحبها قد تصبح، داخل هذا النظام، مورداً للحماية والنفوذ، وعلامة على تفاوت تطبيق القواعد. أما الاتهامات المتعلقة بالقتل وتجارة المخدرات، فتظل بحاجة إلى الإثبات أمام القضاء. وما يهم التحليل الاجتماعي هو آلية الامتياز نفسها: كيف يجتمع الخضوع للأقوى مع التحكم بالأضعف، وكيف يتحول الإفلات من المحاسبة إلى تعبير عن المكانة؟

أما مبررات المفتي العام السابق أحمد حسون أمام المحكمة، فتطرح صورة ثالثة: التواطؤ باسم القدرة على فعل الخير. فقد برر قربه من النظام بأنه أتاح له مساعدة الناس والسعي إلى إطلاق سراح معتقلين. يستحق هذا الدفاع الفحص، لا التسليم به؛ فهو ينقل النقاش من المشاركة في السلطة إلى المنافع التي يقول صاحبه إنه حققها من داخلها. هنا تتشكل صفقة أخلاقية ملتبسة: قبول القرب من سلطة جائرة بدعوى تخفيف أذاها. والسؤال الذي يبقى هو ما إذا كانت تلك المساعدة تحدّ من الضرر، أم تصبح أيضاً مبرراً للاستمرار في منظومة تصنعه.

إدارة المرآة نحو الداخل

لا تنتهي أهمية هذه الأسئلة عند نخب النظام. فقيمة دراسة مبرراتهم أنها قد تكشف القواعد التي امتدت إلى المجتمع: السعي إلى المكسب، والبحث عن الحماية، وإثبات الولاء، ومحاولة تدبير الحياة بأقل الخسائر. تتباين المواقع والأفعال والمسؤوليات، لكن فهم المنطق المشترك يساعد على رؤية ما لا يظهر في ملفات الاتهام وحدها.

لم يكن الانتماء إلى قمة السلطة شرطاً لتعلم تلك القواعد. فقد تسللت إلى علاقات العمل، وعادات الحكم على الآخرين، وطرق تبرير السلوك اليومي. لذلك لا يمحو سقوط المؤسسات، وحده، إرثها الاجتماعي. وقد يستمر هذا الإرث كلما كوفئت المصلحة على حساب الحقوق، أو عُدَّ إذلال الأضعف وسيلة طبيعية لحماية الذات. ليست الغاية اتهام المجتمع كله، بل فهم ما تركه الحكم الطويل في علاقاته، كي لا يُعاد إنتاجه بأسماء جديدة.

يمكن لتوثيق شهادات المتهمين، ودراسة مبرراتهم دراسة منهجية، أن يضيفا إلى العدالة الانتقالية معرفة لا توفرها الأحكام وحدها. ومع ذلك، لا يصح أن يحل التفسير النفسي أو الاجتماعي محل الدليل، أو أن يصبح أساساً منفرداً للعفو والعقاب. ستواجه سوريا أسئلة صعبة: من تجب محاكمته؟ وما شروط العفو؟ وكيف تُشرح الفروق في المسؤولية لمجتمع امتدت فيه آلة القمع إلى ما وراء مصدري الأوامر؟ بين من مارس العنف ومن تكيف خوفاً أو اضطراراً، لا يُرسم الحد بالاستعارة، بل بالفعل المثبت والسياق والمسؤولية.

حتى إذا تعذر توظيف هذه المعرفة اليوم، فإن جمعها سيترك للأجيال المقبلة سجلاً يتجاوز قائمة الجرائم إلى طرق فهمها وتبريرها. وهذا، أيضاً، جزء من التعافي: أن تعرف سوريا لا ما فعله الجناة فحسب، بل كيف أتاح النظام فعله، وكيف يمكن منع تكراره. ففي النهاية، يبقى اعتقال المخبر أو المسؤول شأناً قضائياً؛ أما تفكيك القواعد التي جعلت الوشاية والقمع طريقاً إلى الأمان والترقي، فهو عمل أطول. عند هذا الحد، تبدأ العدالة في تجاوز باب المحكمة.

العودة إلى الأعلى

العدالة والحقوق والمجتمع المدني

اشترك ليصلك آخر أعداد مجلة سوريا المتجدّدة إلى بريدك الإلكتروني

* الحقول المطلوبة
العربية